الدرس في تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تفسير الآيات التي تصف المنافقين، حيث يشبهون بالخشب المسندة إلى الجدار، مما يدل على خوائهم وجفافهم واعتمادهم على غيرهم. كما يبين أنهم يعيشون في حالة خوف دائم من الفضيحة وكشف نفاقهم.
يشرح المقطع صفات المنافقين وعداوتهم للمؤمنين، ويبين كيف يفشون أسرار المؤمنين للكفار ويزيدون من ضعفهم، ويتضمن أيضًا تحذير الله لهم وإهلاكهم. كما يشير إلى موقف النبي صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ودرء المفسدة الكبرى بالصغرى.
يتناول المقطع تحذير الله تعالى للمنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين حكم الاستغفار للكافرين والمنافقين. يشير إلى أن بعض المنافقين أهلكهم الله في حياة النبي، ويوضح أن مصالحة المنافقين قد تكون أولى من مقاتلتهم إذا كانوا عدوًا مختبئًا.
الآيات العظيمات فضحت المنافقين وما صدر منهم، وقد سبق ذلك في سبب نزول هذه الآيات. الله تعالى أعلم بما في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة، سورة المنافقون التي فضحت المنافقين وما كان عندهم من مكر للإسلام والمسلمين. وهذه الآيات تتبع لما قبلها في ذكر بعض ما وقع من المنافقين، كما مر معنا في سبب نزول هذه السورة في حديث زيد بن أرقم. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ إلى آخره، كما قال المفسر رحمه الله، مفسرًا لجمالها وفصاحتها بالظاهر، فهم باعتناء تام بالمظهر، ولكنهم لا مخبر لهم، يعني باطنهم خاوية. وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خَشَبٌ﴾ يعني ضرب الله عز وجل بهم هذا المثل ليبين تمامًا خواء وجفاء ما في قلوبهم كالخشب. والخشب جمع الخشب، وقرئ بقراءتين كما أشار رحمه الله في التعليق، موضحًا لما جاء في كلام المفسر رحمه الله: «خشب بسكون الشين وخشب بضمها»، فيكون للجنس وللجمع. وأشار في التعليق بالسكون قراءة ابن كثير وأبي عمرو وقنبل، وقرأ بقية السبعة بالضم، ومنها قراءتنا حفص عن عاصم. وقوله رحمه الله: «ممال إلى الجدار» أي قوله سبحانه: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ أي مستندة على الجدار، وتفسيره ببعض الممال على ما تقدم، لأن المقصود أنها مائلة غير مستقيمة، وهي جافة، وهي خاوية، وهي كذلك تستند إلى غيرها. وهذه الصفات الحسية في الخشب كذلك هي في المنافق، فالمنافق جاف مائل يستند إلى غيره، وهو كذلك خاو من الداخل. وفي هذا إشارة إلى أنهم ليسوا وحدهم، بل عندهم من يتعاون معهم وهم اليهود، فإن في المدينة تواطؤ بين المنافقين واليهود. والمعنى أن ما يصدر من المنافقين ينبهكم أن هناك من يساندهم ويعتمدون عليهم وهم اليهود. وجاء هذا في بعض الأحاديث، وفي كذلك بعض أسباب نزول بعض الآيات عن المنافقين، وكما سيأتي معنا إن شاء الله كذلك في الآيات الآتية. وقوله رحمه الله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ﴾ قال: «تصافوا»، والمعنى أنهم عندهم ذعر وعندهم خوف لما في قلوبهم من النفاق، وفي كل لحظة وحين يخافون الفضيحة أن الله يفضحهم ويظهر مكرهم وخداعهم. وقرأ في ﴿يَحْسَبُونَ﴾ قراءتان سبعيتان مشهورتان، فقرأ «يحسبون» بالفتح، وقرأ «يحسبون» بالكسر، وكل القراءتين تدل على هذا المعنى، فهو من التحسب ومن الظن، وكل هذا عندهم لما كان ظاهرهم يخالف باطنهم. وقوله رحمه الله تعالى: «عليهم» قال: «لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم»، وليس هذا في حسب، بل كذلك ما هو دون ذلك من الفضيحة، فهم لا يريدون أن يفضحهم الله فيظهر ما في قلوبهم من المكر والخيانة والكفر. ولهذا علمهم أهل الإسلام في لحن القول كما أخبر الله عز وجل عنهم. وهنا جاءت الوصية للمؤمنين بقوله سبحانه: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أي من هذا صفته، وهم الأعداء الحقيقيون لهم أعداء من الداخل. وقوله: «فإنهم يفشون سرك للكفار»، هذا تفسير بالثمرة، وهو تفسير ببعض المعنى، فكونهم عدو ليس فقط يفشون السر للكفار، بل كذلك يزيدون فيما يكون به إضعاف الجيش، لأنهم كانوا في غزوة من الغزوات كما جاء في حديث زيد بن أرقم. والله عز وجل أخبرنا أنهم على هذا الحال، وهم يزيدون أهل الإيمان الضعف والخور والهوان والتقبيط. وهذه الصفات وغيرها