الدرس في تفسير سورة الحاقة من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تفاصيل النفخة في الصور يوم القيامة ومعناها وأهميتها في البعث والنشور. يُفصّل أيضًا في معنى الصور وكيفية النفخ فيه.
يفسر هذا الفصل الآية الكريمة التي تتحدث عن حمل الأرض والجبال ودكها، ويبين معنى الدك وأهوال يوم القيامة. كما يستدل على عظمة الدك بآلات الدك الحديثة.
يصف هذا الفصل أحداث يوم القيامة مثل انشقاق السماء ونزول الملائكة، ويُشير إلى عظمة ملائكة حمل العرش ودلالتها على عظمة الله سبحانه وتعالى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فإذا نُفخ في الصور نفخة واحدة، وهملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السماء فهي يومئذ واهية، والملك على أرجائها، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾. قال المفسر رحمه الله تعالى: «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة للفصل بين الخلائق، وهي الثانية، وهملت: رفعت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة: قامت القيامة، وانشقت السماء فهي يومئذ واهية: ضعيفة، والملك: يعني الملائكة على أرجائها: جوانب السماء، ويحمل عرش ربك فوقهم: أي الملائكة الموكلين يومئذ ثمانية: من الملائكة أو من صفوفهم». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة: سورة الحاقة، التي فيها من ذكر أحوال المؤمنين والكافرين، وما يكون من أمرهم يوم الدين: يوم القيامة، يوم البعث والنشور، ومن ذلك ما جاء في هذه الآيات بقوله سبحانه: ﴿فإذا نُفخ في الصور نفخة واحدة﴾. قال المفسر رحمه الله: «للفصل بين الخلائق، وهي الثانية». وقد اختلف أهل العلم في عدد النفخات التي تنفخ، قيل: ثلاث نفخات، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، والصواب جمعًا بين الأدلة من الكتاب والسنة أنها ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الهزع، ثم نفخة الهلاك، ثم نفخة البعث والنشور. والصحيح أن المراد بهذه النفخة: النفخة الثالثة، نفخة البعث والنشور، والتي يكون بها وفيها الفصل بين الخلائق، وهي أعظم النفخات. وقول سبحانه: ﴿في الصور﴾، الصور: هو القرن الذي ينفخ به، فيكون به التنبيه بالصوت العظيم، هذا في الدنيا، ومرة يستعمل من قرن بعض الحيوانات، ومرة يستعمل من الحديد أو غيره من المعادن ونحوها. وأما في الآخرة فهو صور خاص لا نعلم كيفيته، ولكنه عظيم؛ لأنه يؤمر بالنفخ الملك الموكل بذلك، وهو ملك عظيم، فنؤمن به وإن كنا لا نعلم تفاصيل خلقته، ونحن على يقين أنه حق وعظيم يكون به ما أخبر الله عز وجل حقًا وصدقًا. وقول سبحانه: ﴿واحدة﴾، تأكيد أنها نفخة واحدة عظيمة كافية بأن يتحقق بها المقصود، فيكون البعث والنشور لجميع الخلائق الأولين والآخرين، فمن عظمتها تكفي أن تكون واحدة، بخلاف نفخ الدنيا فإنه لا يكفي فيه النفخ الواحد بأي نوع من أنواع النفخ، إن كان لأجل التنبيه والإنذار أو البشارة أو غير ذلك من أنواع النفخ، فإنه في الغالب لا يكفي مرة واحدة، حتى الأذان وهو عبادة فإن ألفاظه تتكرر ليتأكد بلوغ المقصود من هذا الأداء. وأما نفخة يوم القيامة فهي نفخة عظيمة واحدة كافية، من عظمتها أن تؤدي بالمقصود، وهذا تأكيد لعظمة هذه النفخة. وقوله سبحانه: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾، قال: «رفعت»، والحمل شيء زائد عن الرفع، فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، ولكنه فيه معنى الرفع، والمعنى أن الأرض والجبال يحصل لهما حمل ودك حتى تكون أرضًا صفصفًا وقاعًا واحدًا، كما صحت لذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. وهذا تأكيد لعظمة ما يكون من أهوال يوم القيامة، فليس رفعًا مجردًا بل هو حمل، وفيه كذلك أن الأرض ترفع بما يأمر الله عز وجل به من يشاء من ملائكته وخلقه برفعها، وكذلك الجبال كما أخبرنا الله عز وجل في آيات أخرى بأمر الأرض والجبال كيف يكون من أمرها من تسويتها وتسييرها وغير ذلك. وقوله: ﴿فدكتا دكة واحدة﴾، والدك فسره هنا بقوله: «دكتا»، والدك أعظم من الدق، فأنت حين تطرق الباب تقول: «دق الباب»، ولكن إذا سويت الأرض مع الضغط تقول: «دككت الأرض». ومنه الآلات الحديثة اليوم التي تسمى بـ«الدكاكة»، يأتي وزنها الأثمان العظيمة فترج من دكتها، وهي آلة صغيرة بوزن ثقيل بدكتها تهتز البيوت والمباني، حتى إن هذه الآلة لها معايير ومقاييس، فيمنع استخدامها مع وجود المباني القديمة أو المباني القريبة، فيجعل لها مقاس محدود لهذا الدك إذا كان بجانبها مباني قريبة أو قديمة حتى