كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية  1

كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 1

الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 1، الدرس الأول:من( مقدمة عن الكتاب ... كتاب الزكاة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في كتاب الزكاة وتاريخه

يُقدم الشيخ كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية ويوضح أهميته ومحتواه وتاريخ طبعاته. الكتاب من تأليف ابن تيمية وجمع أبي الحسن علي بن محمد البعلي.

تعريف الزكاة وحكمها وفوائدها

الزكاة واجبة في أموال مخصوصة وهي ركن من أركان الإسلام، ولها حكم كثيرة منها تحقيق الإيمان وتزكية النفس. كما أنها سبب لدخول الجنة وزيادة المال وبركته.

أهمية الزكاة وعقوبة البخل فيها

الزكاة تطفئ الخطيئة وتحقق ترابط المجتمع، والبخل فيها يعتبر كبيرة من الكبائر ويعاقب عليه يوم القيامة. كما ترتبط بعدم وقوع الشدة في العيش وانقطاع الأمطار.

زكاة عروض التجارة ووجوبها

يتناول المقطع مسألة زكاة عروض التجارة ويشير إلى وجود خلاف حولها، والراجح فيها هو وجوب الزكاة. سيتم التطرق إلى هذه المسألة لاحقا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، نشرع في هذا الوقت القراءة في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام بن تيمية، مما اختارها علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد البعلي، رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب كما ترون هو منتقى، فليس هو يستوعب سائر مباحث كتاب الزكاة، ولكنه ينتقي فيها اختيارات شيخ الإسلام في المسائل الخلافية في كتاب الزكاة، وهكذا في الأبواب الأخرى المتقدمة والآتية. فلذلك لا يستغني هذا الكتاب أن يجمع معه طالب العلم ما ذكره العلماء في هذا الكتاب ونظائره من الكتب المتقدمة والمتأخرة من مباحث الفقه؛ لأن هذا الكتاب يقتصر على ما اختاره شيخ الإسلام في المسائل التي وقع فيها الخلاف، فهو باعتبار لا يستغني عن غيره، وهو باعتبار آخر كتاب مهم يحتاجه طالب العلم لمعرفة اختيارات شيخ الإسلام وترجيحاته في هذه المسائل الخلافية. وقد طبع هذا الكتاب طبعات كثيرة، وهذه الطبعة التي بين أيدينا هي طبعة محمد حامد الفقي، وقد اعتنى بعرضها على مجموعة من النسخ المخطوطة والمطبوعة كما أشار في المقدمة، رحمه الله، ونبه في ثنايا مقدمته أن هناك بعض الطبعات مما خرجت على أيدي بعض من لا يؤمن في عقيدته ودينه، فكان فيها التحريف الكثير، ليس التحريف عن الخطأ أو التقصير في التحقيق أو كذلك عدم التدقيق في النظر في المخطوطات أو النسخ، ولكنه تحريف عن عمد بما يوافق أهواء بعض أولئك المخرجين لتلك النسخ. ومن ذلك نسخة فرج الله كردي، وهو من أهل الأهواء الباطنية الذين لا يرتضون طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله. فلذلك حصل في طبعته شيء من التحريف الكثير والتغيير والتبديل لتلك الفتاوى، فبينها وصوبها الشيخ محمد حامد الفقي، رحمه الله تعالى. جامع هذه الاختيارات هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن عباس البعلي، المشهور بابن اللحام، وهي مهنة أبيه، رحمهم الله جميعًا. وهو كما ذكر في ترجمته في المقدمة، ترجمة مختصرة منقول عن عدد من كتب التراجم، كان من تلامذة عدد من المشايخ، منهم الحافظ ابن رجب، رحمه الله تعالى. وبه تعرف وجه الصلة بينه وبين شيخ الإسلام؛ فهو ممن برع في مذهب الحافظ ابن رجب، والحافظ ابن رجب كذلك ممن يسير على سير شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، ويعرف