الدرس في وقفة مع ما يسمى بثورة الياسمين والغضب، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 1 ربيع أول 1432هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ أهمية نعمة الأمن ويحذر من الفتن والخروج على السلطان المسلم. يبين أن معالجة الشرور يجب ألا تكون بما هو أكبر شرًا.
يذكر الخطيب آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريم الخروج على الحاكم المسلم ويستشهد بتاريخ الفتن في الإسلام. يبين أن الخروج يؤدي إلى مزيد من الشر.
يُنبه الخطيب إلى خطورة الفتن والمظاهرات مستشهدًا بتجارب تاريخية في عدة بلدان إسلامية. يحذر من اتباع الدوافع الخفية للكافرين والمنافقين.
يوصي الخطيب بالوقوف عند حدود الله والتسليم لشريعته ثم يدعو الله لإصلاح أحوال المسلمين وأمورهم وولاة أمورهم. يشدد على ضرورة الطرق الشرعية الصحيحة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا امتن على عباده بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وهو كذلك جل وعلا خص عباده بعدد من النعم امتن بها عليهم امتنانا خاصا لعظم أمرها وعلو قدرها ومنزلتها وعظيم حاجتهم إليها. ومن هذه النعم، عباد الله، نعمة الأمن. فإن نعمة الأمن من أعظم النعم التي يمن الله جل وعلا بها على عباده. ولذلك فإنه سبحانه وتعالى قد عاقب ويعاقب أمما بما كان من كفرها وهجورها بذهاب الأمن عنها، فيسلط بعضا على بعض، ويولي الظالمين بعضهم بعضا بما كان من كفرهم وهجورهم. عباد الله، إن الله جل وعلا امتن بهذه النعمة على الكافرين فضلا عن المؤمنين. فقد امتن على أهل مكة وقريش بما كان من أمر الله عز وجل عليهم الذي كان من أسبابه أمن حرمه وبيته الحرام. فإن الله جل وعلا حرمه بحرمته، وأنزل عليه جل وعلا من أمنه بما كان من دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ومن دخله كان آمنا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث سلمة بن عبيد الله الأنصاري عن أبيه أنه قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». وروي من حديث أبي الدرداء وابن عمر بمعنى، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة. وهكذا كذلك فهو سبحانه وتعالى يمن على من يشاء بهذه النعمة. فإذا نزعت هذه النعمة كانت نقمة شديدة على الخلق ليس لها نظير. فبها تسفك الدماء، وتنتهك الأعراض، وتسلب الأموال، ويكون من البغي والفساد ما الله به عليم. ولذلك، عباد الله، كان المحاضرة عليها من أعظم الواجبات في هذا الدين. ودفع ما يفضي إلى ذهابها يعتبر من أصول وثوابت هذا الدين العظيم. ولذلك، عباد الله، صحة الأحاديث الكثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم بتجنب الفتن والحذر مما يفضي إليها، وتوخي كل الأسباب المفضية إليها. ومن ذلك، عباد الله، الخروج على السلطان المسلم. فإنه وإن ظهر منه شيء من الفساد أو كان منه شيء من البغي والظلم، فإنه لا يعالج الظلم بظلم أظلم منه، ولا يعالج الفساد بفساد أكبر منه، ولا يعالج الشر بما هو أكثر شرا وأعظم فسادا وإفسادا. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أنه سيكون بعده أمراء يعرفون منهم وينكرون. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث أن أقواما سيتولون على الناس، فيكون منهم ما ينكر. وفي الحديث الآخر، قال: «اسمعوا وأطيعوا». وهكذا كذلك في الحديث الآخر، حذر النبي صلى الله عليه وسلم من متابعة أولئك الذين يغيرون ويبدلون على تغييرهم وتبديلهم. وبيّن عليه الصلاة والسلام أن من أنكر فقد سلم، وأن من رضي وتابع فهو الذي يلحقه ما يلحقه من عذاب الدنيا والآخرة. وبهذا نعلم، عباد الله، أن الواجب على المسلمين إذا رأوا من الشر والفساد ما قد يكونوا سببا لوقوع شر وفساد أكبر منه، فلا تعالجوا الشرور بما هو أكبر شرا وأعظم إفسادا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره عليه الصلاة والسلام بطاعة ولي الأمر المسلم في طاعة الله جل وعلا، وعدم الخروج عليه ومعصيته، وإن صدر منه ما صدر ما دام مسلما، فإنه لا يجوز الخروج عليه. فقد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «ألا ننابذهم يا رسول الله؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». وقال بالحديث الآخر عليه الصلاة والسلام: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله سلطان». وبهذا يعلم أنه لا يجوز الخروج على ولي الأمر المسلم مهما وقع في الظلم أو الخطأ أو المنكر أو الشر، لأن ذلك يقتضي الوقوع في شر أعظم منه وفساد أكبر، وذلك مما ليس فيه مصلحة للناس لا في دينهم ولا في دنياهم. ومع ذلك، فقد بيّن العلماء أنه حتى إذا وجد الكفر البواح وظهر البرهان فيه، فإذا كان الخروج يسبب مفسدة أعظم من المفسدة التي هم فيها، فإنه لا يجوز. قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «إعلام الموقعين»: «تقرر في هذه الشريعة أنه لا يجوز تغيير منكر بما يفضي ويوقع في منكر أعظم منه». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض كلامه في رده على بعض الرافضة في كتابه «منهاج السنة النبوية»: «وما خرج طائفة على سلطان إلا وكان في خروجهم من الشر على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم ما كان أعظم من الشر الذي هم فيه». ثم ذكر رحمه الله بعض ما وقع في تاريخ الإسلام من الفتن والمحن في هذا الباب. فأشار إلى الفتنة التي وقعت في زمن يزيد بن معاوية في عام الحرة، وما وقع في فتنة ابن الأشعث وابن المهلب. فإنكم تعلمون، عباد الله، وربما بعضكم وقف على بعض ما كتب في التاريخ فيما كان من يزيد بن معاوية من الشر والفساد، حتى دفع ذلك بعض الناس في المدينة أن يتأهبوا للخروج عليه. فقام خيار الصحابة، وقام الصحابة الأخيار، ومن كان معهم من التابعين ممن اتبعهم بإحسان. فإن كان ذلكم المنكر وأنه لا يعالج الشر بما هو أعظم شرا، فثبت في صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر أخذ نفسه وذهب يناصح أولئك الذين يريدون الخروج على يزيد بن معاوية. وأن ذلك مما لا يقره شرع، وذكرهم بالأحاديث الكثيرة التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بطاعة السلطان ما دام مسلما. وأن من نزع يدا من طاعة فمات ميتة جاهلية كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجمع أبناءه وأهله جميعا ووقف عليهم، فقال: «لا ألفين أحدا منكم ينزع يدا من طاعة، فإني أقوم بالطاعة كما أمرني الله وأمرني رسوله». فكان ماذا في خروج تلك الطائفة التي خرجت على يزيد بن معاوية؟ كان شرا عظيما. