كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية  9

كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 9

الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 9، الدرس التاسع:من( فصل:ويجوز إخراج زكاة العروض عرضاً ... وهو قول أبي حنيفة وقياس قول أحمد في بقية الكفارات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم إخراج زكاة عروض التجارة

يتناول حكم إخراج زكاة عروض التجارة من نفس العروض، حيث يجوز إخراجها من العروض المعروضة للبيع والشراء. يشترط أن تكون الأشياء المخرجة مما ينتفع به في مصارف الزكاة.

أحكام زكاة الفطر ومستحقيها وتوقيت إخراجها

تجب زكاة الفطر على كل مسلم يملك صاعًا زائدًا عن حاجته يوم العيد وليلة العيد، وتُعطى للمساكين والفقراء. وقت وجوبها هو من رمضان إلى قبل صلاة العيد.

مقدار زكاة الفطر وأحكامها المختلف فيها

يتناول مقدار زكاة الفطر وأحكامها، حيث يرى أن الاحتياط هو إخراج صاع من جميع أنواع الحبوب. يشير إلى اختلاف آراء الصحابة في هذا الشأن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. سأل أحد الإخوان في قضية المسألة التي أشار إليها شيخ الإسلام التيمية رحمه الله في أنه لا يجوز بقاء أرض بلا عشر ولا خراج، ومر معنا تفصيل ذلك، وأنه قد يكون في أرض لا عشر ولا خراج، كما استثنى شيخ الإسلام التيمية رحمه الله، وأشار في أرض الذمي، فإنه لا عشر لأنه لا زكاة عليه، ولا خراج لأنه لم يصالح وأرضه ينتفع بها كالبستان والمزرعة ونحوه. فإذا تصور في مثله تصور في مثل هذا، فقد يكون أو لا مانع أن يكون في غيره، والأصل في أموال أرباب الأموال المحترمة الحرمة: المسلم والمعاهد والذمي والمستأمن، فالأصل الحرمة إلا ما دل الدليل بحجته وبرهانه. فالسؤال: إذا كان كذلك، فهل يجتمع العشر والخراج؟ هل يجتمع العشر والخراج في أرض واحدة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه قد يجتمع العشر والخراج في الأرض الواحدة. فلو أن أرضًا لذمي، أرضًا لمعاهد مثلًا فيها الخراج، فاستأجرها منه مسلم، فالزرع له، ففيها الزكاة، وهذا العشر، سواء العشر إذا كان بغير كلفة أو نصف العشر إذا كان بكلفة. فالأرض التي فيها الخراج يخرج صاحب الخراج الخراج الذي هو الكافر، ويخرج صاحب العشر العشر، ولا مانع من ذلك. وأما ما يروى في هذا الباب من حديث ابن مسعود: «لا يجتمع خراج وعشر»، فهو حديث لم يصح، بل نص الحفاظ أنه حديث موضوع، وفي إسناده يحيى بن عنبسة، وهو كما قيل: دجال ووضاع من الوضاعين. وقد ذكر ابن حبان وغيره أنه المتهم بوضع هذا الحديث، وهو كذلك من جهة التعليل، لا مانع؛ لأن كل معنى من هذين المعنيين له سبب، فإذا توفر سببه فيكون به. فالخراج يكون لأجل الأرض، والعشر يكون لأجل المنفعة من حب أي زرع أو ما كان بمعناه. لو قال قائل: هل إذا اشترط الكافر على المسلم أن يتحمل الخراج من الإيجار -يعني كونه يتحمل الخراج يخفض له في الإيجار- فهل المسلم يدفع الخراج والعشر؟ الجواب: نعم؛ لأن الأصل لا يجب عليه الخراج، وإنما يجب على المالك، فإذا هو قبل بهذا فيأخذ منه الأمرين: الخراج، وهكذا كذلك العشر. كما أن الأرض لو كانت أرضًا سبخة -كما نص العلماء- فليس فيها خراج، ولو كان من الأصل فيها الخراج، أو نقول: ليس فيها العشر، ولو كان فيها العشر. وأما الخراج فهو حق الأرض، والعشر هو حق الانتفاع؛ يعني لأن الأرض تثمر، فجعل العشر في مصارف الزكاة المعلومة. فالخلاصة: لا مانع من أن يتحقق وجود العشر والخراج في أرض واحدة، كما كذلك لا مانع أن يكون في أرض واحدة لا عشر ولا خراج، وكما مثل في أرض الذمي، فيتصور في غيره، ولكن يدار مع الدليل حيث دار، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: فصل، ويجوز إخراج زكاة العروض عرضًا، ويقوى على قول من يقول: تجب الزكاة في عين المال. معنى المسألة: أولًا زكاة العروض معروفة، والصحيح أن فيها الزكاة، وهو قول جمهور أهل العلم، بل نقل ذلك أنه اتفاق السلف، فلم يعلم لهم مخالف. فقد روي في قول الله عز وجل: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أنه في حق العروض التجارة. وزكاة العروض -كما تعرفون- إنما هو من أجل هذه العروض التي هي معدة للتجارة، قد تكون أرضًا، وقد تكون سلعًا مباعة، وقد تكون من بهيمة الأنعام، وقد تكون كذلك من الثمار والزروع. وسواء أكان هذا المعروض للبيع والشراء مما تجب فيه الزكاة في أصله أو لا تجب، فمثلًا: بهيمة الأنعام في أصلها زكاة، وكونها معدة للبيع والشراء كذلك فيها زكاة، حتى ولو كانت أقل من النصاب. مثلا: خمس من الإبل، خمس من الإبل هي حد نصاب الإبل، فلو أن رجلًا عنده أربع من الإبل، أربع من الإبل أعدها للبيع والشراء، إن قلنا بزكاة بهيمة الأنعام: ليس بها زكاة؛ لأنها أقل من النصاب، ولكن لأنه أعدها للبيع والشراء ففيها الزكاة الأخرى، وهي زكاة عروض التجارة. فينظر: هل قيمة هذه الإبل الأربع يصل نصاب الزكاة؟ فإن قلنا: نصاب الزكاة الذهب -وهو الصواب- فينظر، فتقريبًا إذا كانت الإبل من المعتدلة تصل في حدود ثمانمائة ألف أو أكثر، وهذا يؤدي أو يصل إلى نصاب الزكاة، يصل إلى نصاب الزكاة. وهكذا كذلك لو لم يكن حتى أصله مما يجب فيه الزكاة، فمثلًا: رجل عنده خيل أعدها للبيع والشراء، الخيل ليس فيه زكاة؛ ليس من بهيمة الأنعام في الأصل، ولكن لأنه أعدها للبيع والشراء ففيها الزكاة، فإذا بلغت النصاب وحال عليها الحول وجب فيها الزكاة. ثم هنا تأتي هذه المسألة: هل يجوز إخراج زكاة عروض التجارة من نفس العروض؟ رجل عنده بقالة فيها مواد غلائية متنوعة، وجبت في بقالته الزكاة لبلوغ النصاب وحولان الحول، وهو عروض تجارة، فهل يجوز أن يخرج من البقالة من المواد التي فيها زكاة؟ الصحيح: نعم، يجوز، ويخرج في مصارف الزكاة، وما ينتفع به بمعنى الزكاة. يعني: مثلا ليس من مصارف الزكاة: مثلا أن يخرج ألعاب الأطفال ويقول: هذه زكاة، لكن يخرج الأشياء الأخرى، يخرج الأشياء الأخرى. ولو أخرجها كقيمة جاز، مثلا عنده سلع متنوعة في بقالته، وليس عنده نقد، وهذا يكثر السؤال عنه، يأتي إليك مثلا إنسان صاحب محل كفرات ويقول لك: أنا عندي محل ما شاء الله، فيه بضاعة قرابة اثنين مليون، لكن تعرفون السوق وهكذا إلى آخره، ليس عندي الآن سيولة، ما عندي ولا شيء، أستطيع أن أخرج الزكاة، فماذا أصنع؟ هل تسقط الزكاة أو تؤجل؟ الجواب: يجوز أن يخرج، الصحيح: إذا كان ليس عنده مال، يجوز أن يخرج مما هو معروض للبيع والشراء. فإن كان عنده زيوت أخرج زيوت، أو كان حتى عنده كفرات أخرج كفرات، حسب كم الزكاة وأخرج سلع من هذه العروض، كما قال: «ويجوز إخراج زكاة العروض عرضًا». فمن هذه العروض يخرج الزكاة، ويعطيها لمستحقيها، سواء أعطاهم يبيعونها وينتفعون بقيمتها، أو أعطاهم ينتفعون بها مباشرة. ممكن يخرج زيت لإنسان فقير عنده سيارة قديمة يشتغل عليها ويعمل عليها، وهذا زكاة ما في شيء، أو حتى كفرات يخرج كفرات زكاة كذلك، هذا جائز، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيجوز أن يخرجها عرضًا، سواء أكان هذا على وجه الانتفاع المباشر أو يبيعه ويخرج ثمنه. وقوله: «ويقوى على قول من يقول: تجب الزكاة في عين المال»، الأصل: عموم الأدلة تدل أن كل مال وجبت فيه الزكاة يخرج من عينه. فالذهب قال النبي عليه الصلاة والسلام في العشرين دينار: نصف دينار، والفضة كذلك ربع العشر، وهكذا كذلك في الأصل في كل الأموال. فالغنم يخرج منها غنم، والبقر يخرج منها بقر، والإبل يخرج منها إبل، إلا النصاب الأول في الإبل وهو خمس من الإبل؛ لما كانت قليلة وكانت هي الواحد منها ثمين، أخرج في الخمس من الإبل: شاه، أخرج في الخمس من الإبل: شاه. فدل هذا أولًا: أنه يجوز الخروج عن الأصل إذا احتيج إليه، ودل ثانيًا: أنه ينبغي البقاء على الأصل إذا أمكن ذلك. فإذا اقتضت المصلحة الانتقال عن الأصل انتقل عنه، فمثلًا: عروض التجارة ما هو الأصل؟ الأصل أن يخرج من هذه العروض، هذا هو الأصل، ولكن قيد بعض أهل العلم أن يكون ذلك أخذًا بعموم الأدلة الواردة في هذا الباب من وسط هذا المال. ولهذا أفتى شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله حين سئل: هل يجوز أن أخرج أنا صاحب أقمشة هل يجوز أن أخرج زكاتي من هذه الأقمشة؟ قال: يجوز، ولكن أخرج من الطيب طيب، ومن الردي ردي. لأن إنسان مثلا عنده محل أقمشة، المتر بعض القماش بألف، وآخر المتر بمئة، فإذا أخرج الزكاة لا يخرج من الردي فقط، أو يخرج من البضائع التي هي غير مرغوب فيها، ما يسميها الناس: موضة قديمة أو استك ونحو ذلك. فمثل هذا في الحقيقة فيه معنى إعطاء الردي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لجامع الزكاة: «إياك وكرائم أموالهم». فكما أنه لا يجوز أن يأخذ منه الطيب ويترك الردي، والواجب أن يأخذ الوسط، كذلك يقال للمعطي، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. فينبغي الإنسان أن ينصف في هذا الباب، فإن كانت عنده بضاعة مشكلة يخرج من هذا كله، أو يثمن كم يجب الزكاة في الكل بقيمته، ويخرج بقيمة هذا الكل. وقوله: «ويقوى على قول من يقول: تجب الزكاة في عين المال»، هذه مسألة خلافية: هل تجب الزكاة في عين المال أو في الذمة؟ وينبني على هذا الخلاف مسائل ذكرها الفقهاء في كتبهم، وفيها تفاصيل. ومن أقرب وأحسن من أشار إلى ذلك: ابن مفلح رحمه الله في كتابه «الفروع»، والصحيح في هذا التفصيل: فالصحيح أنه تجب الزكاة في عين المال. ولذلك فإنها تأخذ من أرباب الأموال، ولو كان صاحب المال ممن رفع عنه القلم: مجنونًا أو صبيًا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تأخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم»، فهو حق المال. وقال أبو بكر -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة- حين امتنع من امتنع من الزكاة: قال: «والله لو قاتلنا من فرق بين الزكاة والصلاة، الزكاة حق المال»، الزكاة حق المال، فسمى الزكاة حقًا في المال، فهو في عين المال، لكن ليس على إطلاقه حتى يستلزم من ذلك مسائل لا تلزم منها على الحقيقة. حتى لو قلنا: أن