الدرس في من صور الرشوة، الجمعة 13 جمادى الأول 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل التحذير من أكل أموال الناس بالباطل والرشوة، ويشرح مفهومها وأنواعها وعواقبها. كما يحذر من أخذ المال على الناس بعد أخذ الأجر الرسمي.
ينبه هذا الفصل على خطورة أخذ الأموال العامة أو الخاصة بغير إذن أو طيب نفس، ويحذر من أن ذلك يعتبر من أكل أموال الناس بالباطل.
يتضمن هذا الفصل دعاءً لله تعالى بأن يري الداعي الحق والباطل ويوفقه لاتباع الحق واجتناب الباطل، ويشكر الله على نعمه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، يحذرنا ربنا جل وعلا أن نأكل أموال بعضنا بعضًا بالباطل، فإن ذلك مما يوجب غضب الله جل وعلا وعذابه في الدنيا والآخرة. فإن الله جل وعلا يحذرنا أن نأكل أموال بعضنا بعضًا بالباطل، وكم قد جاءت الأدلة الكثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في التحذير من ذلك، ومن صورٍ شتى تدخل في معنى هذا النهي العظيم عن الله جل وعلا. ومن هذه الصور التي فيها أكل أموال الناس بالباطل الرشوة التي لُعِنَ آخذها ومعطيها والوسيط بينهما، فعند أبي داود والترمذي بإسنادٍ حسن عن عبد الله بن عمرٍ رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعن الراشي والمرتشي». وبحديث بوريرة رضي الله عنه فيما رواه الترمذي وأحمد بإسنادٍ صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعن الراشي والمرتشي في الحكم»، وفي روايةٍ: «لعنة الله على الراشي والمرتشي»، وفي روايةٍ: «الراشي والمرتشي في النار». والرشوة، عباد الله، هو كل مالٍ مبذول لإبطال حق أو لإحقاق باطل، كل مال مبذول لإحقاق باطل أو إبطال حق، فما بُذِلَ من مال بهذا المعنى وأُخِذَ من الناس عن غير طيب نفس فهو سحت يأكله صاحبه سحتًا، وهو نار من نار جهنم يتقدمه في الدنيا. فعند أبي داود بإسناد صحيح عن حنيفة الرقاشي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». فلا يحل لك يا عبد الله من مال أخيك المسلم، بل وكذلك من أموال الذمي والمعاهد والمستأمن، فكل هؤلاء أموالهم ودماؤهم محترمة في دين الإسلام، لا يحل لك أن تنتهكها وأن تأخذ منها شيئًا بغير حله. والله جل وعلا مع هذا يحذرنا من الخيانة في الأمانات، وأي خيانة أعظم من الخيانة في هذا الباب؟ وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فإن كل أمانة صغيرة أو كبيرة الله سائلك عنها يوم القيامة. فاحذر من الخيانة فيها، فإنها ليست خيانة للناس فحسب، بل هي خيانة لله وللرسول، يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالخيانة في الأمانات، عباد الله، خيانة لدينك ولنفسك ولمن هي له هذه الأمانة، بل هي خيانة لله وخيانة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاحذر يا عبد الله من الخيانة صغيرة كانت أو كبيرة. وإن من صور الرشوة المحرمة وله صور كثيرة، إن من صوره، عباد الله، أن يأخذ العبد مالًا على الناس فيما قد وظف فيه وقد أُعطِيَ فيه أجرة، فما أُخِذَ على الناس بعد أجرته فهو من الرشوة، وهو من أكل أموال الناس بالباطل. ففي السنن بإسناد صحيح عن بريدة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استعملناه على عمل فجعلنا له أجرة أو قال: أعطيناه على ذلك عطاء فأخذ بعد ذلك فإنما أخذه غلول». أي: من كانت صغيرة أو كبيرة، فأعطي عليه أجرة، ثم صار يأخذ على الناس مالًا بعد ذلك، فإن الذي يأخذه هو من