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: فوقع في ذلكم العام عام الحرة مقتلة عظيمة قتل فيها أكثر من مئة وعشرين ألفا. ووقع فيها من سلب الأموال وانتهاك الأعراض، حتى قيل: إنه حملت في ذلكم العام أكثر من ألف امرأة حملت بالحمل الذي لا يجوز أن يقع مثله. وكل ذلك، عباد الله، بسبب ذهاب الأمن وزواله، وتسلط الظالمين بعضهم على بعض. وكان في ذلك كذلك دخول بعض الأبرار والأخيار. فإن الفتن إذا وقعت عمت الجميع، وصار شرها ينال البررة كما ينال الفجار. وهكذا فتنة ابن الأشعث، وما أدراك ما فتنة ابن الأشعث؟ فإنه كان رجلا له مطامع سياسية استغل بعض الشر الذي كان في ذلكم المجتمع، فاستغل ما وقع من شر في ذلكم الزمان في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وعبد الملك بن مروان من آل أمية. فأجج من أجج، وهيج من هيج، فخرج معه بعض من اغتر بتلك الشبه. ولم يقف عند حدود الله فيما ورد من الآثار، وما صحت به الأحاديث، وما نصح به الصالحون من سلف هذه الأمة. فكانت كذلك مجزرة عظيمة قتل فيها الكثير من الصالحين فضلا عن غيرهم، حتى فر من فر إلى بعض الكفار من الترك وغيرهم. بالأمس كانوا لهم أعداء، واليوم هم يأوون في بلادهم. ثم كان ماذا؟ كان أن سلمهم ذلكم الملك الكافر التركي، فردهم إلى بني أمية، فقتلوا من قتلوا، وانتحر من انتحر. ووقع في ذلكم المجتمع من سلب للأموال وانتهاك للأعراض وسفك للدماء. وهكذا كذلك، عباد الله، يدور التاريخ ويدور الزمان على الناس، فلا يرى الناس في حصول الخروج على السلطان ونزع يد الطاعة وإدارة الفتن والشغب والمظاهرات والانتفاضات في المجتمعات إلا بما يكون به الشر في عاجل الناس وآجل أمرهم. فإن ذلك، عباد الله، مما لا ينفع الإسلام والمسلمين، ولا يكون به نصرة لا لدين ولا لدنيا. بل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ما خرج أحد على سلطان إلا وكان لهم من الشر ما هو أعظم من الشر الذي كانوا عليه أو كانوا فيه». وهكذا كذلك في تلكم الفترة وقريب منها، خرج، شعوب مصر وقوافل كثيرة في مصر على الدولة الملكية. فكانت هذه الدولة التي اليوم ينتفض الناس ويظاهرون عليها، كانوا يصفقون لتلك الدولة. وخرجوا على الملك والسلطان. وكان حالهم في ذلك الزمان أحسن من حالهم في هذا الزمان. فهذا الذي اليوم هم ينتفضون عليه ويظاهرون عليه، هم من صفقوا له بالأمس، فرفعوه وخرجوا به على ذلكم السلطان. وها هم اليوم، ها هم اليوم كذلك ينتفضون عليه ويظاهرون ويشغبون. ولا تدري ماذا يكون بعد هذا. وهذا حال أهل الجهل وأهل الغوغاء الذين هم أتباع كل ناعق. فإن الفتن، عباد الله، تعمي وتصم، تعمي الأبصار وتصم الآذان، ويكون في ذلك عدم إدراك القلوب. فلا ينبغي أن يكون الناس أتباع كل ناعق، حتى تموج بهم وتلعب بهم الفتن، خصوصا وأن خلف هذه الأحداث أيد خفية من أيدي الكافرين وأيدي المنافقين. فيكون به الشر على المجتمعات بما لا خير فيه لا في دنيا ولا في دين. وهكذا كذلك ما وقع من انتفاضة وخروج في السودان، فكانت التصفيقات وكان ما كان. ثم بعد ذلك خرجوا على هذا الحكم. وانظروا ماذا يقع ووقع في السودان من هذه الفتن العظيمة والحرب في الجنوب وتسلط الأعداء على أهل الإسلام إذا تفرقوا وتمزقوا. وكان ما كان من ضعفهم وتسلط بعضهم على بعض. واعتبروا، عباد الله، بما وقع في العراق وبما وقع في الصومال، وما يقع كذلك في دول أخرى، بما فيه آيات كونية وعبر ظاهرة لكل