الزكاة تجب في حق في عين المال، وأنه حق المال، لا يعني ذلك أن يستلزم ذلك المسائل التي أشار إليها بعض الفقهاء. فمثلًا: مما أشير إليه: أنه يلزم من القول بهذا القول: أن تسقط الزكاة بتكرار الحول؛ لأنه حق في المال لا حق في الذمة، حق في المال لا حق في الذمة، وهذا ليس بصحيح، بل لا تسقط الزكاة بتكرار الحول. ولو قيل: أنه حق في عين المال، هذا لو قدر أنه يلزم من ذلك إسقاط الزكاة بتكرار الحول، إذا قيل بهذا القول، مع أنه على الصحيح لا يستلزم ذلك، لا يستلزم ذلك، وبهذا أفتى كثير من أهل العلم. فقول جمهور أهل العلم هو هذا الذي أشار إليه، وكذلك من باب الفائدة: كان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يفتي بجواز إخراج الزكاة من عين عروض التجارة، يفتي بجواز إخراج الزكاة من عين عروض التجارة، لكن يقيده أن يكون فيه مصلحة للناس، أو كذلك احتاج إليه من يخرج الزكاة فيراعى ذلك. وهكذا هناك فتوى للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله نحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: فصل، ويجزئه في الفطرة من قوتي بلده مثل الأرز وغيره، ولو قد رعى الأصناف المذكورة في الحديث. وهذا الفصل جعله رحمه الله في الكلام على مسائل زكاة الفطر، والذي تقدم في الكلام على مسائل زكاة العروض. قال: «ويجزئه في الفطرة من قوتي بلده مثل الأرز وغيره ولو قد رعى الأصناف المذكورة في الحديث»، وهي رواية عن أحمد. من مسائل زكاة الفطر المختلف فيها: أنه هل يجوز إخراج زكاة الفطر من غير المنصوص عليه؟ والمنصوص عليه في الحديث خمسة، كما جاء معناه في حديث ابن عمر وحديث ابن سعيد في الصحيحين وغيرهما، وهو: صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو صاع من أقط، أو صاع كذلك من طعام، أو صاع من شعير. فهذه خمسة: الطعام والشعير والتمر والزبيب والأقط، هل يجوز أن يخرج من غير هذه الخمسة؟ اختلف أهل العلم، جمهور أهل العلم أنه يجوز أن يخرج من غير هذه الخمسة، وهو رواية عن الإمام أحمد، ورواية أخرى عن الإمام أحمد، وهو قول الظاهرية وبعض أهل الحديث: أنه يقتصر على المذكور في الحديث فقط. وقال آخرون: يجوز إخراج من غير الخمسة إذا كان لا يتيسر له ذلك، ولكن يخرج من غالب قوت البلد، وهذا قول ثالث. والصحيح ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هنا، وهو قول جمهور أهل العلم: أنه يجوز الإخراج من غير الخمسة، ولو وجدت هذه الخمسة. وإن كان الأفضل: انظروا فرقًا نقول: يجوز؛ فإنه ينافي المنع، وبين أن نقول: أنه لا يجوز، ثم يستلزم من ذلك الترتيب في مسألة الأفضلية. فقولنا: لا يجوز، لا ينافي أن الأفضل هذه الخمسة، إذا كان هذا أنفع للناس بهذا القيد؛ لأنه قد قائل يقول: كيف نخرج على النص؟ نقول: نخرج على النص إذا كان الأنفع غيره. فمثلًا: اليوم لو أن إنسان ما عنده إلا تمر أو أقط أو شعير، هل هذا الأفضل للناس؟ وعنده أرز يوجد بعض الناس فقراء ما عنده إلا الذي في البيت، ما يستطيع يشتري، فهو ليس عنده ببيته مثلا إلا تمر، ربما تيسر له في رمضان وقل مثلا الشعير والأقط. لو لم نقل إلا أنه مثلا عنده تمر ورز، فأيهما أنفع للفقراء أن يخرج لهم تمر أو يخرج لهم من الرز؟ لا شك أنه من الرز. ولهذا نص شيخ الإسلام ابن تيمية على الرز خاصة؛ لأن الأرز مما يقتات به الناس وينتفعون به، وهذا هو الصحيح: «يجزئه في الفطرة من قوت بلده مثل الأرز». وقال: «من قوت بلده»؛ لأنه هو المعنى المقصود من ذكر هذه الخمسة، فكانت هذه الخمسة هي غالب قوت الناس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أكثر الناس إما أن يأكلون من البر أو يأكلون من الشعير أو يأكلون من التمر أو من الزبيب أو من الأقط. ولهذا يصح أن يقال: أن هذا خرج مخرج الغالب المعتاد، ولم يخرج مخرج التقييد والتخصيص، وهذا هو الصحيح. فإذا كان الغالب قوت الناس مثلا مثل هذا الزمان الأرز، جاز أن يخرج الأرز، وينظر في هذا الأصلح والأنفع للناس. وقد يكون في بلاد أخرى شيء آخر هو طعام وقوت الناس، فيخرج من ذاك الآخر الذي هو طعام وقوت الناس. ومما يؤيد ذلك: ما نقل بعض أهل العلم إجماع الصحابة، وبعضهم قال: ليس بإجماع، إنما اتفاق على جواز إخراج الزكاة من غير هذه الخمسة. مما يؤيده: ما وقع من خلاف بين الصحابة في قضية، وسيأتي الإشارة إليها إن شاء الله: إخراج نصف الصاع من السمراء مكان البر، والسمراء نوع من الطعام جيد لم يكن يعرفه أهل الجزيرة، وإنما عرفه الناس حين فتح الله عز وجل عليهم بلاد المسلمين من أرض العراق والشام نحوها. يعني فتح الله عز وجل عليهم بلاد أخرى دخلت على المسلمين فعرفتهم بأشياء، فلكونها بذرة ثمينة اجتهد بعض الصحابة فرأى أن فيها -كما روي عن معاوية رضي الله عنه- نصف الصاع، والأصل أن زكاة الفطر صاع. فأنكر عليه بعض الصحابة، وهذا هل هو بالنص أو بغير النص؟ هذه مسألة أخرى، لكن الشاهد: أنهم لم ينكروا إخراج الزكاة منها، وهذا يدل على أنه يجوز أن يتعدى هذه الخمسة. قال رحمه الله: «وقول أكثر العلماء ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة»، يعني: «وقول أكثر العلماء» تابع لما قبله، فالأولى أن يوضع في الصف والسطر الذي قبله. «فقول أكثر العلماء»: أنه يجوز إخراج زكاة الفطر من القوت المعتاد في البلد، وكل بلد لها عرفها وقوتها المعتاد ما دام أنه قوت يقتات به فنعم، بخلاف ما يتفكه به فإنه لا يجوز أن يخرج منه. وأما قوله: «ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة»، وذلك لأن الذي يستحق الكفارة هو المسكين، قال الله عز وجل: ﴿فَإِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. والتقييد بالمسكين يجيز الأولى، ولا يجيز من هو ليس كذلك، فيجوز الفقير من باب أولى، ولكن ليس مثل الزكاة، يجوز للمؤلفة ويجوز للعاملين ونحوهم، الزكاة أوسع. أما الكفارة فهي أضيق، الكفارة أضيق، أي كفارة اليمين، ومثل كفارة اليمين زكاة الفطر، وذلك لما جاء عند الحاكم والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الفطر: «هي طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين». وهذا هو الشاهد، قوله عليه الصلاة والسلام: «طعمة للمساكين»، فليست هي لكل من تصح في حقه الزكاة، وإنما هي في حق المساكين، ومن باب أولى الفقراء. ولهذا قال: «إلا لمن يستحق الكفارة»؛ لأن نص القرآن أن الكفارة للمساكين، وبه نعرف خطأ ما يفعله الكثير من الناس، إذ يتهادون كأنه هدية، صارت يتهادون الفطرة، هذا الجار يعطي لهذا الجار، وهذا الجار يعطي لهذا الجار، خلاص ما يريدون يتعبون فقط من الباب إلى الباب، ومن النافذة إلى النافذة، وربما هذا الذي يدخل هو الذي يرجع الكيس يخرج من هنا ويرجع من هنا نفس الكيس، وهذا