لا تنهد هذه المباني. وفعلًا قد وقع مثل ذلك بسبب دك هذه الآلة، وهي آلة صغيرة بوزن ثقيل، فكيف بدك يوم القيامة الذي هو كفيل بتسوية كل ما على الأرض حتى الجبال العظيمة تدك أي تسوى ويضغط عليها كما تدك تلك الآلة وأعظم من ذلك. وهذا معنى الدك في اللغة، فهو أعظم من الدق، واختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فدكتا دكة واحدة﴾، تأكيد لهذا الدك أنه عظيم، ومن عظمته أنه مرة واحدة كافية فيه، بخلاف الدنيا وحال أهلها إذا أراد أهل الأرض والناس يدكون أرضًا يكررون هذا الدك عدة مرات حتى تنضغط هذه الأرض وتستوي. وأما أمر يوم القيامة فهو عظيم، ومن عظمته أنها تدك دكة واحدة عظيمة جدًا، لا تسأل عن هذه العظمة ما دمت قد علمت أن في هذه الأرض من الجبال العظيمة ومن اختلاف منارات الأرض، وكلها في دكة واحدة تكون مستوية مبغوطة، فتكون الأرض جرداء بيضاء مستوية جاهزة للحرث. وهذا من عظمة هذه الدكة وقوتها. وقول سبحانه: ﴿يومئذ﴾، أي ذلك اليوم المشار إليه سابقًا بذكر بعض أوصافه، وذكرت أوصافه الأخرى في سور وآيات وأحاديث كثيرة، فهو يوم عظيم. ﴿وقعت الواقعة﴾، قال: «قامت القيامة»، ووقعت: أي تحقق هذا القيام، فهو كذلك من التفسير ببعض المعنى، والواقعة اسم من أسماء يوم القيامة، فإن يوم القيامة يوم عظيم فيه أوصاف كثيرة عظيمة لعظمة ما يكون فيها من أهوال. ولذلك سميت «الواقعة»، أي ما يقع فيها من أهوال جعلها يوم الواقعة، لا يوم أوقع من ذلك اليوم العظيم، وكل ما قبلها مما حدث للناس للجن والإنس فإنه لا شيء مع ما يقع في ذلك اليوم العظيم، ولهذا سمي «يوم الواقعة»، فأل فيه للعهد الذي يذكر بكل ما وصف الله عز وجل من أمر هذا اليوم العظيم. وقوله سبحانه: ﴿وانشقت السماء فهي يومئذ واهية﴾، قال: «ضعيفة»، والواهية أعظم من الضعف، فالضعف من معاني الواهية، ولكن الواهية أعظم من ذلك، والمعنى أن السماء المتينة التي نراها سقفًا محفوظًا يوم القيامة تنشق كما أخبر الله عز وجل في آيات أخرى: تتشقق السماء بأمره سبحانه وتعالى وإذنه، فتهوي على الأرض، فهي واهية: أي يذهب ذاك التماسك، بل وتهوي على الأرض. ﴿والملك على أرجائها﴾، قال: «يعني الملائكة»، والملك جنس الملائكة، قال: «على أرجائها: جوانب السماء»، والأرجاء فسر بالأطراف والجوانب، والصحيح أنها تشمل ذلك كله، فالأرجاء النواحي كلها، يعني أن الملائكة ينزلون من السماء بشكل كثيف عظيم، ولذلك تتشقق هذه السماء إذانًا بحصول حدث عظيم، لو لم يكن إلا السبعون ألفًا الذين أخبر الله عز وجل بهم، وغير ذلك من أصناف الملائكة، كل موكل بعمل في ذلك اليوم العظيم. ومن ذلك قال: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾، أي يحمل من هؤلاء الملائكة عرش الرب العظيم سبحانه، والعرش في اللغة هو سرير الملك، وهو معروف معناه، أما كيفيته بالنسبة لله وهو على ما يليق بعظمة الله سبحانه وتعالى. وقد اختلف في هذا العرش المذكور في هذه الآية خاصة: هل هو سرير الملك الذي هو لله عز وجل الذي ذكر في آيات أخرى كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وغيره من الآيات: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ونحوها، أو هو عرش خاص ينزل به للفصل والقضاء؟ قال بهذا جماعة من المفسرين، وقال بهذا جماعة آخرون. ولا نشك أنه الثاني: أن ينزل إلى الأرض للفصل بين الخلائق، وليكون القضاء في أرض المحشر كما جاءت به الأدلة الأخرى، ولكن الله أعلم: هل هو نفس العرش المذكور أولًا أو أنه عرش آخر؛ لأن هذا ليس عندنا فيه شيء صحيح صريح في كتاب أو سنة، فالله أعلم بذلك، وهو من الغيب الذي لا نعلمه ونكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿يومئذ ثمانية﴾، قيل: ثمانية ملائكة كما ذكرها هنا، أو ثمانية صفوف، وكل الأمرين قد ذكر في تفسير هذه الآية، وأكثر المفسرين -وهو الراجح والله أعلم- أنهم ثمانية ملائكة. وقد صح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوذن لي أن أخبركم عن ملك من ملائكة العرش: ما بين شحمة أذنه وكتفه مسيرة سبعمائة عام»، يعني لعظمته. والحديث والحديث حسنه ويصححه شيخنا مقبل في «الصحيح المسلم مما ليس بالصحيحين»، وهكذا الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، وهو يدل على أن ملائكة حمل العرش عظام، ومن عظمتهم أن ما بين شحمة الأذن والكتف مسيرة سبعمائة عام، وهذا يدل على عظيم خلقة هؤلاء الملائكة. وهذه كلها تدل على عظم ما يكون في ذلك اليوم، والذي كله يدل على عظمة الرب سبحانه وتعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.