تصدروا من هؤلاء المنافقين، وهذا قليل من كثير من معنى عداوتهم وإرادتهم إيصال السوء بأهل الإيمان. وقوله سبحانه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قال: «أهلكهم»، وهذا دعاء يراد منه الأمر أو خبر يراد منه الإنشاء، والمعنى أن الله عز وجل مهلكهم، وكذلك معنى أن الله عز وجل سيجعل لكم ما يكون سببًا في إهلاكهم، ولكن ليس معناه إباحة دماء المنافقين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الروايات في حديث زيد بن أرقم أشير عليه بأن يقتلهم بعد أن ظهر نفاقهم وبانت خيانتهم، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يقول الناس إن محمدًا يقتل أصحابه». وفي هذا درء المفسدة الكبرى بالصغرى، فالإبقاء على المنافقين مفسدة صغرى أمام أن يشيع بعض المنافقين وغيرهم وهم اليهود بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، فهذه التهمة كفيلة بالتنفير عن دين الله عز وجل. وعدل حصول الأمن والأمان بالدخول في الإسلام، فإن الشائعات لها شأن عظيم في حصول التنفير وغير ذلك. وفي هذا العمل بدرء المفاسد الأكبر فالأكبر، فتدرأ الكبرى بالصغرى. وقوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ قرئت في هذا الموضع بقراءتين سبعيتين مشهورتين، قرئت بالتخفيف «يؤفكون» كقراءة ورش من وافقه، وقرئت «يؤفكون» بالتحقيق، وقرئت كذلك بالوقف كما هي قراءة حمزة. والمعنى أن الله عز وجل كذلك توعدهم بما يكون من إحباط مكرهم، وكذلك حرصهم صرف الناس عن الإيمان والبرهان الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أهلك الله عز وجل بعضهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله رحمه الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ أي معتذرين «يستغفر لكم رسول الله»، لوو، وفي هذا إشارة إلى أن مصالحة المنافقين أولى من مقاتلتهم، لأنهم عدو مختبئ، وربما يكونوا في مقاتلتهم الفتنة. فهذه وصية الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ومع ذلك أظهر الله عز وجل ما صدر منهم من الكبر والخيلاء بالإعراض عن هذه المصالحة. وهذا هو قوله رحمه الله: «معتذرين». وقرئت في قيله قراءتان سبعيتان مشهورتان، قرئت بالتحقيق الظاهر بالياء، وهذه قراءة أكثر السبعة، وقرئت بالإشمام بهشام الكسائي. وكذلك في «لوو» كما أشار فيها قراءتان، بالتخفيف «لوو» وهي قراءة بعض السبعة كما أشار، كذلك في التعليق فهي قراءة نافع وروح، وبالتجديد قرأ البقية، أي بقية السبعة. وقوله رحمه الله تعالى: «سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم» قال: «استغنى بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل»، يعني في قوله «استغفرت»، وهذه مسألة صرفية معروفة إذا اجتمعت همزة الوصل وهمزة الاستفهام. وهذا معناه موجود في قول الله عز وجل: ﴿وَإِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ فلن يغفر الله لهم، ومعناه: وإن استغفرت لهم استغفارًا كثيرًا فلن يغفر الله لهم، لأنهم لا يستحقون الاستغفار لما يبطنون من الكفر. وفي هذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن الاستغفار للكافرين والمنافقين، وفيه كذلك بيان أن الكفر عند هؤلاء المنافقين متأصل، وهذا هو القسم الثاني من النفاق، وهو النفاق الاعتقادي كما تقدم معنا في أوائل هذه السورة. وفي قوله سبحانه: ﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيه تأكيد لما تقدم من أن هؤلاء المنافقين عندهم من التعالي ما منعهم من الاتيان أصلا للمصالحة والاعتذار، ومن كان هذا حاله فإنه لا يستحق أن يستغفر له. وفي هذا كذلك ما تقدم أن المصالحة تكون لمن يصبح معه ذلك، ومن لا يصبح معه ذلك فيترك لأجل أن يعلم الكل أن هذا في نفسه شيء وأنه كذلك لا يستحق المصالحة، فيعامل بمعاملة أخرى تختلف. وفيه أن أهل النفاق ينقسمون إلى أقسام، فمن أهل النفاق من يمكن أن يدار وأن يتقى، ومنهم من يبعد ويحذر، وربما يحذر منه بحسب المصلحة، فالسياق يدل على هذا كما نص عليه غير واحد من أهل العلم بالتفسير وغيره. وخلاصة الأمر، هذه الآيات العظيمات فيها فضح المنافقين وما صدر منهم وما كان منهم، وقد سبق ذلك في سبب نزول هذه الآيات إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.