الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 76، الدرس السادس والسبعون:من( فيه مسائل-الأولى:تفسير آية سورة الكهف ... وفي الصحيح عن أبي هريرة قال:قال رسول الله:تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح ببيان مسائل باب ما جاء في الرياء وتفسير آية الكهف، ويوضح أن الرياء قد يكون شركًا أكبر إذا كان العمل كله لغير الله. يبين أيضًا خطر الرياء على العمل الصالح.
يتناول المقطع مسألة إرادة الدنيا بعمل الآخرة ويبين أنها نوع من الشرك، ويشرح الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، ويوضح أن من يفعل ذلك يحبط عمله في الآخرة.
يشرح كيف يمكن للإنسان أن يقع في الشرك أو الرياء من خلال تعلقه بالدنيا، ويبين أن الإخلاص لله يتطلب عدم جعل الدنيا غاية، وطلبها من الله، وعدم التعلق بها لدرجة التخلف عن الواجبات أو الوقوع في المحرمات.
يشير إلى أهمية الابتعاد عن المحرمات والاشتغال بالواجبات، ويختم بالتأكيد على انتهاء الوقت وعدم وجود المزيد للإفصاح عنه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- في باب ما جاء في الرياء، وأخذنا بعض ما يتعلق بالحديث والآية التي صدر بها المؤلف -رحمه الله- الباب. ثم ذكر -رحمه الله- المسائل، فقال: فيه مسائل. الأولى: تفسير آية الكهف، ومعناه عموم الآية في معنى الشرك، ووقوعه، ودخول الرياء فيه، وسبق معنى أن الرياء قد يكون شركًا أكبر. وقوله: الثاني: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله، معناه ما ذكر في الحديث الأول والثاني، ففيه أن العمل قد يرد إذا دخل فيه شيء لغير الله، ولو كان هذا الشيء يسيرًا. ويتضح هذا أكثر بالحديث الثاني على القول بتصحيحه. وقوله: إذا دخله شيء لغير الله، فكيف إذا كان لغير الله فقط؟ فهذا كما تقدم شرك أكبر. وهذا يتصور في من؟ هيا، أبا بكر، يتصور في من؟ السؤال: الرياء في العمل، أن يدخل في العمل الصالح شيء لغير الله. وهل يتصور أن يكون العمل كله لغير الله؟ تصور؟ فإن كان نعم، فمن من؟ هات مثالًا للرياء. نعم، الصدقة من أجل ثناء الناس. طيب، إذا أصل الصدقة لله، ولكن أراد معها ثناء الناس. نعم، وهل يتصور عمل لغير الله خالص؟ ممكن؟ ممكن؟ ممكن تكون عبادة لغير الله خالصة؟ ها؟ مثال أو من من تصدر؟ الذي يخلط العمل، ها؟ كيف؟ لغير الله. قلنا: لغير الله، لغير الله. فصار شركًا أكبر، ليس شركًا أصغر، شركًا أكبر. الرياء شرك أصغر. ها؟ لغير الله، ما فيه شيء لله؟ عند عباد القبور، دعاة القبور. طيب، ها، عندك يا سامة، في المنافقين. نعم، في المنافقين. لأن عباد القبور إن لم يكونوا منافقين، هم قصدوا بعض العمل لله، لكن ما ينفعهم ذلك. نعم، وشركهم شرك أكبر بأعمالها التي عملوها. لكن نريد رياء يصل إلى الشرك الأكبر. وقوله -رحمه الله-: الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغناء، يعني: السبب الموجب لرد العمل هو كمال غناء سبحانه وتعالى. وهذا ظاهر في حديث أبي هريرة. وكما تقدم: لا يقف الأمر عند رد العمل، بل معه الذنب والعقاب. وقوله: الرابع: أن من الأسباب أنه خير الشركاء، يعني في قوله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك». ومعناه: أنه خير الشركاء بالنسبة لعمل العامل، لا بالنسبة للمقصود والمتوجه له. فليس هناك من يقصد ويتوجه إليه إلا الله سبحانه وتعالى وحده. لكن بالنسبة لعمل العامل، فالله جل وعلا هو خير الشركاء. فالعبد يشرك في كل عمل يعمله ربه سبحانه وتعالى بماذا؟ بالتوجه والقصد والإخلاص والخضوع والذل والمحبة، وغير ذلك من معاني الألوهية لله، والعبودية من العبد. فيحقق معاني الألوهية بقيامه بمقامات العبودية. فهذا هو التشريك المراد به خير الشركاء. فيحصل التشريك بتحقيق مقامات العبودية من العبد بالنسبة له، وذلك بأداء حقوق الألوهية لله جل وعلا. قال: الخامس: خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه من الرياء، يعني في الحديث الأخير، حديث محمود بن لبيد: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟». فعلى تصحيحه، يدل أنه مما يخاف. وعمومات الأدلة تدل على ذلك، حديث أبي هريرة وغيره. وقوله: السادس: أنه فسر ذلك بأن المرأة يصلي لله، لكن يزينها لما يرى من نظر الرجل إليه. ومراده بقوله: أنه فسر ذلك، يعني معنى من معاني الشرك، أن يرد عليه معنى التزيين، تزيين الصلاة. تزيين الصلاة. وأن الرياء قد لا يكون في أصل العمل، ولكنه قد يكون واردًا. ومع ذلك يبطل العمل. وكما تقدم: أن هذا الوارد فصل فيه العلماء. فإن كان واردًا دفع ولم يبق له أثر، فهو من الخواطر التي تجاوز الله عن هذه الأمة، ما دام حديث نفس. وأما إن كانت خواطر استقرت وأتبعت بأعمال حصل فيها تشريك، فما كان من عمل حصل فيه التشريك فهو مردود، وما كان من عمل لم يحصل فيه تشريك فهو مقبول. وأما إذا كانت تزيينًا لله ولأجل التعليم، كما تقدم في مسألة معلم القرآن وتحسين الصوت، فإنما الأعمال بالنيات. قال -رحمه الله تعالى-: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا. أي: بعمله الأخروي الدنيا. قال: وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الآيتين، يعني من سورة هود. قال: وفي الصحيح، عن نبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطى رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش». «لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». قال: فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود. الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة. الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطى رضي، وإن لم يعط سخط. الخامسة: قوله: «تعس وانتكس». السادسة: قوله: «وإذا شيك فلا انتقش». السابعة: أثنى على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. أتبع -رحمه الله تعالى- هذا الباب للباب الذي قبله، ولتعلق البابين بعضهما ببعض، جعل الشارح -رحمه الله- كما سيأتي إن شاء الله شرحهما في موضع واحد. ولهذا أدرج الباب هذا بالذي قبله. فقوله: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، أي: هذا مدخل في معرفة أن من الشرك إرادة الإنسان بعمله الأخروي الدنيا. وقوله: من الشرك، سيأتي معنا إن شاء الله أنه قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر. والأصل في هذا الباب أنه أصغر. وكما نرى في هذه الأبواب، يتعرض المؤلف -رحمه الله- للمسائل التي تنافي كمال التوحيد، وتخدش به، ولكنها لا تنقضه. ولكن كما تقدم: قد يكون في أحوال سببا لنقض التوحيد. ثم ذكر الآيتين من سورة هود، والحديث الذي في الصحيح، حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. ووجه الشاهد من الآية أو الآيتين، قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآية كما نرى في العمل الأخروي يراد به الدنيا. ومن باب أولى أن يتوجه إلى الدنيا ويترك العمل الأخروي. فعندنا الآن في هذا الباب مسألتان: المسألة الأولى: أن يتوجه إلى العمل الأخروي فيتوصل به إلى الدنيا، فلا يراد بالعمل الأخروي نفس العمل، وإنما يراد به الوصول إلى الدنيا، كالعلم لأجل الرئاسة مثلًا، كالعلم لأجل الرئاسة، والقضاء لأجل المال والسلطان، ونحو ذلك من الأعمال التي هي إذا احتسبها صارت أعمالًا أخروية، لكن أراد بها الدنيا. فهذا نوع يدخل في هذا الباب. ومسألة تحتها تفاصيل كثيرة. والمسألة الثانية: أن يتوجه إلى الدنيا على وجه يكون عابدًا لها، فليس هو فقط اتخذ العمل الأخروي للدنيا، بل أهمل العمل الأخروي حتى كأنه عبد الدنيا. وهذا يدل عليه الحديث. فالآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من يقف على كلام المفسرين يجد المعنى المشار إليه، ولكن بتفاصيل وتفاسير هي تفاسير ببعض المعنى، فكلها تندرج تحت هذه المعاني المشار إليها. والمعنى: لا ينبغي لمسلم عرف دين الإسلام وفضل الأعمال الصالحة أن يتخذ الأعمال الصالحة لأجل الحياة الدنيا وزينتها. فمن فعل ذلك، وفي له عمله، وعجل له في الدنيا، ولم يجد من ذلك في الآخرة شيء، كالكفار. ربما عملوا أعمالًا صالحة عجلت لهم حسناتهم في