خلاف الصواب. فالصواب أن يعطى لمن يستحق، وليس لأي إنسان، والمستحق هو المسكين ومن كان دونه، والمسكين هو الذي ليس عنده ما يقيت نفسه في عامه، يعني قد تمر به شدائد ويحتاج، سواء للقوت أو لغيره. ولا يمنع أن يكون المسكين عنده تجارة أو يملك أملاك ولو كان كذلك، فالله عز وجل سمى أصحاب السفينة مساكين، مع أنهم يملكون سفينة، وقد يكون صاحب البقالة مسكين، وقد يكون صاحب الوظيفة في أي شركة أو جهة حكومية أو غيرها مسكين، وقد يكون مالك سيارة الأجرة مسكين ونحو ذلك؛ لأنه لا يجد ما يكفي نفسه في عامه. بخلاف الفقير فهو أشد، قال: «وهو من يأخذ لحاجته لا في الرقاب والمؤلفة قلوبهم وغير ذلك»، يعني: أن الزكاة لا تخرج زكاة الفطر لا تخرج كالزكاة، فالزكاة أوسع. وأما زكاة الفطر فهي أضيق، ولهذا قال: «وهو من يأخذ لحاجته» أي لحاجته فقط، بخلاف في الرقاب يخرج لأجل عتق الرقابة، والمؤلف يخرج له لأجل أن يدفع شره أو يدخل إليه خير الإسلام ونحو ذلك مما جاء في الزكاة، فالزكاة أوسع، وليس كذلك في زكاة الفطر. قال: «ويجوز دفعها إلى فقير واحد»، وهو مذهب أحمد، وهو الصحيح؛ لأنه لم يرد فيه قيد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «طعمة للمساكين»، سواء أكانت كثيرة لرجل واحد، يعني زكاة البيت مثلا كاملا يعطى لرجل واحد يجوز إذا كان فقيرًا، أو كذلك يجوز أن يكون الصاع الواحد للشخص الواحد يعطى لجماعة، كذلك هذا يجوز؛ لأنه لم يرد فيه قيد. والأصل وعدم التقييد والتفريد هذا مما جاء في زكاة، وفي أمر الكفارة، فإن الله عز وجل قال: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فعلم أن الأصل هو عدم القيد، وإذا أريد القيد وضع وجاء. قال: «وَلَا يُعْتَبَرُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مِلْكُ نِصَابٍ بَلْ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ صَاعًا فَاضِلًا عَنْ قُوَتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ»، وهو قول الجمهور. كذلك من هذا الذي تجب عليه الزكاة: زكاة الفطر، اختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح كما ذكر رحمه الله: كل من ملك ما زاد عن قوته صاعًا وجب عليه إخراج هذا الصاع. ولهذا قال: «بل تجب على كل من ملك صاعًا فاضلاً عن قوته»، وفاضلاً عن قوته يعني الزائد عن قوته، فإذا كان عنده صاع يزيد عن قوته وجب أن يخرج هذا الصاع. ودليل ذلك: ما جاء في حديث ابن عمر، الإشارة إليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين. فقوله: «العبد والحر» دل أنه حتى الفقير يخرج إذا وجد وملك هذا الصاع بعد قوت نفسه. وقوله: «يوم العيد وليلته»؛ لأنه هو الوقت المستحب، وهل معنى أنه لا يجوز أن يخرج قبل ليلة العيد ويوم العيد؟ الصحيح أنه يجوز. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر موقوفًا: أنهم كانوا يخرجونها قبل العيد بيوم أو يومين، وهذا هو الأفضل والأكمل. وهل يجوز أن يخرج من أول الشهر؟ في هذا خلاف، والأحوط إخراجه كما تقدم قبل العيد بيوم أو يومين. ولو أخرجه قبل ذلك جاز على الصحيح، واستدلوا له بقول ابن عمر في حديث النبي عليه الصلاة والسلام في رواية: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان»، فقوله: «من رمضان» هذه اللفظة استدلوا بها على جواز إخراج زكاة الفطر من أول شهر رمضان. وهذا قد يتوسع فيه ويرخص فيه إذا كان هذا في جهات يغلب على الظن أنهم لا يستطيعون إخراجها بأنفسهم، بعض المجتمعات تبتلى بشيء من الكسل والاعتماد على الغير، فهم يريدون أن يضعوا زكاة الفطر في أي جهة مؤسسة خيرية أو عند إمام مسجد أو نحو ذلك. ولا شك أنه لو قيل لهم: لا تخرجوا إلا في آخر يوم، كان هذا فيه مشقة على الجميع، مشقة على الآخذ وعلى المعطي وعلى المعطى، إذ يكون كله في وقت ضيق. تصور مدينة كبيرة بعضها تصل بالملايين كلهم من المسلمين، كيف يكون حركتهم في الشراء وفي العطاء وفي الجمع وفي التوزيع في هذا الوقت الضيق والمشقة تجلب التيسير. فإذا كان المجتمع قد تعود على مثل ذلك، ليس كل أحد يقوم بذلك بنفسه، فإن المشقة تجلب التيسير، وهذا القول له أصل، وقد قال به أكثر أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «وإذا كان عليه دين وصاحبه لا يطالبه به أدى صدقة الفطر وقت وجوبها عليه كما يطعم عياله يوم العيد»، وهو مذهب أحمد. وهذه مسألة أخرى: هل من عليه دين تسقط تسقط عنه زكاة الفطر؟ الصحيح: لا، ما دام أن صاحب الدين لا يطالبه به، أي دين مؤجل. فإن كان دين معجل لا شك أن أداء الدين وتخفيفه من قيمة هذا الصاع هو المقدم على إخراج هذا الصاع. فإن كان مثل هذا يتسامح به وجرى العرف بالتسامح بمثله فيجب عليه أن يخرج هذا الصاع صدقة الفطر، وهذا يفهم من عمومات النصوص. قال: «ومن عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه ثم أيسر فأدىها فقد أحسن»، وهذه مسألة أخرى: إذا عجز عن صدقة الفطر وقت الوجوب، ووقت الوجوب هو في شهر رمضان إلى ما قبل صلاة العيد، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»، حديث ابن عباس، وهكذا كذلك جاء معناه في حديث ابن عمر وغيره. فإذا لم يستطع في وقت الوجوب، هل يجوز أن يؤديها بعد؟ في هذا خلاف من أهل العلم، من قال: لا، ولا تصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»، وهذا هو الصحيح أنه لا يجب عليه. وأما أن يخرجها صدقة فنعم؛ لأنه قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن أداها بعد الصلاة فصدقة من الصدقات»، فإذا أحب أن يتصدق على نفسه بذلك فعل، وهو لا يجب عليه؛ لأنه لم يكن عنده ذلك وقت الوجوب. وقد قال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، وهذا لم يؤتَ. وهنا يأتي سؤال يكثر السؤال عنه: في يوم العيد يأتي إنسان بعد الصلاة ويقول: نسيت أن أخرج زكاة الفطر، جهزتها ووضعتها بجانب الباب أو ربما يقول: وضعتها في السيارة على أني إذا خرجت سأضعها في بيت فلان المستحق، فنسيت مع ربكة يوم العيد ذهبت إلى الصلاة وصليت، وبعد الصلاة تذكرت أني لم أخرج هذه الزكاة، هل يجوز أن أخرجها بعد الصلاة ويجزي عني؟ الجواب: نعم؛ لعموم الأدلة في باب النسيان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ومثله كذلك: إنسان أراد أن يخرج زكاة الفطر فمرض قبل العيد بيوم أو يومين، وأهل البيت لا يدرون أنه لم يخرج زكاة الفطر أو أخرج، فشغلوا بمرضه، بعد العيد تذكر: أنا لم أخرج الزكاة، كيف أفعل؟ يخرج الزكاة؛ لعموم هذا الحديث. كذلك رجل أخطأ أعطى إنسان الزكاة ليعطيها إنسان آخر فحصل خطأ فرجعت الزكاة إليه، ماذا يصنع؟ هل يجوز أن يخرجها؟ نعم؛ لعموم الحديث المتقدم. وإذا كان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصلاة -وهي أعظم- «من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها إذا ذكرها»، فكذلك الزكاة من نسيها فوقتها إذا ذكرها، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: «ومن عجز عن صدقة الفطر»، هذا أخذنا، قال: «وقدر الفطر صاع من التمر والشعير، وأما من البر فنصف صاع»، وهو قول أبي حنيفة، وقياس قول أحمد في بقية الكفارات. أما بالنسبة للمنصوص عليه فلا خلاف: أنه فيه صاع؛ لنص حديث ابن عمر وأبي سعيد وغيرهما في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير»، وفي حديث ابن سعيد: «أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط» الحديث. فقوله: «صاع» فيه تقدير هذه الزكاة والصدقة أنها تكون صاع، والصاع أربعة أمداد، وهو يعادل بالوزن تقريبًا اثنين كيلو وقليل. والصحيح أننا لا نقدره بالوزن إلا إذا أخذنا بالاحتياط؛ لأن الذي ورد في الشرع هو الكيل، والكيل يختلف عن الوزن، فكيل التمر وزنه يختلف عن كيل البر، كيل التمر يختلف عن كيل البر، فالبر أثقل والتمر أخف. ولهذا قد تجد وزن التمر صاع التمر اثنين كيلو وأربعين، اثنين كيلو وأربعين جرام، بينما تجد بعض أنواع البر وزنه اثنين كيلو ربما ومئتين جرام. ولهذا قال بعض أهل العلم: الاحتياط أن يخرج اثنين كيلو ونصف؛ لأنه لا يدري هذا الإنسان ماذا سيخرج، هل سيخرج أرزًا؟ هل سيخرج برًا؟ هل سيخرج شعيرًا؟ هل سيخرج تمرًا؟ فلأجل أن يستوعب الوزن كل هذه المكيلات، قال من قال من أهل العلم بهذا الاحتياط: أن يخرج اثنين كيلو ونصف، فتقريبًا الصاع هو اثنين كيلو ونصف، وإن كان الغالب يكون أقل من ذلك. وأما البر فقد اختلف فيه الصحابة؛ لما روي في قصة عثمان أنه أمرهم أن يخرجوا في السمراء نصف صاع، وأنكر عليه أبو سعيد وجماعة من الصحابة ذلك. وذكر بعضهم روايات أحاديث تفيد أن ذلك لم يكن من معاوية رضي الله عنه برأيه، وإنما كان عنده شيء مرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه روي نحو ذلك عن بعض الصحابة. وأهل الحديث مختلفون في تصحيح هذا المرفوع، ولهذا الاحتياط أن يخرج الإنسان الصاع من الجميع، سواء من البر أو من غير البر، هذا هو الاحتياط. ولأنه جاء في رواية في صحيح البخاري -وهي لفظة صحيحة- قال النبي صلى الله عليه وسلم -قال ابن عمر في حديث النبي عليه الصلاة والسلام-: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من طعام». وجاء هكذا في حديث عفوا في حديث ابن سعيد، ليس في حديث ابن عمر، في حديث ابن سعيد قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا صاعًا من طعام»، والطعام يتناول السمراء وغير السمراء، فكل الحبوب تدخل في الطعام، وهذا هو الاحتياط. فقوله رحمه الله: «أن البر يخرج فيه نصف صاع»، هذا على قول بعض الصحابة، ومدام أنه وقع خلاف بين الصحابة في هذا، وعمومات الأدلة فيها ما يؤيد ذلك، وهو كذلك بمقتضى نفع الناس وعموم الدليل واللحاق بالغير، فالبر أولى بالزيادة من الزبيب والأقط. فلذلك يقال: الصحيح والاحتياط أن يخرج صاع من الجميع، لا فرق بين بر ولا غيره. وأما قوله: «قول أحمد في بقية الكفارات»، فهذا قياس، والقياس مع النص لا شك أنه يؤخر، والنص مقدم على القياس. هذا سائل يقول: اجتمع مال بلغ النصاب وهو مما يزكى ومعروف للتجارة وهو معروض للتجارة، هل يخرج زكاة أصل المال وزكاة العروض؟ كمن