خطبة جمعة تنبيهات للحجاج

الدرس في خطبة جمعة تنبيهات للحجاج، خطبة جمعة تنبيهات للحجاج 20 ذو القعدة 1428هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية الحج المبرور

يُنبه الشيخ على أهمية استشعار الحاج أن الحج فريضة فرضها الله تعالى لحكم عظيمة، منها تكفير الذنوب وإصلاح النفس. يُشدد على أن الحج المبرور هو الذي يكون خالصًا لله ومتابعًا لسنة النبي.

الاستعداد الروحي والفقهي للحج

يُنصح الحاج بالاستعانة بالكتب الموثوقة لمعرفة مناسك الحج واجتناب الذنوب والمعاصي، والتحلل من المظالم قبل الذهاب للحج، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء المناسك. يشدد على أهمية التحضير الجيد قبل أداء فريضة الحج.

أحكام الإحرام والمناسك وآداب الطواف والسعي

يناقش المقطع أحكام الإحرام بالحج والعمرة، ويبين أنه لا توجد أذكار أو آيات مخصوصة تقرأ عند الإحرام أو دخول الحرم، ويشرح كيفية أداء مناسك الحج والعمرة على وفق السنة النبوية، ويحذر من البدع والمخالفات والشركيات في الطواف والسعي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيّ، عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. إن الله جل وعلا فرض على عباده فريضة الحج رحمة منه وفضلا وحكمة منه وعدلا بعباده سبحانه وتعالى. فهو الذي خلق الخلق سبحانه، فيعلم جل وعلا ما يصلحهم في هذه الدنيا وفي الآخرة. ومن ذلك عباد الله أن فرض عليهم هذه الفريضة سبحانه، وهو يعلم جل وعلا أن هذا مما يصلح حالهم في الدنيا ويصلح حالهم في الآخرة. فلله الحمد والمنة على ما شرع لعباده وفرض سبحانه. عباد الله، بمناسبة ذهاب كثير من إخواننا وآبائنا وأبنائنا إلى حج بيت الله الحرام، ناسب أن يذكر لهم شيء من أحكامه، مع التنبيه على بعض المحظورات والمخالفات التي يقع فيها الكثير من الحجاج بغير علم، وبتقليدهم لكثير من الحجاج الذين يكونون في تلك البقاع. وفي ثنايا ذلكم السفر. فإن من أول ما ينبه عليه عباد الله أن يستشعر الحاج أن هذه فريضة فرضها الله جل وعلا عليه، فرضها لحكم عظيمة، من أعظم حكمها أنها سبب لتطهير الذنوب والخطايا، وأنها سبب لإعانة العبد لإصلاح نفسه في الدنيا وإصلاح أمره في الآخرة. فيقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. ويقول نبيه عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وجاء في ذلك عنه رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». والحج المبرور، أخي المسلم، هو الحج الذي استوفى شروط فرضيته وشروط كماله، وذلك بأن يكون لله خالصًا، ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه متبعًا، ويكون غير مصحوب بذنب، وغير متبوع بذنب. فما كان كذلك فهو الحج المبرور بإذن الله تعالى. فاستشعر أخي المسلم وأخي الحاج أنك إن أردت الحج الذي أمرك الله جل وعلا به وتتحصل به ثماره في الدنيا والآخرة، فاحرص على أن يكون حجك حجا مبرورا، وذلك باستيفاء هذه الخصال الأربعة. أولها أن يكون لله خالصًا، ليس رياءً ولا سمعة ولا مسايرةً ومجاملةً للناس، ولكنه لله جل وعلا خالصًا. تستشعر أن الله جل وعلا فرض عليك هذه العبادة، فأنت تؤديها لله جل وعلا طائعًا خالصًا، لا تريد بها شيئًا من أعراض الدنيا الزائلة الفانية. بل إنك تبتغي بذلك ما عند الله سبحانه. فإن استشعرت ذلك أعانك ذلك على إتقان وإحسان هذه العبادة، بخلاف إن أديتها رياءً وسمعة، فإن غرضك هو أن يقال: قد حج فلان، وأسقط فريضته الحج. وإن كان مسايرةً ومجاملة، فإن نشأتك الإحسان إلى أحسن الناس، والإساءة إن أساءوا، فإن كسلوا كسلت معهم، وإن نشطوا نشطت معهم، وإن فتروا فترت معهم، وإن اجتهدوا اجتهدت معهم. وليس الأمر كذلك، أخي المسلم. بل ينبغي أن تعلم أنك إن كنت أردت بذلك ما عند الله سبحانه، فاجتهادك في السراء والضراء، وفي الرخاء