الدرس في أحكام المسجد في الإسلام، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول فضل عمارة المساجد وأهميتها عند الله، حيث إن المقصود من عمارتها هو ابتغاء وجه الله وتوحيده وعبادته. يبين أن الله يخلق ما يشاء ويختار، واختار المساجد لتكون أحب البلاد إليه.
المساجد بنيت لدعوة الناس إلى توحيد الله جل وعلا، ولها رسالة عظيمة في تذكير الناس ودعوتهم إلى عبادة الله وحده. كما أنها تجمع قلوب المسلمين وتقيم ذكر الله وتعلم العلم النافع.
المساجد لها أهداف عظيمة في الإسلام، منها تهذيب سلوك القادمين إليها، وتعليم العلم النافع، وإصلاح المجتمع. كما أنها تعتبر مواضع للسائلين والمستفتين، ويتأثر فيها الناس بأخلاق الإسلام.
يناقش أهمية الحفاظ على المساجد من البدع والمحدثات، ويحذر من استخدامها لأغراض دنيوية أو سياسية. كما يحث على الابتعاد عن الأفعال التي تشغل عن عبادة الله، مثل البيع والشراء وإنشاد الضائعات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾. سبحان الله وتعالى عما يشركون. يخلق ربنا جل وعلا ما يشاء ويختار. خلق ربنا جل وعلا السماوات والأرض، فاختار للسماء أهلًا واختار للأرض أهلًا. ويخلق، يخلق ما يشاء ويختار. خلق الإنس والجن، فاستوى واختار سبحانه. اصطفى واختار الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فجعلهم منذرين ومبشرين. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخَيْرَةُ﴾. سبحان الله وتعالى عما يشركون. فخلق ربنا جل وعلا بقاعًا، فخصها بتعظيمه وأجلها جل وعلا بجلاله. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾. فاختار سبحانه بيته الحرام من سائر البيوت، واختار جل وعلا بلده الحرام من سائر البلاد. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخَيْرَةُ﴾. سبحان الله وتعالى عما يشركون. وهكذا يخلق ربنا جل وعلا ما يشاء ويختار من أعمال العاملين. فيخلق ما يشاء ويختار لمن عمل عملًا حسنًا، فيوفقه جل وعلا ويصطفيه ويخصه بالفضل. وكذلك العطاء من عنده، والعون على أبواب الخير. ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ فَقُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. هكذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أصحابه يرغب عليه الصلاة والسلام. وهكذا يخلق ربنا جل وعلا ما يشاء ويختار. فاختار ربنا جل وعلا المساجد، فخصها من سائر البقاع. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها». فيخلق ربك جل وعلا ما يشاء ويختار. اختار المساجد لتكون أحب البلاد والبقاع إلى الله جل وعلا. استطابها بما استطابها من الفضل العظيم والثواب الجزيل. بما يكون للعباد المتاجرين والمتسابقين فيها في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. وربك يصطفي كذلك ويختار ما يشاء في عمارتها وفي فضل إقامتها. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخَيْرَةُ﴾. سبحان الله وتعالى عما يشركون. ففي الصحيحين من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتًا مثله في الجنة». فربك يخلق ما يشاء ويختار. اختار ولهذا فإن العمارة عمارتان، عباد الله: عمارة حسية ببنائها وتشييدها وتطيبها وإبعاد كل أذى عنها، وعمارة معنوية لذكر الله جل وعلا فيها وإحيائها بذكره سبحانه. مما شرعه جل وعلا في بيوته، وهو المقصود عباد الله. وهو المقصود لهذا فإن العمارة الحقيقية لا تكون من المشركين، ولا تكون من المنافقين، ولا تكون كذلك من المرائين. ولا نقبل ذلك منهم كما قال الله عز وجل مخاطبًا للمشركين: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾. نعم، عباد