الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 108، الدرس الثامن بعد المائة:من( قال الإمام أحمد رحمه الله:حدثنا عبدالرزاق ... كمحمد بن الحسن العسكري صاحب السرداب نعوذ بالله من الضلال ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل دلائل نبوّة النبي محمد من خلال إخباره عن الكذابين الذين يدعون النبوة قبل الساعة، حيث أخبر النبي عن ثلاثين كذابًا يخرجون قبل الساعة. هذا الإخبار يعد من دلائل نبوته وصدق رسالته.
يتناول هذا الفصل شرح حديث النبي حول استمرار الدين ببقاء ولاة الأمور الصالحين من قريش، ويبرز أهمية قريش في الإسلام وأسباب تفضيلهم على غيرهم في الخلافة. هذا التفضيل يرجع إلى أسباب تعينهم على الخير والتقوى.
يتناول هذا الفصل حكم خروج المرأة للسوق لشراء الملابس، ويشترط لذلك أمن الفتنة ووجود حاجة. كما يتناول ضبط البيع والشراء ومنع استغلاله من قبل المفسدين، حيث ينبغي ضيق هذا الباب قدر المستطاع.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي بكرة، قال: أكثر الناس في مسيلمة قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئًا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا، فقال: «أما بعد، ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم فيه، وإنه كذاب من ثلاثين كذابًا يخرجون بين يدي الساعة، وإنه ليس من بلدة إلا يبلغها رعب المسيح، إلا المدينة، على كل نقب من أنقابها ملكان يذبان عنها رعب المسيح». قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. ثم علق الشيخ، قال: كذا قلت مغترًا بظاهر السند، ثم وجدت الحاكم، رحمه الله، يقول في «المستدرك»: إن طلحة لم يسمع من أبي بكرة، وإنما سمعه من عياض بن حماد، قلت: وعياض مجهول، فالحديث ضعيف. هكذا عندكم في الطبعة الجديدة. فبهذا تراجع من الشيخ لتصحيح هذا الحديث بسبب الانقطاع فيه، والواسطة ليس مما يصح الحديث بمثله، فهو مجهول كما ذكر، رحمه الله. وأصل ذكر مسيلمة الكذاب ثابت، أي: أنه كذاب من الكذابين الدجالين، أحد الثلاثين الذين أخبر بهم نبينا عليه الصلاة والسلام. ومرت معنا أحاديث كثيرة تدل على ذلك، ومر معنا فيما تقدم أن ذكر الثلاثين قيل: المراد والمقصود عين العدد، فيكون المراد به الرؤوس التي يكبر ويكثر الفتنة بها، وإلا فهم في الواقع أكثر من ثلاثين. وبهذا قال جماعة من أهل العلم. وقال بعضهم: أن المراد بثلاثين ليس عين هذا العدد، ولكن المراد ذكر الحد الأدنى، فيكون الأعلى من باب أولى. وهذا كثير في لسان العرب أن يذكر الحد الأدنى، ويراد أن ما فوقه من باب أولى، فيكون المقصود عدد كثير لا يقلون عن ثلاثين. وهذا تفسير آخر يزول معه الإشكال فيما قد يراه الإنسان في واقع تاريخ الناس، إذ كان مدعو النبوة أكثر من ثلاثين، فيكون معنا على التفسير الثاني: سيدعي النبوة كثير لا يقلون عن ثلاثين. وهذا علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا حماد بن خالد، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد، قال: سألت جابر بن سمرة عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الدين قائمًا حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، ثم تخرج عصاب من المسلمين، فيستخرجون كنز الأبيض، كسرى وآل كسرى. وإذا أعطى الله تبارك وتعالى أحدكم خيرًا فليبدأ بنفسه وأهله، وأنا فرطكم على الحوض». قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم، وقد أخرجه في صحيحه. وقد كتبته بغير هذا الموضع، ونبهت هناك أن الرافضة قد استغل التوزيع لإمامة بل على بعض المعدومين، كمحمد بن الحسن العسكري، صاحب السرداب. نعوذ بالله من الضلال. ومعنى المعدومين: أي الذين هم خيال، فهم ينتظرون خروج محمد بن الحسن العسكري من السرداب الذي اختفى فيه. وهذا الحديث كذلك الشاهد منه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للكذابين الذين يخرجون بين يدي الساعة، وهنا لم يحدد العدد، وهذا يؤيد ما تقدم. فالمقصود أن من دلائل نبوته وعلامات صدق رسالته عليه الصلاة والسلام إخباره بهذا الأمر الغيبي، فوقع