الغلول الذي لُعِنَ صاحبه ببعض الأدلة، والذي هو من أعظم الكبائر، والذي هو من أعظم أكل أموال الناس بالباطل. والله جل وعلا نزَّه نبيه عليه الصلاة والسلام من ذلك، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. إن من غل شيئًا صغيرًا أو كبيرًا يأتي به يوم القيامة، وقد طُوِّقَ في عنقه، ويُعذَّب به، ليس هذا فحسب، بل إنه يُعذَّب في قبره. فصح أن رجلًا قاتل مع الصحابة رضي الله عنهم قتالًا وأحسن بلاءه، ثم توفي، فقالوا: هنيئًا له الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، وما أدراكم؟ لعل تلك الشملة التي غلها لتجتث على قبره نارًا». رجل جاهد في سبيل الله وكان معدودًا من الصحابة ومن المجاهدين في سبيل الله، ثم لما غل شملة واحدة -شملة حسبها أن تكون اليوم ببضعة مئات- ومع ذلك أبطلت عليه جهاده، وصارت تحترق عليه نارًا في قبره. فاحذر يا عبد الله، احذر يا عبد الله من الغلول، وأن تُعدَّ من هؤلاء الذين يعذبهم الله بالدنيا والآخرة. وتصور مع هذا الوعيد الشديد حال الكثيرين من المتساهلين الذين يأكلون أموال الناس بمسميات مختلفة، وهم يأخذون أجورًا تُدفع لهم على أعمالهم ووظائفهم، ربما ماطلوا بعض المعاملات وتأخروا وأخروا لأجل أن يُدفع لهم مال ويُبذل لهم شيء، فعند ذلك يؤدون تلك الأعمال. وهكذا بعضهم ربما يترصد لك في الطرقات أو يستوقفك، وهو لا يريد إلا أكل أموال الناس بالباطل بتلك الرتب التي عنده، وذاك الملبس الذي يلبسه، وتلك الوظيفة التي توظفها، فصارت الوظائف والرتب والزي الرسمي صارت سببًا للتعيش بأكل أموال الناس بالباطل. ولا يدري هؤلاء أنهم يأكلون من نار جهنم، وأنها تهوي بهم في النار أكثر من خمسمائة عام. و«صح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ولي على عشرة فما فوقهم، إذا كان يوم القيامة أُتي به ويداه مغلولتان إلى عنقه، فإن هو عدل ولم يحف -قال: ولم يجر- يعني لم يكن فيه جور ولا حيف عن الحق، قال: فُكَّت يداه، وإن كان غير ذلك فارتشى أو حاف أو جار، فإنه يكب في النار أبعد من خمسمائة عام -أو كما قال صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم-». فاحذر يا عبد الله أن تكون من هؤلاء الذين يكبون إلى نار جهنم، بل إلى قعرها الأدنى، حيث يكون في أسفل سافلين، والعياذ بالله. وهكذا كذلك، عباد الله، من صور الرشوة -وكل صورها من المحرمات- من صورها كذلك أن يشفع المرء شفاعة أو أنه يدفع عن مسلم مظلمة، ثم يأخذ عليها هدية، فإن ذلك من معاني الرشوة التي جاء ذكرها في النصوص الشرعية، وذكرها العلماء. فعند أحمد وأبي داود بإسناد حسن عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شفع لأخيه شفاعة ثم أُهدي له هدية فأخذها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا». وسئل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه عن السُّحب، فقال: «ذلك الرجل يشفع شفاعة أو يدفع عن أخيه مظلمة، ثم يعطى في ذلك قليلًا أو كثيرًا، فيأخذه، فذلك هو السُّحب». فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، إن كنا نظن أن السُّحب هو أخذ الرشوة في الحكم. قال: «ذاك أكبر، ذاك هو الكفر، ألم تسمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾». قال: أعادنا الله من ذلك، أعادنا الله من ذلك. فمن شفع لأخيه شفاعة أو دفع عن أخيه مظلمة، فأخذ منه مالًا قليلًا أو كثيرًا، أو رضي منه بهدية، كان ذلك من معنى الربا المحرم