ذلك من يقرأ في كتاباته وينظر في تحقيقاته، رحمه الله تعالى. وقد برع البعلي، رحمه الله، في هذه الطريقة، إذ جعل لابن رجب من شدة تجرده وحرصه على منهج السلف نسب إليه مذهب خاص، حتى قالوا: إن البعلي برع في مذهب ابن رجب، لم يقول الشافعي ولا أحمد ولا فلان وفلان، ولكن قالوا: برع في مذهب ابن رجب، حتى عين بعده في حلقته، رحمه الله تعالى. وصار في زمنه شيخًا للحنابلة، مع كذلك الشيخ ابن مفلح صاحب كتاب الفروع. وبه تعرف منزلة جامع هذه الفتاوى، على أنه مات صغيرًا عن خمسين سنة، رحمه الله تعالى؛ فقد ولد في سنة خمسين وسبعمائة، وتوفي في ثمانمائة وثلاثة، يعني عن ثلاث وخمسين سنة. قال رحمه الله تعالى: «كتاب الزكاة»، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الزكاة. فالكتاب لغة: ما يخط على القرطاس، وهو في اصطلاح أهل العلم: مجموعة من المسائل المتعلقة بالجنس الواحد من العلم. فكتاب الزكاة جنس، وتحت هذا الجنس أنواع، وتحت الأنواع فروع. فجعلوا الكتاب بمثابة الجنس، والأبواب بمثابة الأنواع، والفصول بمثابة الفروع، والمسائل يعني من تلك الأنواع. والزكاة لغة لها معاني كثيرة تدور حول معنى النماء والتطهير، فزكا بمعنى نمى وطهر. ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي تنميهم وتطهرهم بها. وأما في اصطلاح أهل العلم وبالمعنى الشرعي، فهو: التعبد لله بحق واجب في أموال مخصوصة بشروط وأوصاف معلومة بالشرع. التعبد لله بحق واجب في أموال مخصوصة بشروط وأوصاف معلومة بالشرع، هذا خلاصة ما يذكر في تعريف الزكاة. والزكاة أحد أركان الإسلام، فرضها ربنا جل وعلا فرض هذه الزكاة، وهو غني عنها، ولكن لحكم كثيرة فرضها سبحانه وتعالى. وقد ذكر العلماء من حكم فرض الزكاة أشياء كثيرة، ومن هذه الحكم: أنها تحقيق للإيمان وتصديق للإسلام في أحد مبانيه العظام. ففي الصحيحين من حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة» الحديث. وفي حديث جبريل الذي جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث عمر، حين سئل عن الإسلام، قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة» الحديث. وكذلك من حكم فرض الزكاة أنها سبب للتزكية والطهرة، فهي تزكي النفس وتطهر القلب والجوارح والأموال والأعمال من الأخلاق الذميمة والأعمال السيئة. وكذلك حتى الأموال تطهر مما يصيبها من خطأ ومن ظلم وغير ذلك، فيكون هذا طهرًا لها. يعني كأنك إن ظلمت في مال أحد تقول: هذا صدقة. أما وقع مني من خطأ وما وقع مني من مظلمة لكذا وكذا من الناس أعلمهم، ولا أعلمهم، فما أعلمت وجب أن ترد لهم بأعيانهم، وما لم تعلم كان الزكاة طهرة لذلك. ولذلك وسبب آخر لانشراح الصدر؛ فإنه بالتزكية والطهرة ينشرح الصدر. قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. ومن فوائده كذلك تكميل الإيمان بتحقيق الأخوة وتوثقتها. ومن فوائده ترابط المجتمع وتراحمه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، رواه مسلم من حديث أنس رضي الله عنه. وهكذا كذلك من فوائده وحكمه تحقيق الإحسان في المجتمع، وعند ذلك يذهب حنق الفقراء وغضبهم وحقدهم وغلهم، ويزول حسدهم. وتقل الجرائم، وكل هذه حكم حين يبذل الغني للفقير، ينكسر الفقير وينجبر، ويكون بذلك الرحمة من الغني والحب من الفقير، فيتراحم المجتمع، وعند ذلك يحصل الخير الكثير، حتى الجرائم تقل، فلا سرقات ولا اعتداء ولا ظلم ولا حقد ولا غل ولا حسد، وهذا من حكم فرض الزكاة. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، قال العلماء: من أسباب إزالة الفحشاء والمنكر بذل الإحسان. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَحْسِنُوا كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ﴾، والأدلة في هذا كثيرة. ومن حكمه كذلك أنه سبب للنجاة من النار وفتنة المحشر. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عقبة: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة». وقال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة». ومن حكمه أنه سبب لدخول الجنة، ففي حديث عبد الله بن سلام المشهور الصحيح: «أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، فإن ذلك من أسباب دخول الجنة بسلام». ومن أسبابه أنه سبب لزيادة المال وبركته. قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يربي للمتصدق صدقته كما يربي أحدكم فلوه» يعني صغير الخيل، فيعتنى به اعتناء خاصًا لأنه من أنفس أمواله، فكذلك صدقة المتصدق عند الله سبحانه وتعالى يعتنى بها اعتناء خاصًا. وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة المشهور الصحيح: «ما نقصت صدقة من مال». ومن حكمه كذلك أنه سبب لذهاب غضب الله وحلول النقم والمحن وعدم وقوع الشدة في العيش والسنين وانقطاع الأمطار، بل هو من أسباب نزول الأمطار وحصول رغد العيش. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء»، كما جاء في حديث بريدة بإسناد صحيح عند الطبراني والحاكم وغيرهما. وفي حديث ابن عمر الذي رواه الحاكم وغيره، قال: «عشر أعوذ بالله أن تدركوهن» وذكر منها: «أن الناس ما منعوا زكاة أموالهم إلا ابتلوا بالسنين ومؤونة العيش ومنع القطر من السماء». ومن حكمه أنها تطفئ الخطيئة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار». وهذا الباب كما قلنا فيه أشياء كثيرة، لكن هذا أهم ما يذكر في هذا المقام. ومما يذكر قبل الشروع، ومن المهم التنبيه عليه: أن فرض الزكاة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم هو من أركان الإسلام وواجباته العظام، ولكن تركه على الصحيح لا يوجب الكفر الأكبر، إن كان كفرًا فكفر دون كفر. فلا يجوز البخل في أداء الزكاة؛ لأنه كبير من الكبائر العظيمة وإخلال بأحد أركان الإسلام. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدي زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان» يعني من شدة سميته، «ثم يأخذ بلهزمتيه» يعني شدقيه، «أي هذا الذي يمنع الزكاة فيقول: أنا كنزك، أنا مالك»، ثم تلا النبي عليه الصلاة والسلام الآية المتقدمة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. و«صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة كذلك بعد أن ذكر تعذيب الله عز وجل للذين يبخلون عن أداء زكاة أموالهم من أهل الذهب والفضة وأهل بهيمة الأنعام، وأنهم يعذبون بها: أهل الذهب يكوون بتلك الصحائف، وأهل البهائم تمر عليهم وتضربهم وتنطحهم وتعضهم. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ذلك في يوم كان مقداره كخمسين ألف عام، ثم ينظر إلى سبيلهم إلى جنة أو نار»، فدل على أن ذلك ليس مما يوجب الكفر الأكبر. ومما ينبه عليه كذلك: أن هذه الزكاة فرضت في أصناف من الأموال، وعلى القول الصحيح من أقوال أهل العلم هي أربعة: النقدين، والخارج من الأرض، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة. وفي الثالث، أي عروض التجارة، خلاف، والصحيح أن فيه الزكاة، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. طيب، نقف هذه الليلة أو هذا الوقت إلى هذا الحد، طيب إلى هنا، والله تعالى أعلم.