بمثل ما أخبر، فإنه قد صح أن الواقع أكد. وكذلك برهن صدق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من وجود هؤلاء الكذابين الذين يدعون النبوة، وهم كثير. وكونه عليه الصلاة والسلام أخبر بهذا الأمر الغيبي، فوقع بمثل ما أخبر، مع نظائر كثيرة من هذا الباب، يخبر بأشياء غيبية عليه الصلاة والسلام، فتقع بمثل ما أخبر، هذا يدل أنه لا يقول ذلك إلا عن وحي أوحاه الله عز وجل إليه، فإن العلم بالغيب من خصائص الله، ويختص به من يشاء من رسله. عالم الغيب، فلا يحيط بغيب أحد إلا من ارتضى من رسول. وهكذا كذلك في هذا الحديث مسائل أخرى من أهمها: بيان أن هذا الدين لا يزال قائمًا ما قام فيه ولاة أموره فيهم، أي: بالحق. ومن ذلك وجود اثني عشر خليفة من قريش. وفيه فضل قريش، فإن الخلفاء كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام يكونون من قريش، يعني هذا هو الأولى والأكمل، فالأولوية لهم، فإن لم يكن قرشيًا فأخيروا الناس وأقربهم وأفضلهم، أي: إلى الحق. وإلا فالأولوية للقرشي، لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من غير وجه أن لأمة من قريش. قد يقول قائل: لماذا؟ الجواب: أولًا: سلم الله سبحانه وتعالى أعلم رسوله بهذا الأمر الذي ليس هو عن هواء، ولكنه عن وحي أوحي إليه، سواء علمت بالعلة أو لم تعلم بالعلة. والأمر الثاني: كما ذكر أهل العلم أن لقريش خصائص ومزايا، فهم أهل بيت الله. وفي الغالب أن من كان صاحب دين من أهل البيت سيكون أقوى دينًا وأكثر علمًا، وهذا هو الغالب إلى يومنا هذا. فلا يزال الدين باقيًا ببقاء حملته من أهل قريش والأقرب فالأقرب. وأنتم ترون كيف يتفاوت الناس في الإسلام في هذه الأرض، وكلما كان الناس أقرب إلى بيت الله الحرام كان الدين أقوى في الغالب. وهذا إلى يومنا هذا، وكم مضى على هذا الدين أكثر من ألف وأربعمائة عام. قارن بين مظاهر الإسلام في سائر بلاد الناس، وانظر في أي موضع من المواضع يكون الدين أظهر وأقوى، ستجدون أنه ماذا في مكة والمدينة؟ هذا هو الغالب. فهذا معنى من المعاني التي ذكرها العلماء، إضافة إلى مزية ذكرت في أهل قريش، وذلك أن الله عز وجل إذا وفق أحدهم للهداية والاستمساك بدينه، فإنه يزداد مع خيرية الله التي فطر في هؤلاء خيرية الدين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا». قد يكون الإنسان في جاهليته فيه شيء من الخيرية، يعني: مثلًا فيه سكينة وحسن خلق وفطرة مستقيمة، فإذا أسلم مثل هذا الإنسان يزداد فوق خيره خيرًا. وهذا في الغالب العم، وليس دائمًا، لكنه هو الغالب. فإذا كان كذلك، فإسلام من هو الأولى والأكمل إسلام من كان في جاهليته سفيهًا بطالًا متجبرًا، أو إسلام من كان في جاهليته على شيء من السكينة والعدل والإنصاف، لا شك أن الغالب لعم أن إسلام الأول سيكون أفضل من إسلام الثاني. وكذلك إذا علمت أن الله عز وجل جمع لبعض الناس بسبب قربهم من بيت الله الحرام، ومنهم قريش، صفات حسنة اكتسبوها بتعظيم بيت الله الحرام، فإذا هداهم الله عز وجل للاستقامة والإسلام والسنة، فهم أهدى من غيرهم في الغالب، وأكثر تعظيمًا لحرمات الله في الغالب. فهذا المعنى مع معاني أخرى كثيرة كانت سببًا في تقديم قريش على غيرهم. ونحوه كذلك وقريبًا منه ما جاء في فضل العرب على غيرهم. ولا يعني ذلك نفي لما جاء من أدلة أخرى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، لا هذا هو الأصل، لكن كريم وكريم، وتقي وتقي، كلاهما كريم وتقي، لكن هذا كان له أسباب تعينه على أن يكون له تقوى وكرم أكثر، بسبب ما وفقه الله عز وجل إليه من أسباب تعينه على ذلك. فلا يستوي مثلًا من عاش في بيئة مليئة بالشرور والفساد، لا تعينه على استقامة خلقه، ولا كذلك على تهذيب أفعاله، وآخر وفقه الله لموضع يعينه على ذلك، فإن الثاني لا شك، وكلاهما إذا أسلم وحسن إسلامه، سيكون أحدهما في الغالب متفضلًا على الآخر، لما كان لأحدهما من مزية تعينه أكثر على الخير. وهذا ينبغي أن ينتبه له، فلأجل هذا ولغيره كانت بعض الخصائص، وليس هو في الغالب، وإلا وربما يكون قرشيًا وهو من أخبث الناس، فهذا عم النبي