الذي يلعن صاحبه به، كما نص على ذلك أهل العلم. وهكذا إذا كان ذلك في تغيير حكم الله وتبديل شرع الله، فإن ذلك أعظم وأعظم، فهو مع كونه سحتًا، وهو كذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وهو مما يستحق به اللعن، وهو مع ذلك كفر سماه ربنا جل وعلا كفرًا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. ومن هؤلاء المفتي يفتي بالفتوى، يحرفها عن وجهها، يطمع بشيء من الدنيا، أو يدفع عن نفسه شيئًا من مضرة ونقص الدنيا، فإن مثل هذا كمثل من سُمي من علماء اليهود والنصارى الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، والذين اتخذوا من دون الله أربابًا. فإنهم يغيرون ويبدلون حكم الله، قال الله جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. لما سمع ذلك عدي بن حاتم -وكان نصرانيًا وأسلم- قال: يا رسول الله، أما إنا ما كنا نعبدهم. قال: «أما كانوا يحرمون عليكم الحلال فتحرمونه، ويحلون لكم الحرام فتحلونه؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «فذلك عبادتكم إياهم، فذلك عبادتكم إياهم». وهكذا كذلك، عباد الله، إن ذلك يجري على خمسة أصناف من الناس: يكون في ألسنتهم، وفي جوارحهم، حكم الله يجري على القاضي حيث يقضي بحكم الله، فإن هو غيَّر وبدل، كان من أهل النار. وكان يدخل بمعنى هؤلاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة، فأما القاضي الذي في الجنة فهو الذي علم الحق فقضى به، فهو في الجنة، وأما اللذان في النار: فأحدهما قضى بغير علم، فهو في النار ولو أصاب الحق، وأما الثاني فهو يقضي بغير الحق مع علمه به، فهو في النار». وهكذا كذلك المفتي، مما يجري عليه حكم الله، فالحذر الحذر من أن يفتي المفتي بهوى وشهوة، وغير ذلك من مطامع الدنيا الدنيئة. وهكذا كذلك مما يجري عليه حكم الله: الراوي يروي الحديث، والكاتب يكتبه، والناقل ينقله، فإن هو غيَّر وبدل، فإنه في النار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين». وقال عليه الصلاة والسلام: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار». وهكذا يجري كذلك على لسان الشاهد، فالشاهد إذا شهد بغير الحق، فإنه قد قال كلمة الزور التي تهوي به في نار جهنم، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها حتى رددها، قال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» -كررها عليه الصلاة والسلام- حتى قال الصحابة: شفقة عليه ليته سكت، لكثرة ما ردد وردد عليه الصلاة والسلام، لتأكيد الوعيد الشديد والعذاب الأليم الذي يكون لأمثال هؤلاء. ومن صور الرشوة، عباد الله، ومن صور الرشوة كذلك، عباد الله، أن يولى الرجل على عمل من الأعمال، فيكون بعد ذلك -بعد هذا العمل- يأخذ الهدية، ويقول: هذا لي. أو أعظم من هذا: أن يأخذ من نفس المال، أو أن يأخذ من نفس المال متأولًا ومستحسنًا، ويجعل لنفسه إلى ذلك سبيلًا. ففي الصحيحين عنه، عن أبي حميد الساعد رضي الله تعالى عنه أن رجلًا يقال له: ابن اللتبية، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليجمع الصدقة، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذا لكم، وهذا أهدي لي». فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقام في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: «ما بال أقوام نبعثهم يجمعون الصدقة، ثم يقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي؟ ألا قعد في بيت أبيه أو أمه، فلتأتِه هديته إلى بيته؟ ألا قعد في بيت أبيه وأمه، فلتأتِه هديته إلى بيته؟». ثم ذكر الوعيد الشديد فيمن يأخذ مثل هذا المال بغير حق، فإنه يأتي يوم القيامة، وما أخذ عليه نار، إن أخذ بعيرًا أو أخذ بقرة أو أخذ شاة أو غير ذلك، فإنه نار يتلظى عليه في نار جهنم. فاحذر أخي المسلم أن توظف في وظيفة، ثم تُعطى هدية فتظن أنها تحل لك، وهي لا تحل لك؛ لأنك إنما أعطيتها لأجل هذه الوظيفة التي أنت فيها، فإن كنت في غير هذه الوظيفة لم تكن تأتيك هديتك هذه؛ لأن هذا إنما يُرطى لمعنى من المعاني الذي يُقصد به تقريبك إلى من يتعامل معك. فلذلك لا يجوز لمسلم كانت له وظيفة أن يأخذ هدية وهو في وظيفته ذلك؛ لأن ذلك يضعف القلب ويلين الجانب، فيكون بعد ذلك المحاباة وغير ذلك. وهكذا أعظم من هذا، أعظم من هذا، عباد الله، أن تأكل من نفس المال الذي لا يحل لك متأولًا ومجتهدًا، وأنت تعلم أنه لو استأذنت لقيل لك: إنه لا بد من استئذان. كمن يولى شيئًا من الأموال العامة أو الأموال الخاصة، وأعظم من ذلك أن تكون في أبواب الخير كالصدقات، ومواضع الخير كالجمعيات وغيرها، أو دور القرآن أو مدارس التحفيظ وغيرها. فما كان من مال يأتي إليك، وهو صدقة، وأن تتعلم أنك إنما رسول توصله لموضعه ولأمانته، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا إلا بإذنه. فإذا كان مال المسلم لا يحل إلا عن طيب نفس، وما كان عن استئذان، فكيف بالأموال العامة؟ فهو أشد وأشد يا عبد الله، فهو أشد وأشد. وإنه له من الوعيد ما سمعت، وهل لا تفكر أمثال هؤلاء أن قعدوا في بيوت آبائهم وأمهاتهم، فتأتيهم أموال إلى بيوتهم؟ والله لا تأتيهم، وإنما أتتهم لكونهم واجهة في موضع من المواضع أو مكان من الأماكن. فعند ذلك يأتي الشيطان ويحل لهم ما حرم الله، فالحذر الحذر، عباد الله. وإن من صور الرشوة كذلك، عباد الله، قبول الهدية من صاحب الدين، بوّب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: «باب من أهدي له هدية فلم يقبلها لعله»، ثم ذكر أثر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: «كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، وأما هي في زماننا فهي رشوة -أو قال: ربا- رحمه الله تعالى». وهكذا كذلك روي عن أبي بردة أنه كان ذاهبًا إلى أرض فلقيه عبد الله بن سلام، فقال: «أين تذهب؟» قال: «أرض الهلالية». قال: «إذا ذهبت إلى هناك فاحذر أن تقبل من أحد هدية؛ فإنهم قوم انتشر عندهم الربا». فإن كان لك دين يا عبد الله عند إنسان، فلا تقبل منه هدية؛ فهديته تلك هي بمثابة المراضاة لتأجيل ذلك الدين. وقد جاء عن سلفنا وفي عموم نصوص الشريعة ما يدل على تحريم ذلك. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يبقينا بأمور ديننا، وأن يرزقنا الحق حقًا وأن يرزقنا اتباعه، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، اعلموا عباد الله أن هذا الباب باب عظيم، قل أن يسلم منه مسلم، لو تأمل في كثير من معاملاته وكثير من تصرفاته. فرب إنسان، عباد الله، يأخذ شيئًا بغير استئذان، فيكون داخلًا في معنى هذا الوعيد الشديد، إما أن يأخذ شيئًا صغيرًا أو كبيرًا، ما أخذت من ذلك بغير استئذان فهو من أكل أموال الناس بالباطل. وليس أكل المال يا عبد الله يقتصر ما يدخل إلى البطن، فإن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، فربما أخذت شيئًا تتبرد به كمروحة أو مكيف، أو أخذت شيئًا تكتب به كقلم أو ورق، أو أخذت شيئًا تنتعل به كسجادة أو نعل أو غير ذلك. فكل شيء لا يحل لك صغيرًا كان أو كبيرًا، أخذته بغير حله وبغير إذنه، فهو من أكل أموال الناس بالباطل. فتأمل نفسك يا عبد الله، كم أخذت من أشياء بغير حلها وبغير إذنها؟ وأنت تتأول، والتأويلات والمعاذير لا تعد مخرجة لك من عذاب الله وصخته، مع علمك أنك أخذتها بغير إذنها وبغير حلها وبغير علم المسؤولين عنك بها. ومن ذلك أن تتأول فتصرف لمن تشاء ما تشاء من المبالغ المالية أو الرواتب الشهرية أو المكافآت الموسمية أو غير ذلك، فهذا تعطيه رخصة أيامًا، وهذا تزيد له في راتبه زيادة، وهذا تعطيه مكافأة، وهذا تعطيه هدية، وهذا تصرف له منحة، وهذا تزيد له بدل وقود سيارات أو غير ذلك. مما يتعامل به بعض المسؤولين وممن أمنهم الله أمانات تحت أيديهم من أموال قليلة أو كثيرة، فكل ذلك، عباد الله، من أكل الأموال بالباطل؛ فإنه لا يجوز لك أن تتصرف فيما تحت يدك إلا فيما أذن لك. ولا يقولن قائل: إني مسؤول عن ذلك وأعطيت لي لأتصرف بما شئت، من أين ذلك؟ تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا قعد أحدكم في بيت أبيه وأمه، ثم لتأت هديته إلى بيته؟». تأمل هذا وتذكره واتعظ به، بل إن الشرع دل على أن بعض المال يدفع بما ظاهره الإذن، وليس فيه طيب نفس، ظاهره الإذن: إذن بالعطاء، وإذن بكلام اللسان، ومع ذلك لما كان قد أُخِذَ بغير طيب نفس، فهو ظلم وسحت ونار يأخذه صاحبه. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر وحديث أبي رزين، وصححه العلامة الألباني بصحيح الجامع رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعطي الرجل العطاء وهو ظلم وسحت يأكله نارًا -أو يذهب به نارًا-». فقال عمر رضي الله عنه: «يا رسول الله، كيف تعطيه وهي عليه نارًا؟» -يعني كأنه يقول: إذا كان كذلك فلا تعطه يا رسول الله- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم يسألونني ويأبى الله لي البخل، فأعطيهم، فتكون لهم نارًا وتكون لهم سحتًا -أو كما قال عليه الصلاة والسلام-». فأنت احذر يا عبد الله أن تسأل مسألة من إنسان أو مسؤول أو غيره، فيُعطيك العطاء وأنت تعلم أنه لا يرضى أن يُعطيك هذا العطاء، فلا تظنن أنه إذ كتب لك أو أذن لك بلسانه فإنه عند ذلك طابت لك؛ لأنه لا يحل لك إلا ما خرج عن طيب نفس. لا يحل لك إلا ما خرج عن طيب نفس، تأمل هذا جيدًا أخي المسلم، ثم تأمل معه كم من الأموال تُؤخذ من الناس بغير طيب نفس، وهي يذهب بها أصحابها نارًا تتلظى لهم، كما جاء في بعض الروايات: «يأخذها نارًا يتلظاها، يأخذها نارًا يتلظاها». تأمل هذا يا عبد الله، وتأمل إلى أحوال الكثيرين الذين يتأولون في الأموال العامة والأموال الخاصة ما لا يجوز لهم. ولو تأملت وتدبرت أحوال الكثير من الناس الذين يأخذون من الأموال العامة الشيء الكثير، فتعلم بهذا صدق ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم، حين يقول ربنا جل وعلا يوم القيامة لآدم عليه الصلاة والسلام: «أخرج من ذريتك بعث النار». فيقول آدم: «وما بعث النار يا رب؟» فيقال له: «أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». فهؤلاء الذين يخرجون كلهم في نار جهنم، ولا ينجو من كل ألف إلا واحد، نسأل الله السلامة والعافية. نسأل الله السلامة والعافية، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم اجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.