منصف. أنه لا يكون أتباع كل ناعق. نعم، إن كان هناك شر أو كان هناك فساد، فينبغي أن يعالج بالطرق الشرعية والطرق الصحيحة التي يقرها الشرع وتقتضيها الفطرة الصحيحة. ولا تنكرها العقول السليمة. أما فعل أهل الغوغاء وتسلط السفهاء، وما يريده الأعداء من حصول هذه الفتن والمظاهرات والشغب والبغي بما نراه، فإن ذلك والله ليس فيه الخير للناس لا في عاجل أمرهم ولا في آجله، لا في دين ولا في دنيا. بل إنه سبب لحصول الشر العاجل والآجل وخسارة الدين وخسارة الدنيا. وتأملوا بمجتمعات انتفضت وخرجت على أمرائها وحكامها وملوكها ورؤسائها، فإنه لم يكن لهم من عاجل أمرهم وآجله إلا ما هو شر مما كان قبل ذلك. ولهذا، عباد الله، جاءت النصوص الشرعية الكثيرة في التحذير من هذا الباب، وأول فتن فيه، فإنه سبب عظيم لحصول الشر في المجتمعات. فالله الله، عباد الله، في الوقوف عند حدود الله والتسليم لشريعة الله، لا مجاملة لكبير ولا مداهنة لقريب، ولكنها ديانة لله رب العالمين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. اللهم أصلح أمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقى واتبع رضوانك يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا وللمسلمين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين. والحمد لله رب العالمين. «أما بعد، عباد الله، ذكر الإمام البخاري في صحيحه بابا فقال: باب الفتن التي تموج كموج البحر. ثم ذكر عن سفيان بن عيينة عن ابن حوشب عن خلف بن حوشب: أن الناس كانوا يحبون أن يتمثلوا في الفتن بأبيات امرئ القيس». وتلك الأبيات كان ولا يزال يرددها العلماء العقلاء العارفون بما أعطاهم الله عز وجل من العلم الشرعي، وما كان معهم كذلك من الخبرة والمعرفة لغور الأمور والقضايا والفتن. فإن الفتن لا يعرفها إلا العلماء. فإذا أدبرت عرفها كل أحد. ولكن متى؟ بعد أن تدبر وتذهب، ويندم من يندم حين لا ينفع الندم. تلك الأبيات يقول امرؤ القيس: «الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها كل جهول ... حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... ولت عجوزا غير ذات حليل». هذا هو حال الفتن. أول ما تقبل تقبل كأنها امرأة شابة صغيرة جميلة، فيسعى كل أحد أن يكون زوجا لها وأن يكون قريبا منها. حتى إذا اشتعلت نار الحرب، وصار ما صار من فتنها، ولت هذه المرأة التي كانت في أول أمرها شابة مغرية مفتنة عجوزا غير ذات حليل، لا أحد يرغب فيها. حتى قال في آخر الأبيات: «شمطاء ينكر لونها ... مكروهة للشم والتقبيل». هذا هو حال الفتن إذا أقبلت، وهذا هو حالها إذا أدبرت. عباد الله، ينبغي أن نحذر من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وينبغي أن لا نكون أتباع كل ناعق. ولا يجوز لأهل الإسلام أن تسيرهم أياد خفية من أياد الكافرين والمنافقين، فيوجهونهم يمنة ويسرة بما يكون الشر في دينهم والشر كذلك في دنياهم. اغتر أقوام بما وقع في تونس في أيام قريبة، فظنوا أن ذلك فيه الخير للشعوب. فهاجت الأمم على أمرائها وحكامها في مشارق الأرض ومغاربها. ألم يعلم هؤلاء أن شعب تونس في السبعينات هم الذين خرجوا على الدولة الملكية بنحو هذا الشغب وبنحو هذه المظاهرات؟ فكان انقلاب عام حتى تولى فيهم من صار يستهزئ بدين الله ويسخر بشعائر الله. فيعلنوا الإفطار في رمضان جهارا، وغير ذلك من الأمور التي فيها المحادة لدين الله جل وعلا. أولئك الذين صفقوا له حتى أزالوا به تلك الدولة الملكية. فكان ما كان. ثم كانت ثورة الخبز كما يقولون. وكان بعده ما كان. وماذا تظنون أن يأتي بعد الشر إلا ما هو شر منه؟ وصدق النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه». وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ما خرج أحد على سلطان إلا وكان لهم من الشر ما هو أعظم من الشر الذي كانوا عليه أو كانوا فيه». وهكذا كذلك في تلكم الفترة وقريب منها، خرجت شعوب مصر وقوافل كثيرة في مصر على الدولة الملكية. فكانت هذه الدولة التي اليوم ينتفض الناس ويظاهرون عليها، كانوا يصفقون لتلك الدولة. وخرجوا على الملك والسلطان. وكان حالهم في ذلك الزمان أحسن من حالهم في هذا الزمان. فهذا الذي اليوم هم ينتفضون عليه ويظاهرون عليه، هم من صفقوا له بالأمس، فرفعوه وخرجوا به على ذلكم السلطان. وها هم اليوم كذلك ينتفضون عليه ويظاهرون ويشغبون. ولا تدري ماذا يكون بعد هذا. وهذا حال أهل الجهل وأهل الغوغاء الذين هم أتباع كل ناعق. فإن الفتن، عباد الله، تعمي وتصم، تعمي الأبصار وتصم الآذان. ويكون في ذلك عدم إدراك القلوب. فلا ينبغي أن يكون الناس أتباع كل ناعق، حتى تموج بهم وتلعب بهم الفتن، خصوصا وأن خلف هذه الأحداث أيد خفية من أيدي الكافرين وأيدي المنافقين. فيكون به الشر على المجتمعات بما لا خير فيه لا في دنيا ولا في دين. وهكذا كذلك ما وقع من انتفاضة وخروج في السودان، فكانت التصفيقات وكان ما كان. ثم بعد ذلك خرجوا على هذا الحكم. وانظروا ماذا يقع ووقع في السودان من هذه الفتن العظيمة والحرب في الجنوب وتسلط الأعداء على أهل الإسلام إذا تفرقوا وتمزقوا. وكان ما كان من ضعفهم وتسلط بعضهم على بعض. واعتبروا، عباد الله، بما وقع في العراق وبما وقع في الصومال، وما يقع كذلك في دول أخرى، بما فيه آيات كونية وعبر ظاهرة لكل منصف. أنه لا يكون أتباع كل ناعق. نعم، إن كان هناك شر أو كان هناك فساد، فينبغي أن يعالج بالطرق الشرعية والطرق الصحيحة التي يقرها الشرع وتقتضيها الفطرة الصحيحة. ولا تنكرها العقول السليمة. أما فعل أهل الغوغاء وتسلط السفهاء، وما يريده الأعداء من حصول هذه الفتن والمظاهرات والشغب والبغي بما نراه، فإن ذلك والله ليس فيه الخير للناس لا في عاجل أمرهم ولا في آجله، لا في دين ولا في دنيا. بل إنه سبب لحصول الشر العاجل والآجل وخسارة الدين وخسارة الدنيا. وتأملوا بمجتمعات انتفضت وخرجت على أمرائها وحكامها وملوكها ورؤسائها، فإنه لم يكن لهم من عاجل أمرهم وآجله إلا ما هو شر مما كان قبل ذلك. ولهذا، عباد الله، جاءت النصوص الشرعية الكثيرة في التحذير من هذا الباب، وأول فتن فيه، فإنه سبب عظيم لحصول الشر في المجتمعات. فالله الله، عباد الله، في الوقوف عند حدود الله والتسليم لشريعة الله، لا مجاملة لكبير ولا مداهنة لقريب، ولكنها ديانة لله رب العالمين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. اللهم أصلح أمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقى واتبع رضوانك يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا وللمسلمين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين. والحمد لله رب العالمين.