الله، لا يستوي من آمن بالله واليوم الآخر، وعمر بيوت الله ولو كانت بجريد النخل، ولو كانت بما هو أدنى من ذلك. ففي الصحيح كذلك جاء من حديث عثمان، وجاء معناه خارج الصحيح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من بنى لله بيتًا، ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتًا بالجنة». إن المقصود عباد الله هو ابتغاء وجه الله، هو موافقة شريعة الله في عمارة هذه المساجد. ليس المقصود هو بناؤها وتزيينها وتشييدها وتزخرفها بما لا يكون به العمارة الحسنة الحقيقية. من ذكر الله جل وعلا وتوحيده وعبادته سبحانه وتعالى وحده. ولهذا فإن الله جل وعلا أمر بهدم وإحراق بيت من بيوت الله بني في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما أريد به وجه الله. ولكن أريد به النفاق وأريد به الكفر والشقاق وتفريق كلمة المسلمين. فقال الله جل وعلا في ذلك مبينًا أن المقصود الأعظم وأن الهدف الأعلى هو عمارتها لذكر الله جل وعلا وتوحيده وعبادته. لا للشقاق والنفاق. قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. فالله أعلم عباد الله في هذا المعنى العظيم، وهو عمارة بيوت الله جل وعلا لذكره وعبادته. فعند الترمذي والحاكم من إسناد الحسن من حديث أبي بردة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من بنى لله بيتًا ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتًا بالجنة». إن المقصود من عمارة المساجد عباد الله هو ابتغاء وجه الله، هو توحيد الله وإفراد الله جل وعلا بالعبادة وإقامة دين الله جل وعلا. ليس المقصود من ذلك المساخرة ولا الرياء ولا السمعة. ولا كذلك العهد والذكر، ولكن المقصود من ذلك عباد الله هو ابتغاء وجه الله جل وعلا وحده. هذه العمارة الحقيقية التي أذن الله جل وعلا بها على عباده المخلصين المؤمنين. من عباد الله الصالحين من الأولين والآخرين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. نعم، عباد الله، هؤلاء هم الذين يعمرون بيوت الله، ويعمرون مساجد الله جل وعلا. وبهذا نعلم أن المسجد له رسالة عظيمة في دين الإسلام. ليس المسجد بيتًا يبنى لأجل أن يجتمع به الناس دون مضض ولا هدف. ولكن للمساجد في دين الله جل وعلا في دين الإسلام رسالة عظيمة ينبغي أن يتبصر لها أهل الإسلام. لذلك فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما دخل المدينة، وأسكنه الله جل وعلا للهجرة من البلد الحرام إلى المدينة الضيعة. أول ما بدأ أمر أصحابه رضي الله عنهم ورباهم ببناء المسجد. ففي الصحيح من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر له أن يبنى له بيتًا قال: «بل أبني بيتًا أو أبني مسجدًا». فنظر حيث جلست الراحلة، فكان أرضًا لبني النجار. فقال عليه الصلاة والسلام: «سامنوني على أرضكم هذه». يعني قولوا لي بكم تريدونها أشتريها منكم ليكون مسجدًا لله جل وعلا. فقالوا: يا رسول الله، أما منك فلا نريد شيئًا، ولكننا نبيعها لله جل وعلا نبتغي ثمنها من الله سبحانه وتعالى. فقال: «أنتم». فكان فيها شيء من النخل، فيها شيء من النخل وقبور المشركين. فأول ما بدأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقبور المشركين فنبشت وأبعدت. وببقايا النخل فطيبت قبلة المسجد، وبالخرب فسويت. فبني مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان من حرصه في بناء المسجد وأطابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يقول: «اللهم اغفر للأنصار والمهاجرين». نعم، عباد الله، إن للمسجد رسالة عظيمة. أعظم ذلك وأوله