الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 23، الدرس الثالث والعشرون:من(ولهذا قال الشيخ:ومن أعجب الأشياء خلق مشيئة*بها صار مختار الهدى والضلالة ... بقي العبد على ما اختاره لنفسه من الإقامة على مساخط الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مفهوم المشيئة الإلهية وعلاقتها باختيار العبد، حيث يبين أن العبد يختار أفعاله باختياره ولا يخرج عن مشيئة الله. يفرق بين الأفعال الاختيارية وغير الاختيارية من حيث العقاب والثواب.
يشرح المقطع كيف أن من يستدل بالقدر على فعل المعاصي هو في الحقيقة كاذب في دعواه، وأن التوبة الحقيقية تتطلب إرادة صادقة من العبد لفعل الخير وترك الشر. الاحتجاج بالقدر دليل على كذب هذه الدعوى.
الشريعة تحتوي على الحجة الكافية للباحثين عن الحق، بينما المبطلون يظلمون أنفسهم. وقد انتهى الدرس عند هذا الحد على أمل استكماله لاحقا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في شرح تائية شيخ الإسلام في القدر: قال رحمه الله «فلهذا قال الشيخ: ومن أعجب الأشياء خلق مشيئة لها، صار مختار الهدى والضلالة». فقولك: هل أختار تركا لحكمه؟ فقولك: هل أختار ترك مشيئتي؟ وأختار ألا أختار فعل ضلالة. هكذا بنسخة، وأشار إليها بالشرح. وعلى نسختنا: «وأختار لا أختار». قال: «وأختار لا أختار فعل ضلالة، ولو نلت هذا الترك فزت بتوبتي». أكل النسختين مدلها معنى واحد. قال: «وذا ممكن، لكنه متوقف على ما يشاء الله من ذي المشيئة». قال رحمه الله: يقول الشيخ: إن من أعجب الأشياء أن خلق الله للعبد مشيئة، أن خلق الله للعبد مشيئة يتمكن بها من كل ما يريد، فيختار بها الهدى إن كان من أهل السعادة، ويختار بها الضلالة إن كان من أهل الشقاوة. والعبد هو الذي يفعل ويعمل ويكسب من غير ممانع له عما يريده. وهذا في أدلة كثيرة، كقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وغير ذلك من الأدلة على هذا المعنى. فخلق الله عز وجل للعبد مشيئة يتمكن بها من كل ما يريد، ولكن لكون الرب جل وعلا هو الخالق سبحانه، فمشيئة العبد لا تخرج عن مشيئة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ولا منافات بين هذا الاختيار الذي يكون عليه العبد في مشيئته في كل ما يريد، وبين كون هذا الاختيار المطلق لا يخرج عن مشيئة الله سبحانه. لماذا؟ لأن الله عز وجل الذي خلق الخلق يعلم ما يكون من خلقه سبحانه، فلذلك فهو - وهو العالم بكل شيء - مشيئة العبد لا تخرج عن مشيئة الله. وليس معنى ذلك شيء من الجبر، بل الشرع والعقل والحس والفطرة كل ذلك يدل على أن العبد يفعل باختياره. فليس أحد مننا يفعل فعلا ويرى نفسه أنه مجبور عليه، فأنت ما من فعل تفعله إن شئت أن تتوقف بمشيئتك توقفت، وإن شئت أن تقدم أقدمت، وأنت ترى أنه لا مكره لك على فعله. ولهذا أنت تعاقب أو تثاب على هذا الفعل. أما ما كان من الأفعال لست مختارا فيها، فإنك لا تؤاخذ على هذه الأفعال. فمثلا: الرجل يقتل نفسه أو يقتل غيره، هل فعله سواء كمن يقع عليه شيء بغير إرادته ولا قدرته فيقتله أو يرمى به ويسقط بغير إرادته ومشيئته فيصيب إنسانا آخر فيقتله؟ هل الفعل الأول والثاني سواء؟ الجواب: لا، بينهما فرق. ولهذا فرق الشرع في الأحكام في الدنيا وفي الآخرة. لما كان بينهما فرق في المشيئة والاختيار، فرق ربنا سبحانه وتعالى في شريعته بين الأحكام في الدنيا وفي الآخرة. فهذا الذي قتل نفسه بفعله واختياره أو قتل غيره بفعله واختياره يعاقب على ذلك في الدنيا في شريعة الله وفي الآخرة. وأما من وقع عليه شيء فقتله أو قدر له شيء فوقع على غيره فقتله، فهذا لما كان بغير فعله واختياره لم يؤاخذ لا في الدنيا ولا في الآخرة. ومعنى لم يؤاخذ يعني المؤاخذة التي تقتضي العقوبة. قال رحمه الله تعالى: «فقولك أيها المعترض عليه: هل أختار ترك حكم الله؟ هل أختار ترك حكم الله وقدره؟ مثل قولك: هل أختار ترك مشيئتي؟» يعني هذا الذي يستدل بالمعاصي حين يقول: هل بإمكاني أن أترك حكم الله وقدره علي؟ أي: تقديره ما قدره علي. ويزعم أن حكم الله هو الذي أجبره على فعل المعصية، وأن قدر الله هو الذي ألزمه بفعل المعصية، وهو كاذب في هذا الإدعاء. قال: «قول القائل بهذه المقولة مثل قولي كذلك». القائل: هل أختار ترك مشيئتي؟ وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا. قال الشيخ رحمه الله: يعني «فأنت الذي اخترت أفعال المعاصي». فلو زعمت أنك لا تختار ولا تحب فعل الضلالة والغيب - لو كنت صادقا في أن فعلك للمعصية ليس بحب ولا برغبة، وإنما كما تزعم حكم الله وقدره هو الذي أوقعك فيه - لو كنت صادقا في ذلك، قال: «فأنت بين أمرين: إما أن تكون كاذبا في هذا الإدعاء». قال الشيخ: «وهو الواقع لكل من يعترض على المعاصي بالقدر، وهذا هو فدليل الشرع والحس والفطرة والعقل يؤكد كل واحد منها أن مدعي هذه الدعوة كاذب في دعواه». فما من إنسان بفطرته، فضلا عن عقله، فضلا عن الشرع والحس، يجد أن مدعي ذلك كاذب في هذا الإدعاء بالأدلة الكثيرة. قال: «ولكنه يريد بهذا الكلام دفع الشنعة عليه». يعني أن يشنع عليه أحد فيقول: أنا مقدر علي ذلك، حتى لا ينكر عليه أحد. قال: «وقصده معروف، فهو يعرف من نفسه أنه لا يختار ولا يحب أن يترك ما باشره من الكفر والإجرام». لأنه لو أراد فهو يعلم في قرارة نفسه أنه يستطيع أن يتركه من حينه، لو أراد أن يسلم دخل في الإسلام، ولو أراد أن يتوب من معصيته تاب من معصيته. قال: «فلو فرض وقدر على وجه الإمكان - قد يقول قائل - بعض المعاصي يريد الإنسان أن يتوب ولا يستطيع». الجواب: إن كان معنى الاستطاعة هو العجز الحقيقي، فهذا رفع عنه التكليف، وهذا بنص أهل العلم. مثل مدمن المخدرات الذي صار لا عقل له، يستطيع مثلا به أن يترك هذه المخدرات؟ فهو يأثم على فعله الأول. وأما بعد دخوله في عالم الهديان وفقدان العقل والحس، فهذا رفع عنه التكليف. ومع ذلك كما قال بعض أهل العلم تناله الأحكام لأنه هو المتسبب في ذلك. والله عز وجل أعدل من أن يعاقب من لا عقل له. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاثة، ومنها المجنون والمعتو حتى يفيق. وأما من فعل المعاصي وأدمنها فصار إدمانه لها مانعا له لرغبة وشهوة، فهذا لا عذر له، لأنه بالحقيقة لو قويت عزيمته وصدق مع ربه سبحانه لاستطاع أن يقلع تلك المعاصي بكل إمكان. قال رحمه الله: «فلو فرض وقدر على وجه الإمكان - يعني لو كان ذلك على وجه الفرضية والتقدير، والحقيقة ليس كذلك - فلو فرض، فلو فرض وقدر على وجه الإمكان أنه صادق في قوله: إني أختار ألا أختار فعل الضلالة، وكان ذلك من صميم قلبه صادقا في ذلك - لو كان الأمر كذلك لكان هذا توبة». لأن العبد متى كانت له إرادة مصممة على فعل ما يحبه الله وعلى ترك ما يكره الله، أقبل بهذه الإرادة إلى الخيرات، وانصرف عن السوء والسيئات، وكان توبة له من جميع الموبقات. ولكن من وفق لهذه الحال كان أبعد الناس عن الاحتجاج بالقدر. يعني لو كان صادقا في هذه العزيمة وأراد التوبة وتاب، وكان صادقا في أنه مجبور على ذلك، لما كان يستدل بالقدر. وكونه يستدل بالقدر هذا يدل عظيم الدلالة أنه كاذب في هذه الدعوى. قال رحمه الله: «والوصول إلى هذه الدرجة العالية ممكن في حق كل أحد، ولكنه يتوقف على مشيئة الله وإرادته». ومن لجأ إلى الله وأناب إليه وتضرع له هداه الله، وشاء منه أن يفعل ما يحبه ويرضاه. ومعنى أن ذلك يتوقف على مشيئة الله وإرادته، هذا بعد سعي العبد، كما قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. فتيسير الله عز وجل لهؤلاء لليسرى كان ليس فقط بمشيئة الله وإرادته، بل كان من العبد كذلك فعل، وكان من العبد صدق. فأما من اتقى، فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسن، فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسن، فسنيسره للعسرى. قال رحمه الله تعالى: وأشار الشيخ لهذا الفرق اللطيف بقوله: «على ما يشاء الله من ذي المشيئة». وذي المشيئة هو العبد. وهذا الفرق اللطيف هو أنه إن شاء تعالى أن يعين عبده على فعل ما يحبه ويرضاه، وشاء من عبده ذلك الفعل حصل المطلوب. يعني تجتمع مشيئتان: مشيئة صادقة من العبد، ومشيئة نافذة من الرب. فمشيئة العبد الصادقة إذا وجدت، ووافقت مشيئة الرب النافذة وقع ذاك المعنى. وهذا هو قوله: «وذا ممكن، لكنه متوقف على ما يشاء الله من ذي المشيئة». ما يشاء الله هو مشيئة الله النافذة، من ذي المشيئة هو مشيئة العبد الصادقة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فإن وجدت مشيئة العباد الصادقة وافقت مشيئة الله النافذة، وعند ذلك حصل ما كان عليه حقيقة العبد من صلاح أو فساد. قال رحمه الله تعالى: وهذا الفرق اللطيف هو أنه إن شاء تعالى أن يعين عبده على فعل ما يحبه ويرضاه، وشاء من عبده ذلك الفعل حصل المطلوب، وفاز العبد بكل مرغوب. وإن لم يشأ تعالى إعانة عبده، بل أمره بالخير وأحب منه أن يفعله، ونهاه عن الشر وكرها له فعله، ولكن لم يشأ من نفسه إعانته، بقي العبد على مختاره لنفسه من الإقامة على مصاخط الله. فحقيقة الوقوع في الذنوب والمعاصي إنما هو بما يكون من ترك العبد لنفسه الأمارة بالسوء. وإلا فالله عز وجل قد أقام الحجة على خلقه بإنزال شريعته وإرسال رسله. فإن الشريعة التي أنزلها الله كانت فيها الحجة الكافية الدامغة لكل من أراد الحق. وأما المبطل فهو في الحقيقة ظلم نفسه، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. نكتب بهذا القدر، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.