الدرس في كتاب الجهاد والسير 8، تابع غنائم الجيش . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الحديث عن أحكام الغنائم في الإسلام وتوزيعها على من حضر القتال مع استثناءات لبعض الأشخاص وتأليف قلوب على الإسلام. يشرح كيفية التعامل مع الغنائم قبل قسمتها.
يتطرق إلى تفاصيل أحكام الغنيمة، مثل جواز الانتفاع ببعضها قبل القسمة مثل الطعام، وتأليف القلوب بإعطاء هدايا لتحقيق مصالح الإسلام. كما يناقش حكم الأسرى وخيارات الإمام بشأنهم.
يناقش تحريم الغلول وأخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها مع استثناءات، ويتناول خيارات الإمام بشأن الأسرى. يتم التأكيد على أحكام الغنائم والأسرى في الإسلام.
يتم ختام الفصل الحالي بالتأكيد على العلم الإلهي بعبارة 'والله تعالى أعلم'. يشير إلى انتهاء الحديث حول أحكام الغنائم والأسرى.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال، ويجوز تنفير الإمام بعض الجيش، وللإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش. ومعناه: ومما يذكر مما يجوز من النفل ما للإمام الصفي. وأشار إلى دليل هذه المسألة، وقد اختلف فيها أهل العلم. ودليلها ما أشار من أدلة، وأكثر هذه الأدلة فيما ورد فيها شيء من الخلاف في صحته، ولذلك وقع الخلاف. لكن أكثر أهل العلم على إثبات هذا الحكم، وهذا الاستفاء والاستثناء لعموم ما ورد من حديث مرفوعة ومرسلة وموقوفة، فهي تدل أن هذا الباب له أصل. على أن بعضها بين المحققون وأهل معرفة المعرفة بالحديث بأنه معل، ولا يصح مرفوعا. فمثلا أشار رحمه الله إلى حديث دخول النبي صلى الله عليه وسلم، أو قوله: «كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها، فإذا فيها: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني زهير بن قيس، إنكم شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي، وسهم الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله». فقلنا: من كتب لك هذا؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث كما أشار في الشرح: فيه من كان سببا لتضعيفه، ومع ذلك بعضها للعلم يحسنه. وأشار في التعليق إلى تصحيح الشيخ الألباني رحمه الله للحديث، ورواية مراسيل كمرسل الشعبي، وهو مشهور، وفيه هذا المعنى: أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي، إن شاء عبدا، وإن شاء أمة، وإن شاء فرسا، يختاره قبل الخمس، يعني قبل التقسيم بالأخماس. ونحوه مرسل بن عون، ونحوه حديث بن عباس الذي أشار إليه. فهذه وغيرها تدل على أن هذا الباب له أصل. وأما حديث عائشة: «كانت صفية من الصفي»، فكما أشار: يعارضه حديث أنس في الصحيحين: «أن صفية كانت لرحي الكلب، ثم صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم». فما في الصحيحين أصح. وقد أعل بعض أهل العلم هذا الحديث كما نقل في العلل ومعرفة الرجال. فالخلاصة: نستفيد من هذا أنه قد خص للنبي صلى الله عليه وسلم سهم يعطاه قبل القسم، وأكثر ذلك كان يصرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوجه الخير وأبوابه. وعموم دليل القرآن يدل عليه، فضلا عن هذه الآثار المروية. فقد قال ربنا جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. فهذه تدل على ثبوت هذا الأصل. ثم قال رحمه الله تعالى: ويرضخ من الغنيمة لمن حضر. أي: يجوز للإمام أن يرضخ من الغنيمة لمن حضر. وأصل الرذخ: الرذخ هو العطاء غير المقدر، ولكنه العطاء القليل الذي يكافأ به من شارك في الغزو. وهذا العطاء قد يكون بعد القسم، بعد حصول الغنيمة، فيعطى عطاء غير مقدر بما تطيب به نفسه. وقد يكون مشروطا كالأجرة والجعل. وهذه أوجه ثلاثة فيمن شارك مع المسلمين ولا يستحق الغنيمة، إما لتخلف