الدنيا. من الكفار من يتصدق، ومن الكفار من يعف، ومن الكفار من كذلك يكفل الأيتام، ويفعل أعمال خير وبر، وهو كافر. لكنه فعل ذلك لم يرد ما عند الله، وجه الله، ليس عنده إخلاص لله، ولا أراد به وجه الله، أراد دنيا. ولو كان لم يرد دنيا لكونه لم يرد وجه الله، عجلت له في دنيا حسنته. وكذلك المسلم إذا لم يتوجه بها إلى الله، وأراد بها الدنيا، أراد بها الدنيا، فإنه كذلك يخسر أجرها، ويرد عمله عليه. وكذلك يلحقه الذنب والعقاب، كما تقدم في الرياء، فهو أعظم من الرياء. وفي الحديث كذلك المعنى المتقدم. ومعنى المتقدم ذكر في الحديث. هذه الخصال من خصال الدنيا التي تعبد، قد يقع فيها معنى التعبد بلسان المقال، أو بلسان الحال، اللفظي أو الفعلي، القولي أو الفعلي. وكذلك ما يوقع في معنى الشرك الأصغر أو الأكبر. فتعس عبد الدينار، يبتل الناس بالدينار، وتعس عبد الدرهم، كذلك بالدرهم. فربما غلا الناس في هذا الباب حتى عبدوا الدينار، وعبدوا الدرهم. وهو وفي هذا إشارة إلى من اتخذ الدينار والدرهم من شدة حبه له كالمعبود. وكذلك الخميصة، قالوا: كناية عن اللباس والمتاع. والخميلة والخميلة، وإن كان بعض أهل العلم نبه أنها ليست في رواية البخاري. وبعضهم قال: لعل المؤلف ذكرها بالمعنى. فشيخ الإسلام ابن تيمية يذكر هذا الحديث كثيرًا في مواضع من كتبه، ويذكر لفظ الخميلة، فلعله رواها بالمعنى. فهي بمعنى القطيفة. والخميصة والخميلة التي جاءت بها الروايات، فالخميصة لباس يلبسه الأشراف، كساء رقيق يصبغ، وقد يبسط فيجلس عليه أو يصلى عليه. ومنه حديث: «اذهبوا بخميصة هذه إلى أبي جهم». والخميلة كساء لين، قد يكون له شعر وأهداب، وقد يكون من الصوف أو كذلك من المخمل الناعم، فهو كناية عن الفراش الوثير. ولهذا يتخذ للنوم غالبًا. حتى قال بعض أهل العلم: كناية لمن أخذته دعة الدنيا وراحتها، فهو عبد الراحة من النوم أو النساء أو غير ذلك مما يدل عليه الفراش الوثير. فهو كناية عن الفراش الوثير. والخميصة والخميلة كل منهما يدخل في معنى القطيفة. وليس المقصود الحصر، ولكن المقصود التنبيه بهذا المذكور عن غيره، فيلحق به كل ما يتعلق به الإنسان، كل ما يتعلق به الإنسان، كل ما يتعلق به الإنسان، ولو كان في غير هذه المذكورات. والمقصود ها هنا أن ينبه المؤلف -رحمه الله- بهذا الحديث وما سيأتي إن شاء الله فيه من مسائل، أن المسلم ينبغي عليه أن يخلص لله سبحانه وتعالى حتى فيما يعطيه الله عز وجل من الدنيا، فإنه يوجهها بالتوجيه الشرعي الصحيح. فمن إخلاصه لله جل وعلا أن ينتبه حتى لا يكون لها عبدًا من أمور ثلاثة: أولها أن يعلم أنها وسيلة لا غاية، فلا يجعلها غاية. الدنيا أعطيها هذا الإنسان ليتخذها وسيلة يستعين بها إلى ما أمر به من عبادة الله جل وعلا وتوحيده، فليست هي غاية، بل هي وسيلة. فمن اتخذها غاية جعلها معبودًا. جعلها معبودًا له. من جعل الدينار والدرهم غاية يعيش لأجل الدينار والدرهم، ويتعب ويكد لأجل الدينار والدرهم على حساب العبادات والطاعات والتوحيد وصلاح النفس والأهل والأبناء، اتخذ الدينار والدرهم معبودًا. وهكذا كذلك من اتخذ الراحة والدعة وكل ما فيه شرف من منصب أو ملبس أو مركب أو كذلك ما فيه معنى الراحة والدعة من فراش وثير أو التمتع بمتاع الدنيا وشهواتها من النساء وغير ذلك، جعل ذلك غاية، فهو جعل ذلك معبودًا له. والأمر الثاني: أن يطلبه من الله لا من غيره، يطلب هذه التي هي من نعم الله من الله، لا يطلبها من غير الله. فإذا طلبها من غير الله، فهو كذلك قد وقع عنده شيء من الشرك. وهذا الطلب كما سيأتي إن شاء الله قد يكون على وجه الشرك الأصغر، وقد يكون على وجه الشرك الأكبر. والثالث: ألا يتعلق قلبه بها، فيوصله هذا التعلق الوقوع في الحرام أو التخلف عن الواجب، بل حتى مزاحمة المحبوب. ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله. فلا ينبغي أن تزاحمك الدنيا على محاب الرب سبحانه وتعالى. ومن باب أولى إذا كان في حرام أو في واجب. طيب، نقف إلى هنا لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم.