الدرس في شرح اللآلئ البهية 15، الدرس الخامس عشر : فيه ( فصل:في مبحث مسألة القران العظيم والكلام عليها ... قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع شرحًا لمسألة القرآن العظيم وأنه كلام الله القديم المنزل. يُبين مذهب السلف في هذه المسألة وأن القرآن في صورته المختلفة هو كلام الله غير مخلوق.
يؤكد النص أن القرآن كلام الله غير مخلوق مستنداً إلى أدلة من القرآن والسنة. يُحذر من اعتبار القرآن مخلوقاً معتبراً ذلك كفراً لأنه ينفي صفة من صفات الله.
يناقش المقطع مسألة أن القرآن كلام الله تعالى وليس كلاما لغيره، مستندا إلى أدلة من القرآن والسنة، ويرد على من يدعي أن كلام الله كلام نفسي.
تم اختتام الدرس عند هذا الحد على أن يتم استكماله في الدرس التالي، مع حمد الله وشكره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الشيخ المردوي رحمه الله تعالى في شرحه للبهية في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية: فصل في مبحث مسألة القرآن العظيم والكلام عليها. فنقول: اعلم، وفقك الله تعالى، أن الناس قد اختلفوا في هذا القرآن المنزل على النبي المرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمذهب السلف وإمام أهل الأثر، وما أشار إليه الناظم بقوله: «وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو القديم المنزل». وفي نسخة: «كما هو مشار عندكم فهو الكريم المنزل». وسيدي معنا إن شاء الله من كلام شيخ الإسلام ما يفهم منه كراهة هذه الكلمة: كلمة القديم. قال رحمه الله تعالى: وأقول -أي اعتقد- في مسألة القرآن العظيم. والقول له إطلاقات، فتارة يطلق ويراد به الرأي والاعتقاد كما هنا، والمراد به عند أهل العربية واللغة: اللفظ الدال على معنى، كرجل وفرس. والمراد باللفظ: الصوت المجتمِع على بعض الحروف، سواء دل على معنى كـ«ذين» أو لم يدل كـ«ذيز» مقلوب «زين»، قاله ابن إسحاق -يعني في الشذور- أشار إلى ذلك. وقوله: «ما» -أي الذي- جاءت به آياته، «ما» بمعنى «الذي». ومراد أولا أن يقول: إن قوله «وأقول» ليس هو قولا مجردا، ولكنه اعتقاد. لكنه اعتقاد -يعني اعتقادي ومذهبي وعقيدتي في القرآن- هو ما جاءت به آياته -أي من إثبات أن هذا القرآن سلام الله المنزل. قال رحمه الله تعالى: «وما» -أي الذي- جاءت به آياته -أي البينات وسوره المنزلات. ومعنى آياته: البينات -أي الواضحات- وسوره المنزلات -أي التي أنزلت على النبي عليه الصلاة والسلام. فالسور مجتمعة على آيات، كل سورة فيها آيات. قال: «فهو» -أي القرآن والوحي الذي جاء من الله- هو كلام الله القديم المنزل -أي الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بواسطة أمينه جبريل عليه السلام. قال: قال الشيخ محمد بن عبد الملك الشافعِي في كتابه الذي سماه «الفصول في الأصول»: سمعت أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبا حامد النسفرائيني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وروقها الأمصار: أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن قال: مخلوق، فهو كافر. والقرآن حمله جبريل عليه السلام مسموعا من الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وهو الذي نلوكه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين. ومعنى الدفتين: جلدتي المصحف من أمامه ومن خلفه. وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا: مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومقرؤا -يعني كل هذا قرآن. كما مر معنا: بل المسموع والمقرؤ والمكتوب والمحفوظ، وكل ذلك كلام الله. وأما القراءة والحفظ والسماع والكتابة: فهذا فعل العبد، وهو مخلوق لله. قال: وكل حرف منه -كالبائي والتائي- كلام الله غير مخلوق. ولا يقول قائل: الأحرف مخلوقة. نعم، الأحرف المطلقة مخلوقة. الأحرف المطلقة مخلوقة، لكن الأحرف التي يتكون منها كلام الله ليست مخلوقة، بل هو كلام الله جل وعلا، تكلم به بالأزل، وهو تكلم بما شاء، سبحانه وتعالى. قال: كالبائي والتائي، كلام الله غير مخلوق. ومن قال: مخلوق، فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين. انتهى كلامه. بحروفه، ودليل كفره: أنه أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة، أنكر كون القرآن كلام الله، وجعله مخلوقا من مخلوقات الله. وهذا كفر، لأن صفة الخالق ليست مخلوقة. فدل نص القرآن والسنة: أنه ليس بمخلوق. كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. والأمر منه الأمر الشرعي، ومنه الأمر الكوني. والأمر الشرعي منه القرآن. وكذلك: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. فسمى الله عز وجل القرآن: أمرا. فإذا كان كذلك، فإذا هو ليس بمخلوق. ومن السنة: دليل من السنة أن القرآن ليس بمخلوق. نعم، عندما أسأل ابن عباس: «بماذا أعيذكما؟ بكلمات الله التامات». فالاستعاذة لا تكون بمخلوق. استعاذة النبي عليه الصلاة والسلام بكلمات الله. ولحديث بهذا المعنى كثير، تدل على أن كلام الله -لأن من كلماته القرآن- أن كلام الله ليس بمخلوق؛ لأنه لا يستعاذ بمخلوق. قال رحمه الله تعالى: وقد أخبر الله بتنزيله، وشهد بإنزاله على رسوله، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. والنزول يكون من أعلى إلى أسفل. ولو كان مخلوقا ما وصف بالإنزال. بل وصف بالخلق، ولكنه لم يصرح بذلك أبدا. بل هو منزل من عند الله؛ لأن الله تكلم به، فسمعه جبريل، فأداه جبريل عليه السلام إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. وهذا فيه دليل على أن القرآن أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام من الله، نزل به جبريل، كما سيأتي بالآيات الأخرى. وقال جل شأنه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. وهذا فيه دليل آخر كذلك على أن القرآن أنزل من عند الله، وأنه من علم الله، وأن الملائكة شهدت بذلك. قال: والمنزل على الرسول هو هذا الكتاب -أي القرآن- كما قال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وهو القرآن. قال: وقد أمر الله سبحانه بترتيله، فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. فأمر الله سبحانه بقراءته، والاستماع له، والإنصات إليه. فأخبر سبحانه أنه يسمع ويتلى. وكل ذلك لم يخرجه عن كونه كلام الله. لم يخرجه عن كونه كلام الله. بل هو كلام الله، ولو سمع ولو قرئ ولو حفظ ولو كتب. ما زال كلام الله. فالكلام ينسب إلى من قاله ابتداء، لا ينسب إلى من قاله مبلغا مؤديا. ألا ترى أننا نقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». هذا كلام من؟ كلامي؟ لا. ليس بكلامي. هل هو كلام من روى هذا الحديث من الأعمى ومن بعدهم إلى الصحابة؟ الجواب: لا. ولكنه كلام من قاله ابتداء. من هو؟ هو النبي عليه الصلاة والسلام. فكون زيد من الناس تكلم به، أو كتبة الكتب، أو حفظة الصدور، أو سمع بالآذان، أو قرأ بالألسنة، لم يخرجه عن كونه كلام من تكلم به ابتداء؛ لأن الكلام ينسب إلى من تكلم به ابتداء. فهذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فهو حديثه. ولو كتب ولو قرئ ولو حصل له ما حصل من هذه التنوعات الأخرى، ما زال الكلام ينسب إلى من قاله ابتداء. وكذلك كلام الله، إذا أثبتنا أن الله جل وعلا تكلم بالقرآن، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. فإذا الكلام ينسب إلى من قاله ابتداء، فهو كلام الله، لم يخرج عن كونه كلام الله. وصفة الخالق ليست مخلوقة. صفة الخالق ليست مخلوقة. ودلت أدلة القرآن والسنة على أنه ليس مخلوقا بالنص. قال رحمه الله: وأخبر سبحانه أنه يسمع ويتلى. قال تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قال: وكل هذا من صفات هذا الموجود عندنا، لا من صفات ما في النفس الذي لا يظهر لحس ولا يدرى ما هو. ومراده: لا من صفات ما في النفس -رد على الأشاعرة- ليس أنه هو يقول: إنه في النفس، ولكن يريد أن يبطل هذا الكلام -أي أن كلام الله مسموع ومقرؤ ومحفوظ ومكتوب ومتلو بالألسنة- فهو ليس بكلام نفسي؛ لأن الكلام النفسي لا يطلع عليه. ولو قدر أنه اطلع عليه، فكان هذا شيئا نافيا لأنزله المخلوق والخالق؛ لأن المخلوق لا يمكن أن يطلع على ما في نفس الخالق. بل هذا من صفات الخالق، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فالذي يعلم ذلك هو الله وحده. فكيف يدعي مدع أن كلام الله كلام نفسي، كلاما في النفس، وأن هذا الذي في المصاحف ويتلوه الناس ويحفظونه ويقرؤونه ويكتبونه ويتلونه أنه ليس بكلام الله، بل هو معنى ما في النفس؟ وهذا باطل شرعا وعقلا. وسيسأل إن شاء الله الكلام عليه في وقته. قال رحمه الله تعالى: وكل هذا من صفات هذا الموجود عندنا، لا من صفات ما في النفس الذي لا يظهر لحس ولا يدرى ما هو -يعني الذي في النفس. وأثبت سبحانه أنه منه صورا وآيات وكلمات -يعني القرآن منه صور ومنه آيات ومنه كلمات. فالآية تشتمل على كلمات، والصور تشتمل على آيات، وهكذا. وهذا كله يدل على أن هذا كلام الله، ليس بكلام غيره. ولو قرأ أو حفظ أو كتب أو تلي. قال: وقال نصه شيخ رحمه الله بقاعدة التي تبين أن القرآن كلام الله تعالى، ليس منه شيء كلاما لغيره، لا جبريل ولا محمد ولا غيره. ما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ إلى قوله: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: به بيان لنزول جبريل به من الله. فإن روح القدس وجبريل بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ -يعني أن جبريل وروح القدس المراد بذلك إثبات أن القرآن كلام الله، وأن جبريل تكلم به مبلغا مؤديا، ليس هو كلام جبريل، ولا كلام النبي عليه الصلاة والسلام. بل هؤلاء إنما عليهم تبليغ ذلك. والكلام يقال لمن قاله ابتداء، وهو كلام الله سبحانه. نكتفي عند هذا الحد، ونكمل إن شاء الله في الدرس اللاحق. والحمد لله رب العالمين.