الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 120، الدرس العشرون بعد المائة:من( ويتبرءون من طريق الروافض الذين يبغضون الصحابة ... الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتبنى أهل السنة والجماعة منهجًا وسطًا في التعامل مع الصحابة وأهل البيت، يحبون جميع الصحابة ويعطون أهل البيت حقهم دون إفراط أو تفريط. هذا المنهج يتبرأ من طريقة الروافض والنواصب ويعترف باحتمال صدور الذنوب من الصحابة مع الاعتراف بحسناتهم وسبقهم.
يتناول المقطع كذب بعض الرواة مثل أبو مخنف وهشام الكلبي في رواية الأحداث المتعلقة بالصحابة، ويبين أن كثيرًا مما يستدل به الرافضة هو من الكذب أو قد زيد فيه ونقص. هذا يشير إلى أهمية التحقق من الروايات التاريخية.
يشرح آراء العلماء في مسألة معاقبة المجتهدين المخطئين، ويبين فضل الصحابة ووجوب عدم الحكم عليهم بالنار لما لهم من أسباب المغفرة. هذا يوضح الموقف الشرعي من الأخطاء الاجتهادية.
يختتم الدرس الحالي مع الإشارة إلى أن باقي النقاط المهمة سيتم مناقشتها في الدرس القادم. يتم التأكيد على أن العلم بيد الله تعالى، مما يعكس التواضع والاعتراف بالحدود المعرفية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحي السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين؟ إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور. ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح. ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله». أورد رحمه الله هذا الفصل على تدرجه رحمه الله تعالى في ذكر فضل الصحابة، بعد أن ذكر فضلهم بالجملة، ثم انتقل في ذكر شيء من تفاصيل فضلهم على وجه التخصيص. انتقل رحمه الله إلى مسألة البراءة من طريقة الرافضة والناصبة. الرافضة الذين رفضوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي ممن زعموا أنهم خالفوا عليًا حتى كفروا الكثير من الصحابة. والناصبة الذين نصبوا العداء لأهل البيت، وكلهم على خطأ. وأهل السنة في هذا كما مر معنا وسط بين طريقة الرافضة وبين طريقة الناصبة، فيعطون أهل البيت منزلتهم، ولا يرفعونها فوق الذي لهم، كما أنهم يحبون جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما قد صدر منهم رضي الله عنهم وبينهم، فلهم في ذلك كما ذكر المؤلف رحمه الله توجيهات. فأهل السنة مع الرافضة كما قال شيخ الإسلام في مواضع من كتبه في «المنهاج» وغيره، كالمسلمين مع النصارى. فإن المسلمين مع النصارى في عيسى ينزلون عيسى منزلته الشرعية، يرونه نبيًا رسولًا، ولكن النصارى يرونه إلهًا. وليس نفي الألوهية عن عيسى قد حن في عيسى عليه الصلاة والسلام، كما أن إنزال أهل السنة والجماعة لعلي وأهل بيته منزلتهم ليس معناه معاداة لأهل بيته رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وقوله رحمه الله تعالى: «ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب»، يعني فخلص بذلك الكثير منه لا يقبل لكذبه. وهذا كثير في كتب التاريخ، وبعض كتب التفسير، وبعض كذلك كتب السير. وقد نبه العلماء على ذلك الكذب، خصوصًا من له معرفة بهذا الباب. ومن هذا الكثير المنقول على سبيل المثال ما يتعلق بمطاعن بعض الصحابة، أو كذلك بمعضي تفاصيل ما قد شجر بينهم رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. وهو كذب ما يرويه أبو مخنف لوط بن يحيى الذي وصف بالكذب من قبل غير واحد من أهل العلم. فقال فيه ابن عدي: «شيعي محترق صاحب أخبارهم»، يعني يروي الأخبار التي تنصر مذهب الشيعة، وأكثرها كذب. وقال الذهبي رحمه الله في «الميزان»: «أخباري تالف لا يوثق به، تركه أحمد وغيره». بل ذكره حتى علماء اللغة من أهل السنة، فذكره الفيروزآبادي في «القاموس المحيط» في مادة «خنف» فذكر نحو كلام الذهبي رحمه الله تعالى. ومن هؤلاء كذلك هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة». وقال أحمد رحمه الله: «هو صاحب سمر وذكر فيه ذمًا»، ثم قال: «ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه». وقال الدارقطني: «متروك»، وهو يروي عن أبيه، يعني شيئًا من الكذب. وأبوه كذلك كذاب كما قاله غير واحد من أهل العلم، كزيد بن الحباب، والليث، وسليمان التيمي. وقال يحيى: «ليس بشيء». ولأبيه، أي محمد بن السائب، كتاب في الكذب على الصحابة، وذكر مثالبهم رضي الله تعالى عنهم. وابنه كذلك فعل. وقال ابن حبان عن أبيه الكلبي: «كان سبائيًا، وكان يقول: علي لم يمت»، وله تفسير، فما تظنون في هذا التفسير؟ فيه الكثير من الكذب مما ينظر طريقة الرافضة. وكان يقول كذلك ببعض شنائع قول الرافضة التي تقولها اليوم. ولهذا قال العلماء: «إنه لا يحل النظر في كتبه»، كما ذكر الإمام أحمد في تفسيره، أي في تفسير الكلبي، أنه لا ينظر فيه. وأضرب لكم بعض ذلك المكذوب، فمن ذلك المكذوب أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن معاوية «الطليق ابن الطليق»، وأن من رآه على منبره فليقتله. ذكره ابن الجوزي رحمه الله في «الموضوعات»، وهو من رواية بعض هؤلاء الكذابين الوضاعين. وهكذا كذلك ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «إنك تقاتلين عليًا»، فهو كذب. وهكذا ما زعموا من إجماعات كاذبة منقولة في قتل عثمان رضي الله تعالى عنه. وقد أشار إلى هذا كله شيخ الإسلام في «المنهاج»، وهكذا كذلك الذهبي رحمه الله في «المنتقى» في مختصر «المنهاج». فإذا كان كذلك، فإذا خلص بهذا أن أكثر ما يستدل به الرافضة فهو من الكذب. قال: «ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه»، يعني أصله صحيح لكن حصلت فيه زيادات وتحريفات. مثل عطاء عثمان بالأموال، أنكروا على عثمان رضي الله عنه أنه كان يعطي ويتألف بعض الناس بالأموال، مع أن هذا له أصل في الشرع، لو فعل ذلك عثمان من مال بيت المال. فكيف إذا كان قد صح وثبت أن عثمان رضي الله عنه كان يتألف أمثال هؤلاء من أصل ماله، كما نص على ذلك غير واحد، ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه «المنهاج». وقوله رحمه الله: «والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون»، يعني بعض الأشياء قد تكون صحيحة، لكن هم بين الأجرين. وقد يكون قد وقع بسبب بعض من دس الشر بينهم رضي الله عنهم، كما فعل عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث الذي دخل في الإسلام نفاقًا فأفسد شيئًا عظيمًا، كما نقله غير واحد من أهل العلم وأهل التاريخ. فإذا كان كذلك، فإذا الواجب الإعذار لما قد يكون قد وقع بينهم. وهنا تأتي مسألة: هل يمكن معرفة الحق في كل مسألة حصل فيها النزاع؟ وهل من لم يوفق للصواب في الوصول إلى الحق يعاقب؟ أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بما خلاصته أنه لكل مسألة دليل، قال ما معناه: «أولًا ينبغي أن يعلم أن لكل مسألة دليل يعرف به الحق، فمن لم يصب فهو لتقصيره وتفريطه لا لعجزه». وأن هذا قال به عدد من القدرية والمعتزلة وبعض أهل الكلام، ويرون أن كل مخالف للحق يعاقب. والثاني: «أن المجتهد قد يعرف الحق وقد يعجز، ومن عجز قد يعاقب وقد لا يعاقب». قال: «وهذا قول الجهمية والأشاعرة وطوائف من أهل المذاهب الأربعة». قال: «والثالث: ليس كل من اجتهد واستدل يصل إلى الحق، ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورًا أو فعل محظورًا». قال: «وهو قول الجمهور والفقهاء والأئمة والمشهور عن سلف الأمة». فإذا كان كذلك علم أنه ليس في وسع كل أحد أن يعرف الحق في كل مسألة متنازع فيها، ولا كذلك يلزم من أخطأ أن يعاقب، لا في الدنيا ولا في الآخرة. ومن عدم المعاقبة في الدنيا أن لا نحكم على أحد بفسق أو فجور أو كفر أو غير ذلك من الأحكام، ما دام أنه قد بذل وسعه في الوصول إلى الحق. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام كما أشار إلى الحديث: «أن الحاكم إذا اجتهد فهو بين الأجرين»، أي إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد. وقوله رحمه الله تعالى: «والحديث في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص». وقوله رحمه الله تعالى: «ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر»، يعني على تقدير أنه صدر منهم شيء بعد هذه الأوجه الثلاثة التي أشار إليها، فهذا الذي قد يصدر منهم هم مجتهدون فيه، ولو قدر أنه صدر منهم ما قد يكون خطأ، فأسباب المغفرة في حقهم أفضل وأولى من غيرهم. إذا كان سائر عوام أهل الإسلام يرجون أن الله يغفر لهم، فهم من باب أولى لما لهم من السابق، كما قال رحمه الله: «والفضل قصوصًا أنهم بكروا بأعيانهم أو بأوصافهم أو بجملتهم أنهم من أهل الجنة». وقد مر معنا أدلة ذلك. فإذا كان كذلك، ولا يجوز على سبيل المثال لا يجوز الحكم على عامة المسلمين أنهم في النار مع عدم العلم أنهم في الجنة، فكيف بالصحابة رضي الله عنهم، وهم لهم الفضل الخاص؟ إذا كان عامة المسلمين لا يجوز أن تحكم على أحد منهم أنه في النار، ولو صدرت منه سيئة، بل نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، فكيف بالصحابة؟ فإنهم من باب أولى. وأما ما فعله الرافضة والناصبة من تخصيص عدد من الصحابة بالذم واللعن والعياذ بالله، والحكم بالنار، فهذا خلاف الأدلة العامة والخاصة في هذا الباب، وخلاف القياس الصحيح. وقوله رحمه الله بعد ذلك: «وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون»، مثل قول حديث «من المسعود: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم». الحديث في الصحيحين. وهكذا معناه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما. وقوله: «كان أفضل من جبل أحد إلى آخره» مر معنا الحديث في الأبواب المتقدمة. وقوله: «ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه»، هذه الأوجه الخمسة التي ذكرها: «فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه». كلها أوردها رحمه الله ليبين أن هذه كلها قرائن تحتف تبين أنه لا يجوز مع هذا ذكر شيء من مثالبهم. إن تحقق شيء من ذلك فهم لا يذكرون إلا بالجميل. والباقي إن شاء الله يأتي الكلام عليه مع الشرح في الدرس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.