أن المساجد بنيت لدعوة الناس إلى توحيد الله جل وعلا. أن يوحد الله جل وعلا وحده لا يشرك معه غيره سبحانه وتعالى. إن هذا من أعظم أهداف المساجد والتي لأجلها بنيت هذه المساجد. إن الناس عباد الله لو تركوا لأهوائهم وتركوا لعواطفهم وتركوا لمجتمعاتهم وتركوا لحياتهم. لدخلت عليهم البدع والخرافات. ولدخل عليهم كذلك من أنواع الضلالات ما أفسد عليهم عقائدهم وما أفسد عليهم توحيدهم. انظر إلى قوم نوح عليه الصلاة والسلام كانوا على عبادة الله جل وعلا وتوحيده. وكان فيهم ناس صالحون. قالوا: لعلها تذكرنا بعبادتهم. فمنشط لعبادة الله جل وعلا. فلما مر عليهم الزمان وجاء قوم من أحفادهم لا يعلمون لما جعلوا ذلك التماثيل. زين لهم الشيطان أنهم ما فعلوا ذلك إلا لأن ذلك يقربهم إلى الله جل وعلا. فعبدوهم من دون الله جل وعلا. كما جاء بالبطار من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أرضاه. فانظر إلى قوم كانوا يومًا من الأيام من الموحدين. فانطوت عنهم هذه العبادة ودخل الخلل في التوحيد الذي كان عندهم بسبب ماذا؟ بسبب جهلهم وبعدهم وعدم وجود مذكر فيهم. فإن للمساجد عباد الله رسالة في تذكير الناس. ودعوتهم إلى عبادة الله جل وعلا وحده وعدم عبادة غيره. وهذا الأمر إلى اليهود والنصارى كانوا من من يوحد الله جل وعلا ويعبدون الله جل وعلا. ولكن لما مضى عليهم الزمان وقل فيهم العلماء الصادقون المخلصون. عند ذلك غير بالله جل وعلا وبدل. ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: ولولذلك لأبرد قبره عليه الصلاة والسلام. يعني أفيق خشية أن يفتتن الناس به. وهذا في الصحيحين. في الصحيحين أن بعض نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكرتا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة. وذكر من حسنها وتطاويل فيها. وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرضه. فرفع رأسه فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح اتخذوا عليه تلك الصور وبنوا على قبره مسجدًا. أولئك شرار الخلق عند الله تعالى». فانظروا إلى هذا المعنى العظيم. فمن أعظم مقاصد ومعاني المساجد هو دعوة الناس إلى توحيد الله وإلى عبادته سبحانه وتعالى وحده. ولهذا فإنه لا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر. لا يمكن أن يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أحاديث كثيرة. ومنها ما سبق ذكره. ومن ذلك أن المساجد كذلك تدعو الناس إلى عبادة الله جل وعلا. بإقامة صلوات الجمعة والصلوات الجماعة. بإقامة صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات التي شرعها ربنا على لسان وفعل رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبذلك من المقاصد والأهداف اجتماع قلوب المسلمين واعتصامهم. كما أمر الله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وإن من أعظم أسباب الاعتصام أن يجتمع أهل الإسلام في بيت الله. لا يجتمعون لشيء من الدنيا ولا لهدف من أهدافها. ولكنهم يجتمعون لأجل ما عند الله سبحانه وتعالى. ولهذا فإن الله جل وعلا ينشر في قلب أهل المسجد الواحد من المحبة والألفة والمودة. ما لا ينشر عند غيرهم. فيقول بين هؤلاء أهل الجماعة أهل المحافظة على المساجد. ما يجعل من المحبة في ذات الله جل وعلا. وذلك مقصد عظيم أراد الله جل وعلا به عصمة أهل الإسلام من التفرق والتمزق. والإسلام الذي حذر منه ربنا جل وعلا بغير ماية. ومن مقاصد المساجد عباد الله إقامة ذكر الله. بما يكون من هذه الصلوات وغيرها من إراءة القرآن. ففي الصحيح من حديث معاوية بن حكم السلمي رضي الله عنه