الدرس في كتاب الصيام 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح أحوال صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان واستحباب عدم تفويت شهر دون صيام. يستند الشرح إلى أحاديث من عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويتنوع في صيامها. يشرح المقطع كيفيات صيام التطوع وأفضلية صيام الأيام البيض وغيرها.
يشرح فضل صيام شعبان وأسبابه كاستعداد لرمضان وتطوعًا يجبر نقص الفرائض. يذكر أيضًا أهمية الموازنة بين الطاعات ومراعاة الحقوق والظروف الشخصية.
يتناول فضل صيام يوم وإفطار يوم كصيام نبي الله داود عليه السلام ويعتبره أفضل الصيام. يحدد الحد الأقصى للعبادة في الصيام بألا يتعدى نصف السنة.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الصيام من "اللؤلؤي والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الباهي بن عمر بن مرعي العدلي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي مجموعة من المسائل فيما يتعلق بكتاب الصيام. من هذه المسائل ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، شيئًا من فضائل الصيام. فمن يذكر لنا بعض الجمل في بعض الأحاديث في فضائل الصيام؟ من يذكر؟ الصيام جنة، ما معنى جنة؟ وقاية، شيء ثاني، والستر، وثالث، وقاية والستر وماذا؟ حماية. نعم، طيب. ومر معنا كذلك من فضائل شيء آخر. من يأتي؟ من فضائل شيء. نعم، نعم، للصائم فرحتان: فرح عند فطره، وفرح إذا لقي ربه، فهذا من فضائل الصيام كذلك. ومن فضائل الصيام كذلك، ها، نعم، دخول الصائم من باب الريان. نعم، ولماذا سمي باب الريان؟ نعم، جزاء من جنس عمله. نعم، كذلك من الفضائل، نعم، يباعد الله وجهه عن النار بقدر أعماله الصالحة، كلما زادت الأعمال زاد البعد. كذلك من الفضائل، مضاعفة الحسنات بأكثر من غيرها، فإن الله يجزي في الصوم أكثر من سبعمائة ضعف، وهذا يفهم من الحديث. كذلك من الفضائل، نعم، خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. كذلك من الفضائل، نعم، نعم، نعم، ذكر أنه أجر خاص زائد عن أجر سائر الأعمال، أكثر من سبعمائة ضعف. شيء آخر، نعم، شيء آخر، ها، ذكر شيء آخر، نعم، نعم، نعم، صحيح، أحسنت، أنه يكون له لجامًا عن الوقوع في الشرور والآثام، لحديث المسعود، ومعناه هنا بقوله: "فلا يرفث ولا يفسق"، يعني مما يعينه على عدم الرفث والفسوق الصيام. نع. ومر معنا من المسائل، فضل الصيام في سبيل الله، وفسر "في سبيل الله" بتفسيرين: ما هما؟ نعم، نعم، والثاني الجهاد، والثاني بطاعة الله مطلقًا. نعم، والصحيح الأول. نعم، ولا يمنع الأجر من الثاني. ومر معنا كذلك أن قوله: "سبعين خريفًا" يعني سبعين ماذا؟ سبعين ماذا؟ سنة. فمقصود "سبعين سنة" مبالغة في الكثرة. نعم، المبالغة في الكثرة. ولماذا ذكر الخريف خاصة؟ نعم، لماذا ذكر الخريف خاصة؟ ها، عند من؟ من عنده الجواب؟ فضل، نعم، لأن الخريف فيه في أوله الحر، وفي آخره البرد، ليذكر بحر وزمهرير جهنم، أعاذنا الله وإياكم منها. كذلك الثاني، ها، الثاني، تفضل، نهاية الحياة التي ترى آثارها في الخريف، الخريف تذكر بنهاية هذه الحياة. والله عز وجل ضرب مثل الخريف في الأشجار وما يصيبها من الهشيم والحطيم، وهذا يكون أين؟ في الخريف. في الخريف، وتراه مصفرًا، هذا يكون في الخريف، يصفر ثم يصير هشيمًا وحطامًا، فهذا ضرب به مثل لانتهاء هذه الحياة، فيكون فيه عظة وعبرة. ومر معنا من المسائل أن أكل الناس وشربه وجماعه لا يفطر، هل هذه الثلاثة سواء عند أهل العلم؟ هل هذه الثلاثة سواء عند أهل العلم؟ نعم، من يجيب؟ فضل، بلال، نعم، الأكل والشرب باتفاق، والجماع فيه خلاف، وما هو الصحيح في الجماع؟ تفصيل. نعم، نعم، إذا وجدت قرينة تدل على النسيان فيقبل ويكون به الرخصة، وإذا لم تكن قرينة فإنه يكون على قول من قال: وعلى هذا يحمل ما روي على الإمام محمد وغيره بأنه لا رخصة فيه على عدم القرينة. وله قول آخر يرخص به، فنجمع بين الأقوال: أنه ما كان فيه قرينة فيرخص، وما لم يكن فيه قرينة فلا يرخص. ومر معنا القاعدة بين فعل المحظور وترك المأمور، ما هي؟ هذه القاعدة في باب النسيان والجهل. نعم، نعم، في ترك المأمورات يسقط الإثم ولا يسقط الحكم، وفي المحظورات يسقط الإثم والحكم. طيب، بقي سؤال: الحدث، لم يسقط فيه الإثم والحكم، فكيف نجيب عن هذا؟ الحدث. نعم، الصحيح أنه من باب المأمورات. نعم، طيب. قال رحمه الله تعالى: "باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان، واستحبابه ألا يخلي شهرًا عن صوم". عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم. فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيت أكثر صيامًا منه في شعبان". قال: "وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرًا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله. وكان يقول: خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا. وأحب الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما دوم عليه وإن قلت. وكان إذا صلى صلاة داوم عليها". وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما صام النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا قط غير رمضان. ويصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم". أورد المؤلف رحمه الله هذه الأحاديث الثلاثة في هذا الباب. والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة حكم الصيام أو خبر الصيام من النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان، واستحباب أن لا يخلي شهرًا عن صوم. فأفاد الباب ثلاثة مسائل: المسألة الأولى: الصيام في غير رمضان، أن الصيام ليس فقط في رمضان، بل في رمضان وفي غير رمضان. والمسألة الثانية: أنه يستحب أن لا يترك شهرًا من دون صوم، بل ينبغي أن يجعل له في كل شهر صوم يصومه حتى تكون له حسنات في كل شهر. والمسألة الثالثة: في صيام النبي صلى الله عليه وسلم، الذي سيأتي: أنه كان يصوم حتى يقولون: لا يفطر، ويفطر حتى يقولون: لا يصوم. وما يأتي من صيامه عليه الصلاة والسلام في الحديث، ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه مسائل من أهمها اختلاف أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه. فكان النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه له أحوال. ومن أحواله عليه الصلاة والسلام في صيامه: أنه كان يواضب على صيام أيام ويخلف في صيام بعض الأيام. فكان الغالب كما جاء في حديثه في صحيح مسلم وغيره: لا يدع صيام الاثنين والخميس، يعني الاثنين والخميس كان يداوم على صيامها. وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولكنه تارة يصومها وتارة يتركها، جمعًا بين الأدلة. هاتان صورتان من صيامه عليه الصلاة والسلام. وكان أحيانًا يصوم زيادة عن هذه الأيام المذكورات، يعني الاثنين والخميس تصير في الشهر كم أيام؟ ثمانية أيام. وثلاثة أيام من كل شهر تصير كم أيام؟ إحدى عشر يومًا. ولكنه أحيانًا لا يصوم ثلاثة أيام كل شهر، فيداوم عليه على وجه الدوام. كان أحيانًا يتركها، ولكن يصومها بثلاث كيفيات، وهي التي علم أصحابه أن يصومها الثلاثة أيام من كل شهر. تارة يصومها في أيام البيض، وما هي الأيام البيض؟ نعم، ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، وهذا كان الأكثر. وأحيانًا يصوم من كل عشرة أيام يومًا، العشر الأولى يصوم يومًا، العشرة الثانية يصوم يومًا، العشرة الثالثة يصوم يومًا. وهذه كيفية أخرى صحت عنه عليه الصلاة والسلام. معلم وأرشد بعض أصحابه فيها. الكيفية الثالثة: أن يصوم ثلاثة أيام من غير تحديد، إما في أولها، إما في وسطها، إما في آخرها، سواء الثلاثة البيض أو غير الثلاثة البيض. هذه ثلاثة كيفيات، وهذا الثالث ثبت بحديث أبي هريرة: "صم ثلاثة أيام من كل شهر". ما قال له: ما هي هذه الأيام الثلاثة؟ يعني ما تيسر لك، في أول الشهر، في وسط الشهر، في آخر الشهر، الثلاثة البيض أو من كل عشر يوم. فهذه ثلاث كيفيات كلها تصح في صيام ثلاثة أيام من كل شهر. وأحيانًا كان يصوم أكثر من ذلك. اختلف أهل العلم عن هذا الصيام: ما هو هذا الصيام الذي كان يزيده أكثر من ذلك؟ هل له قاعدة؟ منهم من قال: له قاعدة، ومنهم من قال: ليس له قاعدة. والصحيح أنه له قاعدة، هذه القاعدة هي أحد ثلاثة أمور، جمعًا بين الأدلة. الأمر الأول: أنه كان يحب عليه الصلاة والسلام أن يداوم على أعماله الصالحة، فإذا فاته شيء من صيامه مما كان يعتاده قضاه من الأيام الأخرى. مثلا جاءه ضيوف يوم الاثنين أو صار له عذر يوم الخميس، فإنه لا يترك هذا الخميس، بل يقضي هذا الاثنين وهذا الخميس في الأسبوع الذي بعده، مكان الأيام التي فاتته. وهذا يفهم من حديث عائشة، ومن غيرها من الأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي ما كان عليه من عبادات وطاعات في الصلاة وفي الصيام. ومنه الثلاثة البيض، كان يحرص على الصيام ثلاثة أيام من كل شهر، لا يتركها، لكن ينوع فيها، تارة ثلاثة البيض، تارة في أول الشهر أو في وسط الشهر أو في آخر الشهر، أو من كل عشرة أيام يومًا. وتارة يسردها كلها مع بعض، وهذا هو قول عائشة: "يصوم حتى نقول: لا يفطر". ما يدرون يقولون: ما شاء الله. واصل هذا الأسبوع، لكنه واصل لسبب، هذا السبب هو تغطية ما فاته مما تعود عليه عليه الصلاة والسلام. هذه الكيفية الأولى. الكيفية الثانية: أن يكون من الأشهر الذي يستحب كثرة الصيام منها، مثل شعبان. شعبان، صح عنه عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله أنه يستحب الإكثار من الصيام فيه. فشهر شعبان كان يكثر، كما جاء في حديث عائشة الذي سيأتي معنا. ولكن هل كان يصومه كله كما جاء في الرواية الثانية؟ "كان يصوم شعبان كله". الصحيح أنه لم يصم شعبان كله، بل قولها "كله" من باب التغليب، أي الكثير منه، حتى كأنه صام كله، بدليل الحديث الذي قبله: "قالت: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيت أكثر صيامًا منه في شعبان". معناه: يصوم في شعبان كثيرًا، لكن ليس كل شعبان. الأمر الثالث: صيامه في محرم، أحب الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على صيام شهر الله المحرم بقوله وبفعله. هذه ثلاثة كيفيات كان يصومها صلى الله عليه وسلم في أثناء السنة. وفي الحديث من