من مراتب المكلفين

الخطبة بعنوان من مراتب المكلفين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 محرم 1440هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفاوت الناس في الإيمان والإسلام

الناس متفاوتون في نعمة الإيمان والإسلام بحسب استمساكهم بالهدى والحق. الله سبحانه وتعالى يقسم الناس إلى درجات بحسب اتباعهم لشرعه.

مراتب الناس في مواجهة الفتن

يتحدث عن مراتب الناس في مواجهة الفتن ومتابعة الأنبياء، حيث أعلى المراتب هي مرتبة الأنبياء والمرسلين. يليهم أتباعهم الذين اجتهدوا في متابعة ما جاء به الأنبياء.

أهمية اتباع دين الإسلام

يجب على المؤمن أن يحرص على اتباع دين محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يزن الأمور بميزان الشرع. يجب عليه أن يتبع منهاج الإسلام في كل نواحي الحياة.

الدعاء للمسلمين بالطاعة والرحمة

يتضمن دعاء للمسلمين بالطاعة والرحمة في الدنيا والآخرة. يختم بالتقرب إلى الله بقول آمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنعمٍ كثيرةٍ لا تعد ولا تحصى، وخصَّنا سبحانه وتعالى بأعظم ما أنعم به على عباده وخلقه، ألا وهو ما أنعم به من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به على عباده وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. واعلموا عباد الله أن ما أنعم الله عز وجل به على خلقه من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام هو درجات. فالناس فيه درجات ودركات بحسب استمساكهم بالهدى والحق الذي بعث الله عز وجل به نبيه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. ومع ذلك فالناس عباد الله في هذا الحق والهدى درجاتٌ في الدنيا ودرجاتٌ في الآخرة، ودركاتٌ في الدنيا ودركاتٌ في الآخرة. فمن وفقه الله للأخذ بهذا الدين على أكمل وجوهه وأعلى درجاته كان من أهل الدرجات العالية في الدنيا، وكذلك بإذن الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة هو من أهل الدرجات العالية. قال الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. فمن أحسن لنفسه باستمساكه بشرع الله وطاعته لله ورسوله واتباعه لأوامره واجتنابه لنواهيه سبحانه وتعالى، فقد أحسن لنفسه وعلى نفسه في هذه الدنيا، وكذلك بإذن الله سبحانه وتعالى يكون له الإحسان في الآخرة. ومن فرط أو قصر أو أعرض وتجبر، فإنه يكون له من حظٍ ونصيب بقدر ما كان عليه من حظٍ ونصيب من تقصيره وتفريطه، ومن إعراضه وتجبره، جزاءً سواءً. وما ربك بظلامٍ للعبيد. وقد قسم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى المكلفين إلى ثمانية عشر قسماً ودرجةً، فهم درجاتٌ بحسب ما هم عليه في دين الله جل وعلا وشرعه. والله جل وعلا يقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. سبحان الله وتعالى عما يشركون. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. جعل لك يا أيها العبد مشيئةً، وهو سبحانه وتعالى بسابق علمه وواسع عظمته وقدرته وإحاطته، لا تخرج مشيئتك عن مشيئة الله سبحانه وتعالى. فإذا سعيت في الخير وفقك الله له ويسر لك أبوابه، وإذا أعرضت عن الخير وقبلت على غيره حرمك الله سبحانه وتعالى ما كنت فيه من ذلكم الخير جزاءً وفاقاً. ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب واستعتب سُقِلت تلك النُكتة، وإن لم يكن اجتمعت تلك النُكت حتى صارت القلوب على قلبين. كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام كذلك في حديث آخر في الصحيح مسلم: «أن الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيُّما قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّما قلبٍ أنكرها كان أبيضًا حتى صارت القلوب على قلبين: أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يُنكر منكراً ولا يعره معروفًا إلا ما أُشرب من هواه، وآخر أبيض كالصفى لا تضرُّه معصي ما دامت السماوات والأرض». ذلك يجلُّك يا عبد الله أنك متمعتنيت بنفسك وحاذرت أن تقتحم الحما. حماك الله بما حرِست، ووفقك الله بما اجتهدت. ومتى ما تساهلت وأصَّرت وفرَّدت، وكلك الله عز وجل لنفسك الضعيفة، فعند ذلك لا تسأل عن الفتن التي تأتيك والشرَّ الذي يجتمع عليك في هذه الدنيا فضلاً عما ينتظرك في الدار الآخرة جزاءً وفاقًا. وما ربُّك بظلامٍ للعبيد. أعلى هذه المراتب والدرجات مرذبة الأنبياء والمرسلين الذين وفَّقهم الله واصطفاهم الله بشرعه ودينه، فهم يرون هذا الدين ويرون الدنيا والآخرة رأي العين. فعند ذلك عرَه عظمة الرب سبحانه وتعالى، فعبدوه حُسن عبادته واجتهدوا في طاعته على أكمل الوجوه وأرفعها، لما علموا علم اليقين من عظمة هذا الدين وعظمة رب العالمين. فعند ذلك كانوا أهل المرتبة الأولى، وهم مع ذلك يتفاوتون فضلٌ من الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ففضل الله عز وجل الرسل بعضهم على بعض، وفضل الأنبياء بعضهم على بعض. ثم بعدهم مرتبة ومراتب هم أتباع هؤلاء الأنبياء الذين اجتهدوا بما علموا وما وفقهم الله عز وجل من العلم على متابعة ما جاء به الأنبياء والمرسلين. وما علموه من دين رب العالمين. وعند ذلك يصح فيهم قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فهم رابقوا الأنبياء إما بأجسادهم وأرواحهم وقلوبهم في نصرة الحق الذي جاءوا به، وإما بنصرة الدين والحق الذي بعثوا به، ولو لم يصاحبوا زمانهم، ولو لم يصاحبوا أجسادهم، لكنهم بما علموا من الحق والهدى الذي بعثوا به، فهم ينصرون دين الله، وهم يجتهدون على أن يكونوا هم الذين يرفعون راية الله، أن تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلة. وعند ذلك هم في جهاد مستمر مع أنفسهم ومع أعدائهم من شياطين الجن والإنس، أعداء الله وأعداء دين الله وأعداء الأنبياء والرسل وأعداء أهل الحق. فعند ذلك يرفعهم الله جل وعلا الدرجات العلا بما كان من صدق تمسكهم وتدينهم، متابعتهم وطاعتهم لله سبحانه وتعالى. ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ومع ذلك فهم درجات، منهم من يصل إلى درجات الأنبياء وإن لم يكن نبيا، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومنهم من يبلغ مرتبة الصديقين، ومنهم من يصل إلى مرتبة الشهداء، ومنهم من يصل إلى مرتبة الصالحين، وحسن أي أولئك جميعا رفيقا للأنبياء والمرسلين. لما كان من طاعتهم لله رب العالمين ومتابعتهم لطريق الأنبياء والمرسلين، فكان من الله سبحانه وتعالى هذا الإحسان وهذا الجزاء العظيم. وكذلك يجعل لهم سبحانه وتعالى في الدار الآخرة، يكرمهم في هذه الدنيا بيعانته ونصره وتأييده، والحياة الطيبة التي علمها الله سبحانه وتعالى لهم. وكذلك في الدار الآخرة كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هؤلاء الذين فرقوا بين الحق والباطل، وبين الصواب من الخطأ، وبين الهدى من الضلال، وبين طريق الاستقامة من طريق العجاج. عند ذلك آثروا رضى الله على رضى الخلق، وآثروا متابعة الأنبياء والمرسلين على متابعة غيرهم، ولو كانوا في الدرجات الدنيا في الدنيا. لأنهم علموا أن الحياة الحقيقية هي برضى رب العالمين ومتابعة طريق المرسلين، ولزوم الصراط المستقيم حتى يأتيهم اليقين. فعند ذلك يكون بإذن الله سبحانه وتعالى في صحبة المرسلين والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين الذين أخبر الله عز وجل عنهم في كتابه الكريم. وعلموا أن هذه الدنيا دار ممر كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما له للدنيا، إنما أنا كرجل استضل تحت شجرة ثم تركها». وكما قال عليه الصلاة والسلام: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وهكذا هو حال المؤمن الذي علم بيقين ما عند الله سبحانه وتعالى. لا تزنوا الدنيا عنده جناح بعوضة كما أخبره الله سبحانه وتعالى، لأنه علم أنها دار ممر لا دار مستقر. فعند ذلك ما أصابه من بلاء وما أصابه من شدة وما أصابه من امتحان يصبر، لأنه يعلم أن العاقبة للتقوى، لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى إما يكفر عنه سيئات أو يرفعه بها درجة. أو كذلك يمتحنه ليذبته ويذبت به، ويمتحنه ويمتحن به بما تكون به العاقبة الحسنة في الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل السراط المستقيم والدين القويم والمتابعين للنبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم حتى يتوفانا رب العالمين. اللهم آمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، بعد إذ علمنا ما علمنا، فلنعلم أن أعظم ما يجب أن يحرص عليه المؤمن هو حرصه على متابعة ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، من ختم الله عز وجل به الرسالات وأتم به الديانات. كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فالدين دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختم به الديانات، دين الإسلام عقيدةً وعبادةً ومعاملةً وأخلاقًا وسلوكًا ومنهاجًا. وعند ذلك كل ما يرد علينا بهذه الدنيا فإنه نزنه بهذا الميزان العظيم، ميزان دين محمد صلى الله عليه وسلم، دين الإسلام الذي ختم الله عز وجل به الديانات. ولا يقبل من أحد دين سواه كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. لا يقبل من المشركين شركهم، ولا من الكافرين كفرهم، ولا من المنافقين نفاقهم، ولا من الفاجرين والعصاة معصيتهم وفجورهم، ولا من المبتدعين ولا المخذلين ولا المتلونين، فدعتهم وخذلانهم وتلونهم، بل صراطًا مستقيماً على دين قويم يتمسك به حتى يتوفاه الله سبحانه وتعالى. بقولي كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فالعقيدة عقيدة الإسلام والسنة، والعبادة عبادة الإسلام والسنة، والمعاملة معاملة الإسلام والسنة، والأخلاق أخلاق الإسلام والسنة، وهكذا المنهاج منهاج الإسلام والسنة. لا شرقية ولا غربية، لا حزبية ولا بدعية، لا طائفية ولا عنصرية، لا شيئاً من المناهج الأرضية، ولكنها مناهج من عند الله سبحانه وتعالى رب العالمين. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. نزل من عند الله منهاجاً واضحاً قويماً فيما يتعلق بالعقيدة، فيما يتعلق بالعبادة، فيما يتعلق بالمعاملة، فيما يتعلق بالأخلاق، فيما يتعلق بالمنهاج والسلوخ في كل صغيرة وكبيرة. أنزل الله سبحانه وتعالى لنا علماً ومنهاجاً. ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. هذا كلام رب العالمين. فمن يبتغي بعد هذا شيئاً إنما يبتغي الضلال. فما أدى بعد الحق إلا الضلال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الإسلام والسنة، وأن يجعلنا من من ينصرها ويقوم بها على أكمل وجوهها. آمين يا رب العالمين. اللهم اصلح حوالنا وحوال المسلمين بكل مكان. اللهم اصلح ولاتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خابك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. اللهم واجعلنا وإياهم وجميع المسلمين من أهل طاعتك وأهل رحمتك في الدنيا والآخرة. اللهم آمين يا رب العالمين.