الدرس في شرح اللآلئ البهية 31، الدرس الحادي والثلاثون : فيه : ( قال عبدالله بن سلام ... ويقرب منه قول مرعي في البهجة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش موضوع وزن الأعمال يوم القيامة، ويبين أن الجن والإنس يحاسبون على أعمالهم، وأن الميزان ينصب لوزن الحسنات والسيئات. يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال العلماء في ذلك.
تناول أحاديث ضعيفة وصحيحة حول البكاء من خشية الله وفضله، وتطرق إلى أحاديث يوم القيامة وأماكن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم، مع توضيح ترتيب الأحداث يوم القيامة.
يتناول حكمة وزن الأعمال يوم القيامة، حيث يرى العلماء أن الحكمة في ذلك هي إظهار العدل وبيان الفضل وتعريف العباد بمقادير أعمالهم. يشرح حديث البطاقة الذي يدل على أن بعض الأعمال قد تكون سببا لدخول الجنة.
يُبين أن الإخلاص والصدق في العمل يزيد من قيمته ويُوجب الانتفاع به، ويُشير إلى أمثلة من أعمال صالحة أدت إلى نجات أصحابها.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ المرداوي رحمه الله تعالى في شرحه «الآية والبهية» شرح «الآمية»: شيخ الإسلام بن تيمية قال: قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: «إن ميزان رب العالمين ينصب للجن والإنس، يستقبل به العرش، إحدى كفتيه على الجنة والأخرى على جهنم، ولو وضعت السماوات والأرض في إحداهن لسعتهن، وجبريل آخذ بعموده، وينظر إلى لسانه». وهذا موقوف على عبد الله بن سلام، وأشبه ما يكون أنه من الأخبار الإسرائيلية، ولم يتيسر للوقوف على إسناده، فإن تيسر إن شاء الله ينظر عليه في وقته. وأما معناه بالجملة فصحيح، بخلاف التفاصيل التي فيه، فينصب الميزان وتوضع الكفتان، ويكون كذلك الحساب من الله سبحانه وتعالى لعباده على ما سبق ذكره. قال: قال الشيخ مرعي في «البهجة»: في هذا أن أعمال الجن توزن كما توزن أعمال الإنس، وذلك لعموم الكتاب الوارد في أدلة الكتاب والسنة أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بُعِثوا للجن والإنس، وخصوصا نبينا عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾، فبين أن الخطاب ليس فقط للإنس بل كذلك للجن. قال السفاريني: وهو كذلك، ارتضاه لإمامه -يعني ارتضى لإمامه هذا المعنى- لعموم الأدلة الواردة كما سبق. قال: وافرج ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس قال: «يحاسب الناس يوم القيامة، ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط». وهذا بهذا المعنى موقوف على ابن عباس، وبعض أهل العلم يقول: لم يصح في أهل الأعراف حديث مرفوع، وإن شاء الله ينظر في إسناد ابن أبي حاتم، هذا لم يتيسر للوقوف عليه. قال: وافرج أحمد في الزهد من طريق رباح بن زيد عن أبي جراح، لكن معناه الأول صحيح: أنه توزن الأعمال، فإن كثرت السيئات فكان من أهل النار، وإن غلبت الحسنات كان من أهل الجنة، وإن غلبت السيئات كان من أهل النار، كما جاء في حديث ابن هريرة في الصحيح، وأحاديث هذا المعنى كثيرة، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتحلل من المظالم في الدنيا قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات. قال: وافرج أحمد في الزهد من طريق رباح بن زيد عن أبي جراح عن رجل يقال له حازم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي، فقال: من هذا؟ قال: فلان، قال جبريل: أنا أزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن الله يطفئ بالدمعة بحورا من نيران جهنم». وهذا ظاهره الانقطاع، ظاهره والانقطاع والإرسال فهو من قسم الضعيف. قال: وافرج البيهقي عن سلمان بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رقت عين بمائها إلا حرم الله سائر ذلك الجسد على النار، ولسالت قطرة على خدها فرأى ذلك الوجه قترا ولا ذلة، ولو أن باكيا بكى في أمة من الأمم لرحموا، وما من شيء إلا له مقدار وميزان إلا الدمعة، فإنه يدفع بها بحار من النار». وهذا لم يصح، قد ذكره الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في «الضعيفة» حديث ثلاثة آلاف وواحد. وأما فضل البكاء من خشية الله فقد وردت به أحاديث، كالسبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم: «رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه»، وهو بالصحيح. قال: وافرج الترمذي وحسنه من حديث أنس رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، قال: «أنا فاعل إن شاء الله»، قلت: فأين أطلبك؟ قال: «تطلبني على الصراط»، قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: «فاطلبني عند الميزان»، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: «فاطلبني عند الحوض، فإني لا أُخْلِفُ هذه الثلاثة المواطن». والحديث كما ذكر حسنه الترمذي، صححه وكذلك الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. وقال بعض أهل العلم: أن في هذا الحديث تأخير الحوض عن الصراط والميزان، وليس كذلك، فليس هو صريحا في تأخير الحوض عن الميزان، لأنه قال: «فاطلبني عند الحوض»، ولم يقل: إن الحوض بعد الميزان وبعد الصراط، والعطف بالفاء ليس دائما يفيد التعقيب والترتيب، فلذلك مع الأدلة الأخرى التي وردت -كما أشار المعلب عندكم من كلام ابن كثير رحمه الله- يفهم أن الحوض قبل الصراط وقبل الميزان، ويدل عليه ما جاء في أحاديث الحوض: أنه ناس يطردون عن الحوض، فيقول: «أصحابي أصحابي»، أي النبي عليه الصلاة والسلام، وفي رواية: «أمتي أمتي»، أصحابه يعرفهم بأشخاصهم، وأمته يعرفهم بمواضع لبؤ منهم، فيقول: «أمتي أمتي»، فيقال له: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، فيقول: «سحقا سحقا لمن غير وبدل». الأحاديث في هذا كثيرة، بعضها في الصحيحين وبعضها خارج الصحيحين. فإذا كان كذلك دل هذا على أن هذا قبل الفصل وقبل مرور الصراط، لأن من استحق النار سقط ولم يمر على الصراط، ومن مر نجا، فدل على أن الحوض قبل الصراط وقبل الميزان، والله تعالى أعلم. قال: تنبيه، قد اختلف في الموزون، قيل: يوزن العبد مع عمله، وقيل: توزن نفس الأعمال، والحق أن الموزون صحف الأعمال، وصححه ابن عبد البر والقرطبي، وصوبه الشيخ مرعي، وذهب إليه جمهور المفسرين، ويؤيد ذلك حديث البطاقة، والسجلات، رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: على شرط مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ قال: فيقول: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء». والحديث حسنه أو صححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله وغيره من أهل العلم. قال: فإن قيل: ما الحكم في الوزن مع أن الله تعالى عالم بكل شيء، يعلم قائمة الأعين وما تخفي الصدور؟ أجاب الثعلبي رحمه الله: أن الحكمة في ذلك تعريف الله عباده ما لهم عنده من الجزاء من خير وشر. وقال العلامة الشيخ مرعي بن يوسف رحمه الله تعالى: بل الحكمة فيه إظهار العدل وبيان الفضل، حيث إنه يزن مثاقيل الذر من خير أو شر، وإن كانت حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه أجرا عظيما. وقال العلامة ابن قاضي عجلون الشافعي: كميد بن حجر في شرحه على عقيدة الشيخ الشافعي، ما نصه: «والمقصود من ذلك تعريف العباد مقادير أعمالهم، إذ لو دخلوا الدارين قبل الموازنة ربما ظن المطيع أن نيله الدرجات في الجنة عن الاستحقاق، وتوهم المذنب أن عذابه فوق ذنبه، فتوزن أعمالهم ليقفوا على مقادير أجرها، فيعلم الصالح أن ما ناله من الدرجات بفضل الله لا بمجرد عمله، ويتيقن المجرم أن ما ناله من العذاب دون ما ارتكب من الجرائم، فإن الله لا يظلمه». انتهى كلامه رحمه الله. قلت: وهو أحسن ما قيل في حكمة الوزن، ويقرأ منه قول مرعي في «البهجة» -يعني الذي سبق الإشارة إليه- وبحديثه كذلك، عبد الله بن عمر: بيان أن بعض الأعمال تكون سببا لدخول الجنة، ولكن ليس كل عمل مثل هذا يكون سببا لدخول الجنة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فليس كل من قال: لا إله إلا الله، وشهد أن محمدا رسول الله، نجى من عذاب الله بعد استحقاقه، لا، ولكن من أتى بها صادقا مخلصا فإنه ينجو بإذن الله تعالى بها»، كما أن المرأه البغي التي من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة في شربة ماء أعطتها لكلب عاطش، وليست كل امرأة بغي تسقي كلبا شربة ماء تنجو من عذاب البغاء. وهذا معنى كلامه رحمه الله تعالى، لكن كلما احتف بالعمل من الإخلاص والصدق كان معه ما يوجب الانتفاع بهذا العمل. طيب نقف لهنا، ونكمل إن شاء الله في درس قادم.