المسائل كذلك: أنه لا يستحب صيام شهر بأكمله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله. وحتى كما قال العلماء: لا يشبه غيره برمضان، حتى لا تشبه الشهور الأخرى برمضان، فإنه لم يصم شهرًا كاملًا قط إلا رمضان. فغير رمضان يستحب ألا يصام كاملًا، حتى ولو كان على الإنسان قضاء يريد أن يقضيه. نعم، إلا في الواجب، مثل الكفارة. إلا في الواجب، مثل الكفارة. إنسان عليه كفارة صيام شهرين متتابعين، فإذن يصوم. أما في غير الواجب، فالصحيح أنه لا يستحب أن يصام شهر كامل. لماذا؟ قال العلماء: لأن ذلك ينافي الحقوق، ينافي حق النفس، وحق الزوجة، وحق الأطفال، وحق الضيف، وغيرها من الحقوق الأخرى، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الباب الذي بعده. وفيه من المسائل كذلك: فضيلة واستحباب صيام شعبان. واختلف أهل العلم في سبب ذلك. من هذه الحكمة التي ذكرها العلماء: ما جاء في حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أنه شهر بين رجب ورمضان يغفل عنه الناس، يعني شهر يغفل عنه الناس. وسمي شعبان شعبانًا لأن الناس يتشعبون في الشعاب فيه، قيل لطلب الماء، وقيل فرارًا من الأعداء، وقيل كذلك تجهيزًا لمواجهة الأعداء. لأن شهر رجب كان شهرًا محرمًا، فإذا دخل الشهر الذي هو ليس محرمًا، فكل قبيلة تتجهز للأخرى، يبدأ العداوات والأشياء من جديد، فيفرون في الشعاب فرارًا من الأعداء وتجهيزًا لأنفسهم كيف يستعدون لمواجهة الأعداء. وفي أثناء هذا الفرار يجمعون الماء والزاد، لأنه في الغالب إذا صارت الحروب، إيش يصير؟ يصير الحركة صعبة، يصير الحركة صعبة. وأكثر شيء يهم عندهم هو ماذا؟ الماء. فلذلك كانوا يتشعبون في جمع الماء كما ذكر عنهم، فلهذا سمي شعبان. ولأن الناس يشتغلون فيه بهذا، فإنه صار شهر غفلة. وهكذا كذلك لأن الناس غالبًا فيه يستعدون للتجارة، للحج، ورمضان، وغيره. ولذلك ترى حتى إلى يومنا هذا، أكثر شهر يشتغل فيه التجار هو إيش؟ شعبان. التجار كلهم مشغولون، وإن بضاعة رمضان تجي تبحث عن التجار، تجدهم مشغولين مثل النحل. لماذا؟ يستعدون لتجارة رمضان، يستعدون لتجارة رمضان. وقت الغفلة، العبادة يكون فيها أجر أعظم وأكثر. ولهذا نظائر كثيرة كما مر معنا في مجالس كثيرة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة ماذا؟ الليل". لماذا صلاة الليل؟ غفلة الناس في وقت غفلة الناس، فإن الصلاة فيها أجر عظيم. وهكذا كذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: "حين يكون آخر الزمان الفتن". قال: "يكون أجر الواحد منهم كأجر خمسين". فقالوا: "منا ومنهم يا رسول الله؟" قال: "بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعوانًا"، يعني أنهم لا يجدون، فيكونون في وقت انفراد وخلوة، فلذلك يضاعف لهم العمل والحسنات. وهكذا حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء". طوبى، قيل: جنة، وقيل: شجرة يخصها الله في الجنة، وقيل: غير ذلك. المقصود أن هناك جزاء خاص مضاعف للغرباء. من هم هؤلاء الغرباء؟ جاء خارج الصحيح تفسيرهم: "الذين يصلحون إذا فسد الناس". "الذين يصلحون إذا فسد الناس". فصار من أسباب المضاعفة: بعد الناس عن الخير وغفلتهم عنه، فاختص هؤلاء بهذا الأجر المضاعف. والأمر الثاني: أن رمضان كما قال بعض أهل العلم مثل نافلة، شعبان مثل نافلة رمضان. فكل فريض له نافلة، فصار نافلة رمضان في شعبان. وفائدة النوافل: أنها تجبر نقص وتقصير الفرائض، كما أن الصلاة لها نافلة قبلها وبعدها، يجبر نقصها ويصلح كسرها. فكذلك جعل الله عز وجل رحمة منه وحكمة لرمضان كذلك ما يجبرها، فجعل بعدها صيام ست من شوال، كما قال عليه الصلاة والسلام: "من صام رمضان ثم اتبعه ستة من شوال كان كصيام الدهر". فيجبر نقص رمضان بماذا؟ بالصيام في شوال. وهكذا صدقة الفطر، كما جاء بحديث بن عمر: "طهرة للصائم". كيف؟ لأن الصائم يحصل منه رفث وغير ذلك، فجعل طهرته بصدقة الفطر آخر الشهر. وهكذا كذلك قبل رمضان شعبان، ما فيه من الصيام، ما فيه من الطاعات والقربات، كذلك كذلك أنه يستعد فيه للطاعات في رمضان. ولهذا كان العلماء والقراء يستعدون بمراجعة القرآن لرمضان في شعبان، فكانوا يسمون شعبان "شهر القراء" و"شهر القرآن". فكانوا يتفرغون للقرآن في شعبان ليأتي عليهم رمضان وقد أتقنوا القرآن واستعدوا للصلاة بالقرآن فيه. وهكذا كذلك الصيام. الأمر الثالث أو الرابع: أنه كذلك فيه إعانة لمن بقي عليه شيء من القضاء أن يقضي في شعبان، لما يرى المسلم الذي حصل له العذر وتقصير، فلم يقضي: أن الناس في شعبان ما شاء الله يصومون بالتطوع، وهو عليه فريضة، فينشط أو لا ينشط؟ ينشط، يقول: الناس يصومون تطوعًا وأنا بقي علي فريضة، فإلى أين؟ أنا كسول، فيبدأ ينشط ويقضي ما عليه من صيام مع هؤلاء الذين يصومون في شعبان. وفيكون هذا تنشيطًا. ووجه آخر: أن الذي يصوم يعين أهل بيته. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: أنها يكون عليها القضاء من رمضان، فلا يتيسر لها صيامه أو قضاؤه إلا في شعبان. فمما يعينها على صيامه في شعبان: صيام النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان، لأنه جاء في الرواية الأخرى في صحيح مسلم: "قالت: فما كنت أقدر أن أصومه لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني". يعني أنها متزوجة، ويحتاج أن تكون قريبة من زوجها فيما يحتاجه الزوج. وفي حديث عائشة الثاني: "وأحب الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما دوم عليه وإن قلت". يعني أنه كان في صلاته مثل صيامه، كان في صيامه مثل صلاته، يحرص على أنه يداوم على الصلاة، فإذا فاته شيء من الصلاة قضاه. وإذا فاته شيء من الصيام كذلك قضاه. وقوله عليه الصلاة والسلام: "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". يعني: لا تثقلوا أنفسكم بالطاعات، لا تثقلوا على أنفسكم بالطاعات، ولكن يفعل الإنسان من الطاعات نشاطه. مثلا أنت عادتك تصوم الاثنين والخميس، عادتك تصوم الثلاثة الأيام البيض، جيت فوجدت أهل البيت كلهم مجتمعين وفرحين بانتهاء الدراسة، ويريدون أن يعملوا مثل الوليمة في البيت، أنت صائم، ما هو الذي يفرحهم؟ تفطر معهم. فإذن لا تشدد على نفسك، أفطر معهم وافرح أهل البيت بفطرك معهم، ثم اقضي هذا اليوم في وقت آخر. ثم اقضي هذا اليوم في وقت آخر. وهكذا كذلك جاءك أحد أيام البيض وأنت لم تتسحر، وكنت عطش، فتكلف على نفسك أنك تصوم، لا تكلف على نفسك. "عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". هذا مستحب ونافلة، أفطر، والدنيا بخير، والأيام قدامك كثير. وبعدها كذلك تأتي وتقضي ذاك اليوم الذي أفطرته. جئت من سفر، ثاني يوم من السفر، جاء الثلاثة البيض، تبدأ تحك رأسك، وزوجتك تحك رأسها، تقول: ما شاء الله، غدًا ستصوم البيض، إيش تقول لها؟ تقول لها: الدنيا بخير، الأيام مطروحة، سأفطر ثلاثة البيض، لأننا جئنا من سفر. وبعد ذلك الأيام أمامك كثيرة، تقضي ثلاثة أيام أخرى. "عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". يعني: ارفق بنفسك، ارفق بأهلك، ولا تفوت الأجر. ولهذا قرنت هذا الحديث بقولها: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من الأعمال من الصلاة ما دوم عليه وإن قلت". يعني: إذا فاته شيء عوضه، حتى لا ينقطع العمل الصالح الذي كان يداوم عليه، لكن ليس من شرطه أن تؤديه في نفس الوقت، ليس من شرطه أن تؤديه في نفس الوقت. فاتك نفس الوقت، اقضه في وقت آخر، اقضه في وقت آخر. هذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم. جاءه الضيوف كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين، فشغلوه عن راتبة الظهر، إن شغل مع الضيوف أكرمهم، جلس معهم، ففات وقت صلاة نافلة الظهر، هل تركها؟ ها؟ ما تركها، أعطى للضيوف حقهم من الإكرام، وبعد أن ذهب الضيوف وصل العصر، بعد صلاة العصر قضى راتبة الظهر. فإذن هو يداوم على الأعمال الصالحة، لكن كان يراعي الأصلح في أداء هذه الأعمال الصالحة. فإذا عارضها شيء بما لا ينافيها، قدم ذلك بحسب الأصلح، ثم قضاها في وقت آخر. وهذا هو قول عائشة: "كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم". يعني: الذي يأتي من السفر، إيش الذي يغلب على الظن؟ إذا كان واحد يعرف أن هذا الإنسان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، الغالب أنه ماذا؟ سيصوم. فإذن خالف الذي كان يظن أهل البيت، فأفطر، فقالوا: ما شاء الله، خلاص أفطر، البيت إذن الشهر الجاي سيفطر، فيأتي الشهر الآتي فيصوم الثلاث، فيقولوا: إذن لن يخلف، لن يترك الثلاث، فيأتي الشهر الذي بعده، يأتي ضيوف، يفطر، فهنا يصح إيش؟ يفطر حتى نقول: لا يصوم، ويصوم حتى نقول: لا يفطر. يعني معناه: يراعي المصلحة المعترضة، يراعي المصلحة المعترضة، جمعًا بين الأدلة. وفي حديث ابن عباس معنى ما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها: أنه كان ما يصوم شهرًا كاملًا إلا رمضان، ويصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم. وتقدم شرحه ومعناه في حديث عائشة رضي الله عنها وارضاها. قال رحمه الله تعالى: "باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقًا أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم". قوله: "باب إلى آخره"، أي هذا مدخل في معرفة النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به. ومعنى "صوم الدهر": يعني صوم السنة كاملة، فإن السنة تسمى دهرًا. أو فوت به حقًا، يعني ولو لم يكن صيام الدهر، لكن صام على وجه يكون به تفويت حق من الحقوق؟ حق البيت، الأسرة، الزوجة، الأبناء، الضيف، بل حق النفس كذلك، فلابد أن يراعي هذه الحقوق، كما سيأتي معنا في الأحاديث. أو لم يفطر العيدين والتشريق، لا يجوز صيام العيدين، فمن أراد أن يصوم يجب أن لا يصوم العيدين، لما تقدم من نهي النبي صلى الله عليه وسلم. والصحيح أن تحريم صيام يوم العيدين من النهي الذي تعلق بذات العبادة، فصيام يوم العيدين يبطل ولا يصح. والتشريق، الصحيح أنه يرخص فيه لعذر، مثل الذي لم يجد الهدي، كما جاء في حديث عائشة وغيرها. فالتشريق أنه فيه أخف من صيام العيدين. وقوله: "و بيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم"، يعني أن أفضل الصيام: صيام يوم وإفطار يوم، ولا أفضل من ذلك، كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: "عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار ولا أقومن الليل ما عشته". فقلت له: "قد قلته بأبي أنت وأمي"، يعني سأله النبي صلى الله عليه وسلم: أأنت قلت هذا؟ فقال: "قد قلته بأبي أنت وأمي"، يعني نعم، أنا قلت هذا، وحلفت على نفسي بهذا، فشدد على نفسه. قال: "فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر". يعني معناه: تصير الحسنة بعشر أمثالها إلى كم؟ ثلاثمئة. طيب، وإذا فعل ذلك كان صام الدهر، كأنه صام الدهر، لأن الحسنة ضاعفت بعشر أمثالها. قال: "قلت: إني أطيق أفضل من ذلك". قال: "فصم يومًا وأفطر يومين". قلت: "إني أطيق أفضل من ذلك". قال: "فصم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام". وفي رواية: "وكان أعبد الناس". فقلت: "إني أطيق أفضل من ذلك". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أفضل من ذلك". وفيه: الحد الأقصى للعبادة في الصيام، قال العلماء: الحد الأقصى للعبادة في الصيام ألا يتعدى نصف السنة، وليس نصف الشهر. فقول عائشة: "كان يصوم أكثره في شعبان"، معناه: أكثر من نصف الشهر، لكن هل هذا في كل السنة؟ لا، في بعض الأشهر، مثل ماذا؟ مثل محرم وشعبان، محرم وشعبان فقط، هذا الذي قد يصوم أكثره. أما باقي الشهور، فكان يصوم أقله. وإذا جمع صيامه عليه الصلاة والسلام كاملًا، فإنه لن يتعدى أن يكون أقل من نصف السنة، أقل من نصف السنة. وهذا هو صيام نبي الله داود عليه الصلاة والسلام: يصوم يومًا ويفطر يومًا. وهل المقصود بذاته يفطر يوم وصوم يوم؟ هذا الأفضل. فإذا عرض عارض فلا بأس أن يفطر أيام، ثم يقضي مكانها. مثلا إنسان يحب أن يصوم يوم ويفطر يوم، مرض أسبوع كامل، يقول: أنا الآن مرض، يقال له: إن تريد الرخصة فأجرك ثابت، لحديث أبي موسى: "يكتب للعبد ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا". فأنت والحديث البخاري وغيره: لك أجر الصيام، لأنك كنت تصوم، إذا مرض أجرك ثابت. يقول: "ما طابت نفسي، أريد أن أقضي الأيام التي علي في أيام المرض". يقال لك: "ذلك، لكن لا تتعدى لا تتعدى هذه الأيام حتى لا تصوم أكثر من نصف السنة"، حتى لا تصوم أكثر من نصف السنة، هذا هو العدل. قال رحمه الله: "وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل". يعني تصوم كل النهار وتقوم كل الليل. قال: "فقلت: بلى يا رسول الله". قال: "فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا"، يعني النوم. "وإن لزوجك عليك حقًا". وفيه دليل أن قلة النوم يضر بالعين، أن قلة النوم يضر بالعين. "وإن لزورك عليك حقًا". زورك يعني الذي يزورك من الضيف وغيره. "وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله". قال: "فشددت فشدد علي". يعني شددت أبى أن يقبل الرخصة التي رخص له النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي معنا في آخر الحديث أنه كبر سنه في آخر الوقت، فتمنى أنه قبل الرخصة من النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ لأنه أبى إلا أن يأخذ آخر شيء وهو إيش؟ صيام يوم وإفطار يوم مع اليمين، لأنه قال في أول الحديث: أنه حلف: "والله لأصومن". معناه حلف على نفسه أن يصوم هذا الصيام. فإذن صار مثل النذر. فلما كبر صار إذا مرض فإنه يقضي الأيام التي أفطرها، وصار في هذا مشق عليه، لكنه كره أن يترك شيئًا حلف فيه عند النبي صلى الله عليه وسلم. واضح؟