والشدة، وفي الجماعة والوحدة، فإنك تعلم أنك تريد وجه الله. بل ربما حرصت على أن تخلو بنفسك، معاتبًا ومهذبًا، تتوب إلى الله جل وعلا، وتنيب مخبتًا. إنك إن كنت أديت هذا خالصًا لله جل وعلا، فإنك ستبحث عن مواضع الرحمة فتتتبعها، وعن مواضع السخط والغضب فتجتنبها؛ لأنك أديت هذه الفريضة لله خالصًا. وهكذا كذلك، أخي المسلم، اعلم أنك إن أردت الحج المبرور، فليكن في حجك الحرص على تعلم حج النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة أحكام هذا الحج. فليس الشأن كل الشأن أن تذهب إلى الحج، بقدر ما أن تؤدي الحج على الوجه المبرور الصحيح الذي أذن الله جل وعلا به وشرعه، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه. نعم، أخي المسلم، احرص على تعلم أحكام الحج، بأن تعرف الصواب من الخطأ، والسنة من البدعة، والحلال من الحرام، والواجب من المحظور. وهكذا الكمال من غيره. فإن عرفت ذلك، كنت بلغت بحجك أعلى المراتب والمنازل. وإنك متى ما جهلت وأعرضت عن التعلم والتفقه، والسؤال عن كيفية أداء الحج على الوجه الذي يحبه ربنا ويرضى، والذي أداه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنك بذلك تتحبط. ربما أسقطت ركنًا، أو تركت واجبًا أو واجبات، أو فعلت محظورًا أو محظورات، وأنت لا تشعر ولا تعلم. وهكذا كذلك، إذا علمت ذلك، فإنه عند ذلك تستشعر وأنت متأمن لحال الكثير من الحجاج، وهم يحجون إلى بيت الله الحرام، تزودوا بالزاد الحسي، ولم يتزودوا بالزاد المعنوي، والعلم على وجه الخصوص، الذي به تؤدى هذه الفريضة على الوجه الصحيح المشروع. وبه تعلم أن ما يغتنمه الناس من كتب وأشرطة، ينبغي أن تحقق فينتقى منها ما كان منسوبًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فما أكثر الكتب والأشرطة التي تتكلم عن الحج، ولكن القليل منها ما يوصلك إلى الشيء المشروع المحمود من مناسك الحج والعمرة. فاحرص على اغتنام ما يعينك على أدائها على الوجه المشروع المحمود، بأن تنتقي من هذه الكتب ما كانت تعتني بأحاديث الصحيحة والسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأن تحذر من تلك الكتب التي فيها غثاء ليس بشيء، إما أحاديث موضوعة أو مكذوبة أو ضعيفة، أو شيء من الاستحسانات والبدع أو الخرافات. بل وربما أحيانًا بعض الشركيات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهكذا تستشعر، أخي المسلم الحاج، أنك تحتاج أن تستعين بشيء من هذه الكتب الموثوقة في حجك، وفي سفرك في هذا الحج، وفي تنقلاتك في أداء مناسك الحج. فتستعين بها في معرفة الوجه الصحيح لأداء فريضة الحج. فكلما نزلت منزلا أو انتقلت من عمل إلى آخر أو من يوم إلى آخر، فإنك تنظر فيما معك من الكتب الموثوقة، ما هو الذي يجب، وما هو الذي يستحب للحاج في هذه المواضع؟ وما هو الذي ينبغي أن يحذره وأن يجتنبه الحاج في هذه المواضع؟ فتكون لنفسك مسترشدًا ومتعلمًا، ولغيرك مرشدًا ومعلمًا. ترشد غيرك بما معك من زاد مما أعطاك الله عز وجل إياه. تعلم غيرك ما هو الذي يجب ويستحب، وتحذرهم مما ينبغي أن يجتنب وأن يحذر. وهكذا تسير منزلا منزلا، وموقفا موقفا، حتى تؤدي هذه المناسك وأنت أديتها خطوة خطوة كما أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. فاحرص أخي الحاج على أن تستعين بشيء من الكتب الموثوقة، أن تأخذها معك وتنتقل بانتقالك، وتبقى في حوزتك وفي قرب منك في حال حاجتك إليها. وهكذا كذلك، احرص أخي الحاج على التخلي عن كل ما يوجب سخط الله جل وعلا من الذنوب والمعاصي، حال كونك مؤديا للحج. فتخلى عن المظالم قبل ذهابك إلى الحج. وما أكثر المظالم التي يتحملها الإنسان. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. احذر أخي الحاج أن تكون ظلومًا جهولًا لنفسك، ظلومًا جهولًا. فتظلم نفسك في هذه الفريضة. فما أكثر من حج، وفي الحقيقة كما قيل: «إنما حج حج العير». كما أكثر الناس الذين يذهبون وذهابهم هداء منثورا، بما كان معهم من أسباب عظيمة تمنع قبول هذا الحج. فإن لهذا الحج موجبات وموانع. فمن موانع تمام حصول المقصود من هذه الفريضة أن يكون عندك شيء من كبائر الذنوب، أو ما هو أعظم من ذلك مما يغضب الله عز وجل. فيكون مانعًا من قبول حجك. أخبر المسلم من المظالم. إن كانت عليك ديون، فتحلل منها، أو استأذن من أهلها. أو كان لك اعتداء وظلم على أحد من الجيران، أو أحد من الأقارب، أو أعظم من ذلك من الأبوين أو غير ذلك، فتحلل من ذلك كله. واذهب وأنت فيما تظن ويغلب على ظنك أنك قد تخلصت من مظالمك. يكون عونا لك لقبول فريضة الحج. وهكذا كذلك، احرص في حجك على أن لا يصدك عن ذلك شيء من محظورات الحج، سواء كان ذلك بفعل شيء من المخالفات التي نهيت عنها، أو كان ذلك بفعل شيء من المعاصي. احذر أخي الحاج من ذلك. واعلم أن المعصية يعظم أمرها إذا تلبست بشيء من التعظيم لعظم الزمان أو المكان أو الحال. فقد قال ربنا جل وعلا في حق بلده الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال العلماء: إرادة الإلحاد والمعاصي في غير مكة، ليس كإرادتها في مكة، تعظيما لحرمتها ومنزلتها عند الله سبحانه وتعالى. وهذا لأنك، أخي الحاج، كونك ثقف الله جل وعلا، وأنت متلبس بالإحرام، ومؤدي لفريضة الله جل وعلا، وساعيًا إلى بيت الله الحرام، فإن ذلك أمر عظيم عظيم عند الله سبحانه. إذ أن أسباب إعانتك على الطاعة قد توفرت، وأسباب استيجاب الرحمة قد اجتمعت. ومع ذلك أنت مصر على المعصية، فإن ذلك موجب لسخط الله عز وجل عليك مرتين. أولها لوقوع تلك المعاصي، وثانيها لوقوعها مع كونك في هذا الحال الموجب للذل والخضوع لله رب العالمين. فإذا عرفت ذلك، فامتثل ما حرم الله منه. فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. وهكذا كذلك، اعلم أن في مواضع تنقلك من منسك إلى آخر، ومن عمل إلى آخر، للناس فيه أعمال، ولكن العمل والقول يوزن بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فربما نسمع أناسًا يحدثون أذكارًا، ويقرؤون قرآنًا، أو كذلك يسبحون بأنواع من التسبيح، أو التحميد أو التكبير أو التهليل. فاعلم أن كون ذلك له أصل مشروع، لا يعني ذلك أنه مشروع في تلك المواضع. فما أكثر الأشياء التي لها أصل مشروع، ولكنها إذا وضعت في غير موضعها، صارت من البدع الشنيعة في دين الإسلام. ألا ترى أخي المسلم أن الأذان والإقامة شرع للصلوات الخمس، ولكن من فعل ذلك لصلاة العيدين أو صلاة الجنازة، كان ذلك من أعظم البدع والمحدثات، وكان صاحبه مأثومًا غير مأجور، وكان صاحبه عاصيًا غير طائع. فكذلك يا أخي المسلم، وضعوا تلك الأذكار، وقراءة تلك الآيات على الوجه الذي لم يأذن الله عز وجل به، وفي الموضع الذي لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كذلك من البدع والمحدثات. فاحرص على تتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ومن ذلك، فذلك أخي المسلم، اعلم أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا علمت ذلك، فلتعلم أنك مأمور أن تتتبع سنته عليه الصلاة والسلام في أداء هذه الفريضة. فإذا أتيت إلى موضع الإحرام، فلتحرم كما أحرم النبي عليه الصلاة والسلام. فليس هناك لباس خاص ينبغي أن يلبسه المحرم، لا للرجال ولا للنساء، كما قد يظنه بعض الناس. ولكنه يجتنب أي المحرم، إن كان ذكرًا، أن يلبس ما يحلق بالجسد، مما يكون على أعلى الجسد أو أسفله، أو كذلك ما يوضع على الرأس. فلا يلبس السراويل، ولا يلبس القميص، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا القلانس، ولا الخفاف. فكل ما كان ملتحقًا بالجسد، فإن المحرم نهي عنه. فيلبس إزارًا ورداءً، ليس تحته شيء من الملابس الداخلية الملتحقة. لا في