أنه تكلم مرة في الصلاة وهو يجهل حكم الكلام في الصلاة. فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. وإنما هي لذكر الله وقراءة القرآن». قال أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا من مقاصدها كذلك عباد الله تعليم العلم النافع. الذي به يكون إقامة الناس على الصراط المستقيم الذي أراده الله جل وعلا لهم. فإن ذلك لا يكون إلا بالعلم. بإقامة حلق العلم من حلق القرآن وتحفيظه للصغار وللكبار. وهكذا للنساء الكبيرات والصغيرات. فكان الكل في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحرص على تعلم القرآن. وكان يحثهم عليه الصلاة والسلام على تعلم القرآن في بيوت الله. فيقول عليه الصلاة والسلام: «لأن يغدوا أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين». ومثلهن من الآيات بمثلهن أي من النوق. ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أيكم يحب أن يغدوا إلى بطحان فيغنم أو يأخذ ناقة أو ناقتين غير قضيعة». فقال كل منهم: قال كلنا يبتغي ذلك يا رسول الله. قال: «أما إنه لو غدى أحدكم إلى المسجد فتعلم آية خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين». إلى آخره. وذلك عباد الله أن تعلم القرآن في بيوت الله جل وعلا. ليس كتعلمه في غيره. في بيوت الله فيه من صرف الشواغل. وكذلك الحواجز والموانع التي تصرف القلب والبصر عن الحرص على حفظ القرآن وكتاب الله جل وعلا. ولهذا صار الحفظ في بيوت الله أيسر وأسهل وأعون للإنسان من غيرها. وهكذا فيه من إقامة هذه القلوب وتعلقها بالله جل وعلا. مما يكون من التكرار وكذلك الاستمرار في الإتيان إلى المساجد. فإن كل خطوة تخطوها يا عبد الله في المسجد يكون لها أثر على أرضك وأثر على أقوالك وأفعالك. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. أنه حتى على كثرة القذى إلى المساجد. فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة القذى إلى المساجد». وهكذا كذلك يقول عليه الصلاة والسلام كما في السنن: «بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة». وبالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ثم يأتي إلى المسجد لا يريد إلا الصلاة. لا يخط خطوة إلا كفر الله عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة». قال: «حتى إذا أتى إلى المسجد فصلى فانتظر الصلاة. فلا يزال في صلاة ما لم يحدث. ولا تزال الملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ما لم يحدث». فانظروا رحمكم الله إلى هذا الفضل العظيم. وإن لهذا أثرًا عظيمًا في تهذيب سلوك القادمين إلى بيوت الله. فإنه يهذب من السلوك والأخلاق. ويهذب من الدين. ويقيم على الطريق المستقيم ما لا يقيمه غيره من الأسباب الحسية. فإن لهذا أثرًا عظيمًا في إصلاح المجتمع. فإن من أهداف المساجد عباد الله إصلاح الناس. بتهذيبهم وتهذيب أخلاقهم وإقامتهم على هذا الطريق المستقيم الذي أراده الله جل وعلا للعباد. ومن أهداف ومقاصد المساجد عباد الله كذلك فتحها للمساجد لتعليم العلم النافع. والسؤال عنه. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل ماذا يلبس المحرم؟ يعني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان جالسًا في المسجد. فجاء رجل يسأل ويتعلم أحكام الحج. حتى بوّب البخاري رحمه الله تعالى: باب العلم في المسجد. أو كما قال رحمه الله تعالى. وبه نعلم أن المساجد مواضع السائلين. ومواضع استفتاء المستفتين. يتفقهون في المذاهب الشرعية. ويستضيئون كذلك في أمور شرعهم. ويهتدون كذلك في طريقهم إلى الله جل وعلا. ومن أهداف المساجد عباد الله كذلك أن هذه المساجد ما هو لطلبة العلم يتذاكرون ويتعلمون. بل وربما يأوون إلى المساجد من الضعفاء والفقراء وغير ذلك. فطح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصحيحين عن عدد من الصحابة أن مسجده عليه الصلاة والسلام كان يأوي إليه أهل الصفة. وهم المهاجرون الذين لا بيوت لهم. ومن كان من العزاب من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كان ليس لهم بيت إلا بيت الله جل وعلا. وهذا كذلك كان مأوى الوافدين من الوفود الذين يفدون إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كان يجمعهم في بيت الله جل وعلا عليه الصلاة والسلام. كما جاء في الصحيحين عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. ومن مقاصدها كذلك أي من أهداف ومقاصد المساجد. أن المساجد كذلك عباد الله جعلها الله جل وعلا جعلها لرسوله عليه الصلاة والسلام محلًا كذلك لتوجيه الجيوش. من بيت الله جل وعلا. قال العلماء: لو أن الأمراء اتخذوا ذلك لكان ذلك من الإعداد المعنوي. مع الإعداد الحسي الذي يملأ الله جل وعلا في قلوب القادمين إلى بيوت الله سبحانه. نعم، عباد الله، فإن للمساجد أثرًا عظيمًا في إصلاح الدين وإصلاح الدنيا. حتى الدنيا عباد الله لا يصلحها إلا بصلاح أهلها. بما يكون في القدوم إلى المساجد. ولهذا تجد أن الذين يحضرون إلى المساجد ويحضرون إلى بيوت الله. يكونون في دنياهم أصلح وخير من غيرهم. وذلك لأن هؤلاء تصالحوا بما أصلحوا به أنفسهم من إقبالهم وتوجههم إلى بيوت الله. فإنهم الصادقون بالبيع والشراء. والأمناء في الأمانات والعطاء. وهم كذلك المنفون للعهود والضارون كذلك بالوالدين وذوي القربى والمتصدقون. وغير ذلك من المسابقين والمسارعين في أبواب الخير والبر. والعدل والإحسان. فإنهم يسمعون ويتأثرون بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. نعم، عباد الله، من يطرق سمعه مثل ذلك فلا شك أنهم أزكى على قوله وعلى فعله. وللمساجد أهدافًا كثيرة. أسأل الله جل وعلا بمنّه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الطيب الأمين. أما بعد، عباد الله، فقد تمعنا بعضًا وطرفًا من أهداف ومقاصد المساجد. وإن للمساجد أهدافًا ومقاصد كثيرة. ولهذا ألف علماء الإسلام بفضل المساجد ومقاصدها كتبًا ومؤلفات. من القديم وفي الحديث. فمن ذلك ما ألفه بعض المتقدمين من علماء الإسلام فيما سماه المسجد في الإسلام أو المساجد في الإسلام. وهكذا كذلك غيرها من المؤلفات. وما ذلك إلا لأهميتها ولعظم شأنها في هذا الدين العظيم. وكما علمنا أن لها مقاصد وأهداف. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاد علمًا وعلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم. بجملة من الأحكام التي ينبغي أن يحذر من أن تفعل ببيوت الله جل وعلا. تعظيمًا وإجلالًا لبيوت الله. وهي كثيرة. ومن أعظمها وأهمها أولها أنه لا يجتمع بيت من بيوت الله. وقبر من القبور في موضع واحد. بل إن ذلك لا يجوز في دين الإسلام كما سمعنا من الأحاديث المتقدمة. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن اتخاذ البيوت أي المساجد قبورًا. أو أن تتخذ المساجد في القبور. فحذر ذلك عن عدد من الصحابة يبلغون عشرة أو أكثر رضي الله عنهم وأرضاهم. وذلك أنه لا يجوز أن يتخذ القبر في المسجد أو يتخذ المسجد على القبر. وذلك يتضمن ثلاثة صور. فمن ذلك أنه لا يجوز الصلاة إلى القبور. ومن ذلك أنه لا يجوز الصلاة في مسجد فيه قبر. ولو كان قبرهم في مؤخرة المسجد ما دام في سور المسجد. وكذلك من ذلك أن يذكر الله جل وعلا عند ذلكم القبر. ويعبد الله جل وعلا ويصلى له. ولو كان ذلكم القبر ليس مبنيًا عليه مسجد. لأن المسجد في الصلاح لجين الله جل وعلا. وبكلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو ما يحب الله جل وعلا فيه. ولو كان في أرض فلاة. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أيما رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره. أي أنه في الموضع الذي يسجد لله فيه فهو مسجد ولو كان أي أرض في الخلاء». فعلى هذا لا يجوز أن يصلى ولو لله جل وعلا في موضع فيه قبر. لأن ذلك ذريعة للشرك في الله جل وعلا. ومن ذلك عباد الله أننا نهينا عن البدع والمحدثات في مساجد الله جل وعلا. فلا يُعبد الله إلا بما شرع. ولا يُتبع إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ويقول عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد». ومن ذلك أن تُتخذ المساجد موضعًا لآلات الله والضرب. كما يُتخذه ويفعله بعض الجهال من إدخال الطبول وكذلك الزمر وما كان بمعناها في بيوت الله. وقد حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك أشد التحذير. ففي البزار معلّقًا وعند أبي داود مسندًا عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف». فأعجب أخي المسلم. اعجب إذا رأيت أن أناسًا يُضْغِلون آلات الله والضرب في بيوت الله جل وعلا. ومن ذلك كذلك عباد الله أن المساجد إنما بنيت لعبادة الله. فلا ينبغي أن تُزخرف ولا تُزين بما يُشغل عن عبادة الله جل وعلا. ففي السنن بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما أُمرت بتشييد المساجد». وعن ابن عباس موقوفًا عليه بإسناد حسن أنه نهى عن زخرفة المساجد. وأن ذلك من سنة اليهود والنصارى. ولما عاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أمر العمال أن لا يُحَمِّروا ولا يُطَفِّروا. يعني لا يتخذوا في المسجد ألوانًا تُشغل المُصَلِّين. فإن هذا من آداب المساجد. ومن آداب المساجد أنها تُنظف وتُطَيَّب. وكذلك لا يكون فيها شيء يُكَدِّر ويُؤْذِي على مُصَلِّيها. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها أو قال إبعادها». وهذا ما كان من أبي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أنه كان يُطَيِّب المسجد بيده عليه الصلاة والسلام. يضع الطيب والعضر على أركان المسجد. تعظيمًا لبيوت الله جل وعلا. ومن ذلك تبخيرها وتطييبها وتعطيرها. وغير ذلك مما فيه نظافة وإصلاح وتزين لها المساجد بالمشروع. ومن ذلك عباد الله كذلك ألا تُتَّخَذَ المساجد موضعًا للبيع والشراء. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نَهى عن ذلك. ومن ذلك كذلك عباد الله أنه لا تُتَّخَذَ المساجد موضعًا للإعلان عن الضائعات. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال لمن جعلها موضعًا للبيع والشراء: «لا أربح الله تجارتك». ولمن جعلها موضعًا لإنشاد ضالة: «لا رد الله ضالتك» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وبه نعرف أن المساجد ينبغي أن تُجعل لله جل وعلا خالصة. لا تُجعل لمقاصد دنيوية ولا أهداف سياسية وحزبية. فلم تُقم المساجد عباد الله للدعوات الحزبية وللمقاصد السياسية. فيستغلها الأحزاب للدعوات الطائفية. وما فيه تفرقة المسلمين. بل هذه المساجد يُدعى فيها الناس لأن يجتمعوا جميعًا على الصراط المستقيم. على دين الإسلام. لا فرق بين أعجمي ولا عربي. ولا أبيض ولا أحمر ولا غير ذلك إلا بالتقوى. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أسأل الله جل وعلا بمنّه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.