الإيمان الأوسط  2

الإيمان الأوسط 2

الدرس في الإيمان الأوسط 2، الدرس الثاني:( وأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلا مؤمن أو كافر ... ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ظهور المنافقين وتأثيرهم

بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ظهر المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا بينما كانوا كفارا في الباطن، مما شكل خطرا على المسلمين. تم توضيح ذلك من خلال الآيات القرآنية التي ذكرتهم.

صفات المنافقين وعلاقتهم بالمؤمنين

المنافقون يظهرون خلاف ما يبطنون، ويتمنون زوال نعمة المؤمنين، ويفرحون بسيئتهم، بينما يحمي الصبر والتقوى المؤمنين من كيدهم. تم استعراض الآيات التي تكشف عن مواقفهم السلبية تجاه المؤمنين.

موالاة المنافقين للكافرين وتفصيلها

تم تناول صفات المنافقين وموالاتهم للكافرين، مع توضيح معنى الموالاة وتفصيله من خلال الآيات القرآنية. كما أشير إلى أن بعض صفات المنافقين قد تقع من المسلمين دون أن تستلزم الكفر الأكبر.

ختام الحديث والتأكيد على الإيجاز

تم اختتام الحديث بالإشارة إلى أهم النقاط المتعلقة بتفسير الآيات، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يظهر حرص المتحدث على الإيجاز والتأكيد على الأهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما قبل الهجرة، فلم يكن الناس إلا مؤمنًا أو كافرًا، لم يكن هناك منافق، فإن المسلمين كانوا مستضعفين، فكان من آمن آمن باطنًا وظاهرًا، ومن لم يؤمن فهو كافر، وهذا ظاهر مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. ولهذا لا تجد في القرآن المكي مما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ذكر المنافقين، وإنما كان ذكر المنافقين بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ من الناس من دخل في الإسلام رغبة ورهبة، فأظهر خلاف ما أبطن. قال رحمه الله تعالى: فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عزّ وأنصار -يعني بهذا التمكين-، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعًا واختيارًا. ومعنى جمهور أهلها -أي أهل المدينة وما حولها- دخلوا طوعًا واختيارًا، يعني بغير كراهية؛ لأنه لم يقاتل عليه الصلاة والسلام. قال: بينهم من أقاربهم، ومن غير أقاربهم، من أظهر الإسلام موافقة رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر. ومعنى لما رأوا قوة المسلمين، وما كان لهم كذلك مما حصلوه، وأعين به في إسلامهم، كان منهم ما كان من دخول الإسلام في الظاهر، وعدم دخولهم في الباطن، فهذا هو معنى رهبة ورغبة؛ فرهبة من الانتقاد والتنقص، وأن يفوتهم شيء من الدنيا، أو يلومهم بعض أقاربهم، ويلحقهم ما يخاف على الدنيا التي يحرصون، ورغبة فيما ينال المسلمين من خير، فهم يطمعون أن ينالوا ما ينالون -أي أهل الإسلام-، فلذلك دخلوا في الإسلام ظاهرا ولم يدخلوا فيه باطنًا. قال رحمه الله: وهو في الباطن كافر. وكان رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وكان رأسًا لأمور من أهمها: أنه كان رأسًا في قومه في منزلته، حتى إنه حسد النبي صلى الله عليه وسلم أن اجتمع الناس له، فكان منه ما قال في وقائع كثيرة، إذ كان يرجو أن يجتمع أهل المدينة عليه فيرأسوه ويزعموه. فلما فاته ذلك، وقع عنده من الحنق والحقد ما ظهر في فلتات لسانه. وكان رأسًا كذلك بالمعنى الآخر، وهو من كونه كان يقود المنافقين على شغبهم وعلى أقوالهم وأفعالهم، فكان قائدًا بالمعنيين، فهو رأس. قال: وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات -يعني مما ذكر في سورة البقرة، وهذه وما جاء في غيرها من السور مما فيه ذكر المنافقين، وهي سور كثيرة- سيأتي الإشارة إلى بعضها من كلامه رحمه الله. وبه يعلم خطر المنافقين في هذا الدين وعلى المسلمين. فإذا كان هذا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم مع نزول الوحي ووجوده عليه الصلاة والسلام، واجتماع خير الناس بعده حوله، فكيف بمن دونهم ومن بعدهم، حين ضعف الناس، ولم يكن عندهم ما كان عليه الرعيل الأول؟ فإنه من باب أولى أن يحذر هذا الباب أكثر وأكبر. قال رحمه الله: والقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع، كما ذكرهم بسورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وسورة العنكبوت، والأحزاب. وكان هؤلاء في أهل المدينة والبادية، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:101]، وسبب ذلك هو ما تقدم في كلامه رحمه الله؛ فمنهم من دخل رهبة، ومنهم من دخل رغبة. وليس هذا خاص بأهل المدينة، بل كذلك من حول المدينة من الأعراب الذين دخلوا في الإسلام رهبة ورغبة، وبعضهم دخل كذلك، فأصلحه الله كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وبعضهم بقي على ما هو عليه، ففضحتهم الآيات في سور كثيرة، منها ما أشار إليه رحمه الله في هذه السور. قال رحمه الله تعالى: وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب -يعني من اليهود خاصة-، من اليهود خاصة، فهم أهل الكتاب الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك بعد هذا، حين جاء بعض النصارى، كان كذلك في النصارى. قال: وسورة الفتح، والقتال، والحديد، والمجادلة، والحشر، والمنافقون، بل عامة السور المدنية يذكر فيها المنافقين -يعني الله سبحانه وتعالى-. قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. وقيل لهم: ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْعُوا﴾ الآيات. وقال فيها أيضًا -يعني في سورة آل عمران-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، والمراد بهم الكفار والمنافقين، أي ليس لهم محل استشارة ومحل أمن حتى يكونوا بطانة. قال: إلى قوله: ﴿وَبِطَانَةُ الشَّيْءِ دَاخِلُهُ﴾ مثل بطانة الثوب، وهو ما يلي الجسد من الثوب، يعني لا تقربوهم فيكونوا محل مشورتكم ومرجعيتكم. قال: إلى قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وهذه صفة المنافقين: إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، وهذه كلها صفات المنافقين، إذ إنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا، أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ولهذا يحصل لهم الغيظ، ويكون منهم الفرح بالسيئة والحزن للحسنة. قال: وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، فيه تسلية للمؤمنين، وتربية وتأديب: أن تجاوز شر هؤلاء يكون بهذين الأمرين العظيمين؛ أولهما وأعظمهما هو تقوى الله، إذ من اتقى الله حماه الله وأيده، وثانيهما الصبر. وقدم الصبر على التقوى؛ لأنه هو الذي يحصل به الامتحان أكثر، فكان أهل الإيمان أهل تقوى، ولكن التذكير بالصبر يحتاجون إليه، يستعينون به مع تقواهم، فقدم الصبر على التقوى لهذا المعنى. وقيل غير هذا. قال: وقال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ويريدوا الشيطان ﴿وَيُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وسيأتي معنى إن شاء الله في هذه الآيات أنها نزلت في بعض أهل الكتاب والمنافقين. ومن معنى النفاق النفاق العملي، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه في موضعه، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال: وقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق الآيات. وفي هذه الآيات كذلك ذكر شيء آخر من صفات المنافقين، وما حصل به الامتحان والابتلاء لبعض المؤمنين؛ لأن المنافقين عندهم من المكر والخداع، وما يظهرون من حسن المقال والفعال، ما قد يغرر على بعض المؤمنين لحسن سريرتهم وغلبة صلاح نيتهم، فيحصل بهذا الاغترار. فجاءت هذه الآيات ونظائرها تنبيهًا وتذكيرًا للمؤمنين أن يتفطنوا لهذه الصفات حتى لا يغتروا بالمنافقين. قال: وقال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالله يحكم ﴿إِلَى قَوْلِهِ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إِلَى قَوْلِهِ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُحْتِيَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وفي هذه الآيات إشارة إلى عدد من صفات المنافقين، من أعظمها: أنهم يعرفون بولايتهم للكافرين، فهذه من صفاتهم. فكما قيل: من خفيت بدعته لم تخفى ألفته، فكذلك من خفي نفاقه لم يخف أمر ولايته. فلما كانت ولايتهم للكافرين، وابتغاء العزة منهم، صار ذلك من معالم ودلائل نفاقهم. وفيه كذلك: أنهم كما كانوا كذلك في الدنيا، كذلك يجمعهم الله في الآخرة، والجزاء من جنس العمل، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. وفيه كذلك استواء إرادة الشر من أهل النفاق والكفر بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ﴾، فهو مثل ما سبق في الآيات السابقات وغيرها، ونظائرها كثير. فإنهم يفرحون بالسيئة تصيب المسلمين، ويحزنون للحسنة، ويستاؤون لها إن وصلت إليهم المسلمون. وكذلك من صفات المنافقين الخداع، ولا أدل على ذلك كونهم أظهروا خلاف ما أبطنوا. ومن ذلك ما يظهر من ضعفهم في أداء العبادات. ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهذه من علامات النفاق. وفي قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ إِلَى آخِرِهِ﴾، فيه مصير المنافقين، وأنهم من أشد أهل النار عذابًا، ولهذا كانوا في الدرك الأسفل من النار لعظيم مكرهم، وكذلك فعلهم في الدنيا، والجزاء من جنس العمل. وفي آخر هذه الآيات إشارة إلى أن النفاق كذلك له توبة ووقعت وصحت وصدق صاحبها بها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. وفيه إشارة: أن التوبة الكاملة الصحيحة لا تكون إلا بالإصلاح والاعتصام بالله وإخلاص الدين لله، ففي هذا بيان أن توبة المنافق تكون بهذه الأصول الأربعة، وما يدخل فيها من معاني أخرى؛ توبة صادقة مستوفية لشروطها، وإصلاح أي لما سبق من إفساد، واعتصام بالله -أي وترك كل ما كان بمعنى قولًا وفعلًا- مما ليس فيه اعتصام بالله. ومنهم ولاة الكافرين والمنافقين والفاجرين. وكذلك إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى: بأن يقصد بعمله وجه الله قولًا وفعلًا. قال: وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِلَى قَوْلِهِ وَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾. ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتِ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ إِلَى قَوْلِهِ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. هذه الآيات من سورة المائدة، فيها كذلك ذكر شيء من صفات المنافقين التي فضحهم الله عز وجل بها، وجلّ أمرهم للمؤمنين. فمن صفاتهم: اتخاذ اليهود والنصارى أولياء -اتخاذ اليهود والنصارى أولياء-، أي كما أنهم يوالون المشركين، كذلك يوالون أهل الكتاب، فهذه الموالاة تدل على نفاقهم، تدل على نفاقهم. وهذا النفاق هو في حق أهل النفاق الأكبر -أهل النفاق الأكبر-. ولا مانع أن يقع بعضه من أهل النفاق العملي، فيكون بذلك موافقًا لأهل النفاق الأكبر، فيكون اللوم من جهة الموافقة في هذا العمل الذي لا يستلزم وقوع بعض هذه الموالاة الكفر المخرج من دين الإسلام، كما سيأتي إن شاء الله بيانه. فنادى الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية ألا يفعلوا فعل المنافقين. وهذا يدل: أن بعض المؤمنين قد يقع بفعل المنافقين، فلا يعني ذلك أن يكون كافرًا كفرًا أكبر، ولكن معناه أنه فعل ما لا يجوز فعله مما تحصل فيه الموافقة للمنافقين. كقول النبي صلى الله عليه وسلم في صفات أو ذكر صفات المنافقين: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان. فهذه الصفات الأربع متأصلة في المنافقين، ولا يعني ذلك أنها لا تقع من بعض المسلمين، قد تقع من بعض المسلمين. فإذا وقعت من بعض المسلمين، فهي نقص في الإيمان والإسلام، يقتضي عقوبة وغضبًا من الله سبحانه وتعالى، فيطالب أهلها بالتوبة والإصلاح. ومثله الموالاة -موالاة المسلم للكافر- قد تقع على معنى هي في أصلها من صفات المنافقين، لكن تقع في حق المؤمن على وجه عارض، كوقوع الكذب والخيانة والغدر ونحوها من صفات المنافقين. ولا أدل على ذلك ما صدرت به الآية من النداء بمسمى الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، ولفظ الظالمين يشمل الظلم الأكبر الذي هو كفر، والظلم الأصغر الذي هو ضلال. فننتبه لهذا؛ لأن بعض دعاة التكفير في زماننا استدلوا بمثل هذه العبارات على أن من والى اليهود والنصارى أدنى موالاة فقد ارتد عن دين الإسلام. وأدلة الكتاب والسنة تدل على خلاف هذا، فهناك تفصيل في معنى الموالاة، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. ومما يؤكده قصة حاطب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. وبعدها من آيات فيها كذلك ذكر بعض صفات المنافقين الذين تحصل منهم الموافقة لصفات الكافرين، على ما ذكر في هذه الآيات. والمقام ليس مقام ذكر تفسير لجميع هذه الآيات، فلا يتسع المقام لذلك. ولكن الإشارة إلى أهم ما يمكن الإشارة إليه. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.