أعلى الجسد، ولا في أسفله. ولا يشد هذه الثياب بشيء من أنواع الشد، لا بخرز، ولا بكذلك أزرار، ولا بأحزمة، ولا غير ذلك. بل ينبغي أن يتركه كما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا المرأة تجتنب لبس القفازين، ولبس كذلك النقاب الذي تشده على الوجه. ولا يعني ذلك أن تكشف عن وجهها ويديها عند الرجال الأجانب. بل إنها تستر وجهها ويديها بما يستر من غير هذين الأمرين. فتستره بجلبابها الطويل، أو بما يسقط على الوجه من أعلى الرأس. فإن ذلك مما أمرت به، وكان يفعله نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهكذا كذلك، لتعلم المرأة الحاجة أنه لا يجوز لها أن تخرج إلى الحج إلا ومعها ذو محرم منها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في متفق عليه من حديث ابن عباس، وهذا لفظ البخاري: قال «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها». وذكر رجل أن امرأته أرادت الحج، وقد اقترب في غزوة، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يحج معها. وهكذا كذلك، اعلم أنه ليس هناك أذكار ولا آيات تقرأ في وقت الإحرام. بل ينبغي عليه أن يغتسل إن تيسر له ذلك. فإن وافق صلاة، صلى. وإن لم يوافق صلاة، فإنه يدخل في نسك الحج، ويهل بحجه، ويذهب إلى بيت الله الحرام. ودخلوا بالحج، إن كان عن نفسه، أن يهل بما يهل به من نسكه الذي يدخل به، إن كان مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا. فيقول: «اللهم إني أهللت بحج أو أهللت بعمرة»، على حسب نسكه. ثم يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». يستمر في تلبيته، ويرفع صوته، وهذا للرجال. أو النساء مع عدم حضور الرجال الأجانب. وتكون تلبيته برفع صوته، فلا يترك التلبية فيحج صامتًا مصمتًا. ولا كذلك يلبي بالتلبية الجماعية. فلم يكن ذلك من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم. وهكذا يستمر على ذلك حتى يأتي مكة. فإذا أتى مكة، فليس هناك أذكار مخصوصة ولا آيات مخصوصة تقرأ. بل إذا رأى بيت مكة، أو رأى الحرام أو البيت الحرام، ترك التلبية. ثم شرع في مناسك الحج على ما شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا علمت ذلك، فلتعلم كذلك أن ما يفعله كثير من الناس من تخصيص أعمال أو ألبسة خاصة تلبس، أو كيفيات أو كذلك أحوال تفعل لدخول الحرام، كل ذلك لم يثبت. بل إن المسجد الحرام كسائر المساجد، يدخل كما تدخل المساجد، ويمكث فيه بذكر المساجد. ثم يبدأ بطوافه، ثم سعيه إن كان عليه سعي، على ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ويحذر كذلك من البدع والمخالفات والخرافات والشركيات في طوافه وسعيه. فليس شيء يضر ولا ينفع، أو يظن أنه يستجلب منه القوة والشفاء. إنما ذلك لله جل وعلا وحده. وقد قال عمر، كما جاء في الصحيح، حين قبل الحجر: «لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك». وبه تعلم ثلاثة مسائل. المسألة الأولى: أنه ليس شيء في تلك البقاع المكرمة يضر وينفع. فإذا كان الحجر الأسود وهو أعظم ما أمرنا بتعظيمه، مع ذلك لا يضر ولا ينفع، فغيره من ذلك أولى. لا ستارة الكعبة، ولا جدارها، ولا مقبضها، ولا أركانها، ولا غير ذلك. ولا كذلك سواري المسجد الحرام، ولا المسجد النبوي، ولا جدران الحرام المكي أو المدني أو غير ذلك. يعتقد به الضر والنفع، بل ذلك لله جل وعلا وحده. وثانيًا: ينبغي أن تعلم أنه لا يستلم إلا ما ثبت بالدليل استلامه. فلا تمسح شيئًا من البيت على وجه التعبد، إلا الركنين اليمانيين فقط. فلا تمس الركنين الشاميين على وجه العبادة، وعلى وجه الحب والتعظيم. فإن ذلك ليس مما أذن لك فيه، ولم يشرع. وهكذا كذلك، من باب أولى، ما يفعله العامة مما يظنون أن ذلك ينفع، أو أنه يستحق مسحه ببعض السواري، وكل ما لمع وأعجب بلونه وشكله. فربما