عليه الصلاة والسلام، أنزل الله عز وجل فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام، فلم ينفعه نسبه ولا كونه من قريش، لكن المقصود فيما إذا استوت الفضائل، ففي الغالب يكون لمثل ذلك مزية. وفي الحديث كذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من خروج العصابة والطائفة من المسلمين التي توفق لاستخراج كنز كسرى، وهذا وقع بعده عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك وقع في زمن عمر، رضي الله عنه وأرضاه. وفيه كذلك من المسائل حث النبي عليه الصلاة والسلام لمن وفقه الله لخير من خير الدنيا أن يبدأ بنفسه وأهله، ومن باب أولى خير الدين. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، والأقربون أولى بالمعروف، فمن وفقه الله عز وجل لخير من خير الدنيا والآخرة، فليبدأ بنفسه وأهله الأقرب فالأقرب. وقوله: «وأنا فرطكم على الحوض»، فيه إثبات الحوض على ما جاء في وصف الأحاديث الكثير عنه عليه الصلاة والسلام، وأنه يتقدمه عليه الصلاة والسلام، ويتضمن ذلك إحسان العمل، فإن عدم الإحسان في العمل من أسباب حرمان ورود الحوض المورود الذي يحرم الورود إليه، وتطرد الملائكة كل من غير وبدل. والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام يحذر بعض أمته التي قد تغير وتبدل، فيكون سببًا في حرمان ورود الحوض المورود، على ما فيه من فضل عظيم. ومن هذا التغيير والتبديل ما يتعلق بأمر العطاء، فلا يصرفه في وجهه، ولا يضعه في موضعه. فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. هذا السائل يسأل، يقول: هل يجوز لطالب العلم أن يأخذ زوجته إلى السوق لشراء الملابس؟ وهل يجوز أن يأذن لها أن تذهب مع أختها إلى السوق؟ يجوز الأول إذا أمنت الفتنة وكان في خروجها حاجة، وإلا فالأصل ينبغي أن يغطي الرجل هذه الحاجة، لكن إذا كان لا يستطيع أن يؤدي هذه الحاجة، وتحتاج المرأة أن تنتقي مثلًا بعض الأشياء وهي كثيرة، والزوج غير موفق في اختيار المناسب، مثلًا على أنه ينبغي مع كثرة عشرته لأهله أن يعرف ذوق امرأته حتى يكفيها من الخروج إلى السوق. يعني مثلًا في الملابس يعرف أنها تحب النوع الفلاني، الملابس كثيرة، صحيح، لكن مثلًا مالت إلى ما يسمى بالأرواب الخليجية مثلًا، خلاص إذن هو ينتقي من هذا دون غيره، إذا علم أنها ترغب في هذا فلا حاجة لخروجها. كذلك يعلم أنها ترغب في الألوان التي تعتني بها، إذن هو يعتني بتلك الألوان والشكل والتطريز المعين الذي ترغب فيه. وربما يكون هناك وصف أخص مثل ما يسمى بالدراعات، خلاص يذهب مباشرة ويشتري هذا الشيء المعين، ويكفيها من الخروج. وتعرفون الأدلة الشرعية تحفظ المرأة على لزوم بيتها، ليس كما يقول الكافرون والفاجرون والمنافقون: تضيع لحقوق المرأة وكبت لها، ولكن صيانة لها. فالمرأة في الإسلام جوهرة ثمينة يحرص الإسلام وأهله على المحافظة عليها. أما هي عند الكفار والفجار والمنافقين سلعة رخيصة مبتذلة للتجارة، لا ترد يد لامس، ولا تمنع عين ناظر. وليست كذلك عند أهل الإسلام، بل هي مصونة محفوظة. فلذلك لا تخرج إلا لما لا بد منه. فإن كان كما قلنا لا يستطيع، فلا بأس أن يخرجها إذا لم تكن مفسدة، وتنتقي وهو يخاطب البائع ويأخذ ما يريد، وإذا انتقت رجعت. إذا كان عنده سيارة إلى السيارة، أو اجتنبت في جانب تبتعد عن الرجال ومرورهم، ويتم هو البيع، ويأخذ السلعة ويمشي. وأما القسم الثاني: هل يجوز أن يأذن لها أن تذهب مع أختها؟ الجواب: إذا لم تكن فتنة كذلك، وكان في خروجها حاجة، فلا بأس. كأن تذهب مع أختها مثلًا إلى امرأة تبيع، يوجد مثلًا في بعض الأماكن البائعات نساء، فتحتاج المرأة أن تنتقي بنفسها بعض الأشياء، ولا يكون هناك فتنة، فلا بأس. أو اضطر الأمر إلى الذهاب إلى رجل، لكن معهم طفل صغير سيكون واسطة، كأن يكون الزوج مثلًا مشغولًا، ووجدت الحاجة الملحة لذلك، ولا فتنة، فكذلك هذا جائز. ولا يزال البيع والشراء من لدن زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، لكن لا شك أن هذا الباب ينبغي أن يضيق قدر المستطاع حتى لا يستغل مثل هذا بعض المفسدين. والله المستعان.