مسحوا عليه، وتمسحوا على وجوههم وأعينهم. وكل هذا من البدع والخرافات. بل ربما يصل إلى الشرك والعياذ بالله، إن ظن أنه ينفع ويضر. وهذا ليس كذلك. وهكذا كذلك، اعلم أنك ينبغي أن تتقيد بالسنة في طوافك، من هيئتك في استلام الحجر الأسود، ومن كذلك التكبير. فكل ذلك تفعل على وفق السنة. فالحجر الأسود، إن استطعت أن تقبله، قبلته. وإن لم تستطع، أشرت إليه. ولا حاجة لتقبيل اليد. فما يفعله العامة من تقبيل أيديهم بعد الإشارة، ليس من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك، ما يفعل من الإشارة إلى الركن اليماني إذا لم يستطع استلامه، ليس هذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما إذا استطعت أن تستلمه، وإلا فلا تشير بيدك. إنما الإشارة للحجر الأسود فقط. وهكذا ليس هناك ذكر مخصوص في طوافك، إلا ما أثر عن ابن عمر وغيره، أنه يقال بين الركنين اليمانيين: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». وعند الحجر الأسود، تبدأ بالتسمية والتكبير. والتكبير يكون عند كل شوط، والتسمية تكون في الشوط الأول. وغير ذلك لم يثبت ذكر مخصوص في موضع من المواضع أبدًا. لم يثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا تستمر أداء هذه الفريضة كما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن كان هناك السعي، فتؤدي السعي كذلك على وفق السنة، وتحذر من تلك الأذكار أو الأفعال التي يفعلها من لا علم عنده. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا ما يبغض ويكره. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. وكذلك أيضًا، آخر الحاج في طوافك، احذر أن تفعل ما يفعله الكثير من العامة. فإن الدين بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. والغرباء وصفهم بعض الأحاديث: الذين يصلحون ما أفسد الناس. فأنت ينبغي أن تحرص على إصلاح نفسك، وإصلاح غيرك، بتتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا أتيت إلى المسعى، فإنك تحرص على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، من الذكر بالأذكار الثابتة الصحيحة. من ذكرك للآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ثم التكبير والتهليل والدعاء بعده، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وأنت مستقبل للقبلة، ترفع يديك في الدعاء، وتخفضها في أثناء الذكر. تقول أولًا: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم ترفع يديك فتدعو دعاء طويلًا إن تيسر. ثم تخفض يديك فترجع للذكر مرة ثانية. ثم ترفع يديك فتدعو ثانية. تفعل ذلك ثلاث مرات. وتفعل مثلها عند المروة. وهكذا من الصفا إلى المروة شوط. وتشتد في السعي بين العلمين الأخضرين الموجودين هناك. هذا هو سنة النبي عليه الصلاة والسلام في السعي. وما يفعله بعض الناس من خلاف ذلك، بتخصيص أذكار أو آيات أو غير ذلك، فليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام من شيء. واعلم كذلك أنك بعد الطواف، تطوف مطبعًا. ولا يكون الاضطباع، أي كشف الكتف الأيمن، إلا في الطواف فقط، طواف القدوم. فعند إحرامك لا تكشف الكتف الأيمن. وعند الصلاة عند المقام بعد الطواف، تستر الكتف الأيمن. وعند السعي كذلك تستر الكتف الأيمن. فإذا انتهيت من السعي، إن كنت متمتعًا، تحللت من عمرتك بحلق أو تقصير. إن كان الحج بعيدًا، حلقت. والحلق أفضل. وإن كان الحج قريبًا، قصرت. والتقصير في هذا المقام أفضل. ولا يكون التقصير مشروعًا مجزئًا، حتى تأخذ من جميع الرأس، بما يظهر شرعًا وعرفًا ولغة أنه حصل لك التقصير. وهكذا المرأة تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة أو أنملتين، لا تزيد على ذلك، ولا تنقص. فإذا علمت ذلك، فما يفعله كثير من العامة من أخذهم شعيرات من أطراف الشعر، لا يجزئ ولا يشرع. بل هو مما يضر بحجهم. وهكذا إذا كان يوم الثامن، أهللت مع الناس من حيث كنت. من كان في مكة، فمن مكة. ومن كان من جدة، فمن جدة. ومن كان من المدينة، فمن المدينة. فإن كنت من المدينة، فأحرمت من ميقات أهل المدينة. أو من جدة، أو مكة، فمن جدة أو مكة. ثم تأتي إلى منى يوم الثامن، تأتي إلى منى يوم الثامن. وما يفعله بعض العامة من إحرامهم من جدة، ليس من السنة في شيء. أو توجدهم ليلًا، كذلك خلاف السنة. فإن ابتليت بذلك، فلتأت إلى منى، ثم لتحرم منها يوم الثامن. وهكذا ما يفعله بعض الناس من التوجه إلى عرفة مباشرة، هو خلاف السنة. ثم هكذا تصلي في منى يوم الثامن الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من يوم التاسع. ثم تتوجه إلى عرفة، فتقعد في عرفة، فتصلي فيها الظهر والعصر جمعًا وقصرًا. وتستمع إلى الخطبة، وتقعد فيها من بعد الزوال حتى تغرب الشمس. ثم تنطلق إلى مزدلفة. ولتحرص على الوقوف في عرفة، والاجتهاد في الدعاء فيه. فذلك هدي النبي عليه الصلاة والسلام. والحج عرفة. وأفضل ما دعا الأنبياء، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير». فهذا من دعاء العبادة ودعاء المسألة، أن تسأل الله من خير الآخرة وخير الدنيا. فإذا غربت الشمس، توجهت إلى مزدلفة، فتصلي فيها المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، بأذان وإقامتين. وإن أدركتك الصلاة، وخشيت فوات وقتها بالطريق، صليت في الطريق، أو حتى صليت في عرفة. ثم بعد ذلك تنام في مزدلفة. ورخص النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الأعذار أن ينطلقوا بعد غروب القمر، أي بعد منتصف الليل. فإذا قعدت في مزدلفة، فلا تنشغل كما يفعل بعض الناس بتكسير الأحجار، وغسلها بالماء. فلنلك ذلك من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. ولا تقم الموالد والبدع والمحدثات والأذكار التي يفعلها بعض الجهال. فخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. ثم إذا كان يوم العاشر، صليت الفجر في مزدلفة، ثم توجهت إلى المشعر الحرام، أو في أي مكان من مزدلفة. قال عليه الصلاة والسلام: «وقفتها هنا، وجمع كلها موقف». تدعو الله وتكثر من الدعاء حتى يصفر جدًا، أن يضغر الضوء. ثم تذهب إلى منى، فترمي الجمرة الكبرى، ترميها على وفق السنة، وتترك البدع والمخالفات. وتتبع كما علمت ما علمت من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، بما معك من الكتاب الذي تستعين به. وهكذا تفعل أعمال يوم العاشر، إن استطعت كلها في نفس اليوم، من الرمي والذبح والحلق والطواف. وإن لم يتيسر كله في نفس اليوم، ولو تأخر بعضه، فلا بأس. على أنه لا تتحلل التحلل الأول إلا بعد رمي جمرة العقبة في ذلك اليوم. ولا يحل لك النساء إلا بعد طوافك طواف الحج. ثم ترمي يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، أي جمرات الثلاث الصغرى والوسطى والكبرى، بسبع حصيات. تكبر مع كل حصاة، وتدعي عند الأولى والثانية. وتحرض على السنة، وتجتنب البدع والخرافات. وهكذا تفعل حتى تنتهي. فإذا انتهيت، يبقى عليك طواف الوداع قبل الخروج من مكة. ثم يسن لك زيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وتنوي زيارة المسجد، لا زيارة القبر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فلا يجوز قصد النية وشد الرحل إلى قبر من القبور، ولو كان قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما يكون ضمنًا أنك تقصد مسجده، ويدخل ضمنًا قبره عليه الصلاة والسلام بعد زيارة المسجد. فإذا عرفت ذلك، تم حجه. ولتعلم أنه ليس من شروط الحج الذهاب إلى المدينة، ولكنه يستحب. فإذا تم ذلك، تم حجه. وأسأل الله جل وعلا أن يجعله حجا مبرورًا، وترجع منه كيوم ولدتك أمك. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. شكرًا.