شرط الغزاة، كأن يكون كافرا، أو ممن لا تجب عليه كامرأة وصبي. فإذا كان كذلك، فإنه يعطى بأحد هذه الأوجه الثلاثة إذا احتيج إليه، بشروط وضوابط، يعطى إما رضخا، عطاء غير مقدر، يكون عطاء قليلا، يكون به رضاء هؤلاء الذين أعطوا. أو يكون أجرة معلومة تحدد من قبل. أو كذلك جعل، فيقال له: نحن نستأجرك بأجرة بحسب عملك، إن كان كثيرا فكثير، وإن كان قليلا فقليل. وهذا الأصل دل عليه ما أشار من حديث ابن عباس، أصله في صحيح مسلم، فإنه سئل عن المرأة والعبد: هل كان لهم سهم معلوم إذا حضر البأس؟ يعني: وكانوا في القتال. فأجاب: إنه لم يكن لهم سهم معلوم، إلا أن يحذى من غنائم القوم. وفي لفظ: أنه كان يغزم بالنساء، أي: النبي عليه الصلاة والسلام، فيداوين الجرح، ويحذين من الغنيمة، ولا يضرب لهن بسهم. والحديث أصله في صحيح مسلم، وجاء في بعض ألفاظه ذكر الرضخ. ومن هنا أخذ العلماء حكم الرضخ. وجاء خارج الصحيح معناه بألفاظ كثيرة. وأشار إلى بعضها في الشرح، وفيه كذلك آثار ومراسيل وموقوفات تدل أن هذا الحكم له أصل. ثم قال رحمه الله تعالى: ويؤثر المؤلفين إن رأى في ذلك صلاحا. ومعنى يؤثر: أي من التفضيل والتمييز. وهذا من الجائز، فإن استئثار الأمير منه ما هو جائز، ومنه ما هو محرم ومن الظلم. فإذا كان من المحرم، فالواجب الصبر. وإن كان من الجائز، فالواجب الرضا، وتعليم الناس أن هذا مما أجاز وأذن الشرع به. وأشار إلى عدة أحاديث وأمثالها كثيرة مما تدل على هذا الأصل. ففي الصحيح من حديث أنس في البخاري وغيره، كما أشار: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم، أعطى أشراف قريش يتألفهم، وترك الأنصار والمهاجرين. وهذا كان في غزوة حنين. فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم عددا من أشراف العرب يتألفهم على هذا الدين، حتى وقع في نفوس بعض الأنصار فقالوا مقالة. فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في السقيفة في الحديث العظيم المشهور، فقال فيه عليه الصلاة والسلام مقالة بلغتني عنكم، إلى أن قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الأنصار، لعاعة من لعاعة الدنيا، تألفت بها قوما، ووكلتكم إلى إيمانكم. أما ترضون أن يذهب الناس بالشات والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟» إلى أن قال: «اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء الأنصار». فبكوا حتى أخضلوا لحاهم من البكاء، رضي الله عنهم أرضاهم. فالشاهد من هذا: قد يجتهد الإمام للمصلحة أن يتألف بعض الناس. وهذا التأليف كذلك دل عليه الشرع، وله مقاصد. فمن هذه المقاصد: جلب نفع، أو دفع ضر عن الإسلام والمسلمين. فمن المؤلفة: من قد يكون مسلما حديث عهد بإسلام، يقصد تأليفه وتحبيب الإسلام إليه. ومنهم من يقصد دفع الشر والضر الذي قد يأتي من قبله على المسلمين. فإذا تؤلف رضي، وإذا لم يتألف لم يرضى. فأمثال هؤلاء يتألفون لدفع شرهم. والصحيح: أنه ليس خاص بالمسلمين، بل يجوز حتى الكفار يجوز مع الكفار. فإن الكافر يجوز أن يتألف، إما يتألف لأجل يدخل بالإسلام. فإن معنى المؤلفة يشمل حديث العهد بالإسلام، وكذلك الذي لم يدخل الإسلام يؤلف ليحب الإسلام فيدخل فيه. فإنه ولو دخل لأجل الدنيا، فإذا خالط الإيمان بشاشة قلبه، وعمل بهذا الدين، عند ذلك تخلص نيته وتصلح طاعته. ومن الكفار من قد يعطى لدفع شره. وطبعا هذا بضوابط دلت عليها الأدلة الشرعية، نص عليها العلماء في تفاصيل كتب الفقه والحديث. وهذا يرجع للإمام وولي الأمر، يجوز له الاجتهاد في هذا. ثم ذكر كذلك حديث بن مسعود في عطاء النبي صلى الله عليه وسلم لبعض من كان من رؤوس العرب، فأعطاهم عطاء عظيما يتألفهم، كالأقرع بن حابس، أعطاهم مئة من الإبل، وعيينة وأناسا من أشراف العرب، كما أشار رحمه الله تعالى. والحديث في الصحيحين. وقوله رحمه الله تعالى: «قال إن رأى في ذلك صلاحا»، يعني: هذا ليس لهوى، ولكن لأجل ما فيه من مصلحة كما تقدم. وقوله: إذا رجع ما أخذه الكفار من المسلمين، كان لمالكه. وهذا يقيد على تفاصيل ذكرها العلماء، وسبقت الإشارة إليها في بعض دروسنا السابقة. الخلاصة في ذلك: أن يقال: هذا إذا لم يقسم المال، فهنا ثلاثة أحوال. من يذكرها؟ نعم، هذه ثلاثة أحوال ذكرها العلماء، ومرت معنا بدرس الاختيارات الفقهية لمثل هذا المال الذي أصله للمسلم، ويذهب بأيدي الكفار، ثم يرجع إلى المسلمين. الحالة الأولى: أن يرجع إلى المسلمين قبل قسمه، فهو أحق به من غيرهم. الحالة الثانية: أن يرجع إلى المسلمين فيقسم، فيقع في أيدي بعض الغانمين، فهنا هو أحق به، لكن بقيمته وثمنه، بقيمته أو ثمنه بحسب ذلك، إن كان يقوم أو له ثمن. الحالة الثالثة: أن يكون قد قسم وبيع وتفرق، فلا وجود له، فهنا ليس له شيء، ولا يلزم المسلمين أن يعوضوه شيئا. فهو مثل: ما إذا تلف بأيدي الكفار. فهذه ثلاثة أحوال. وعلى هذا جاءت أدلة وآثار ومراسيل، بمجموعها يفهم هذا الفهم، ويعرف هذا التفصيل. وأشار إلى معنى ذلك شيخ الإسلام التيميري رحمه الله في كتابه «المجموع» لاختياراته الفقهية. وأشار هنا في الشرح إلى حديث رواه الإمام مسلم من حديث عمران بن حسين: «أن العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيبت»، يعني: أخذت. فركبتها امرأة من المسلمين، ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كانت نذرت أن تمحرها إذا نجاه الله عليها، فنجاه الله بهذه الناقة. فأرادت رضي الله عنها أن تتقرب إلى الله بذبح هذه الناقة، ظنا منها أنها غنمتها من الكفار. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وفاء بنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد». يعني: الناقة ليست لكي. الناقة لمسلم. وما دامت لم تقسم، وهذا ظاهر القصة، فصاحبها أولى بها. ونحوه ما رواه البخاري وغيره في حديث ابن عمر: «أنه ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم». وأبق عبد له، فلحق بأرض الروم، وظهر عليهم المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يحمل على ما تقدم: أنه قبل القسم. وأما بعد القسم، فإنه يكون بقيمته أو ثمنه. وهذا جمعا بين الآثار والأدلة المروية في هذا الباب. وقوله رحمه الله: ويحرم الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة إلا الطعام والعلف. وهذا الصحيح فيه التفصيل، جمعا بين الأدلة كذلك المروية في هذا الباب. وخلاصة هذا التفصيل: أن يقال: إن كان ذلك مما لا تشح به النفوس، وهو مظنة الخراب والتلف، فهذا مما يحصل فيه التسامح، فيجوز الانتفاع به قبل قسمته. ومنه ما أشار إليه من أدلة في هذا الباب، كحديث ابن عمر عند البخاري وغيره: «كنا نصيب في مغازينا من العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه». يعني: لا نحفظه في الغنائم. من أصاب شيئا أكله. أصابوا أكل عنب أو عسل في أوعية الكفار، يأكلونها ولا يرفعونها في المغنم، لأن مثل هذا إذا رفع يتلف ويخرب في الغالب. ومثل هذا من اليسير الذي لا تشح به النفوس. وهذا التفصيل هو الذي تقتضيه عموم الأدلة المروية في هذا الباب. فإنه يقابله حديث رافع بن خديج في صحيح مسلم: «أنهم أصابوا إبلا وغنما من جهة تهامة». قال رافع: «فعجلوا أي القوم تعجلوا وذبحوا، ونصبوا القدور، فرآهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالقدور فأكفئت». وهذا فيه دليل على عدم جواز القسم على عدم جواز الانتفاع من الغنائم قبل قسمها. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور. وفيه: أنه قسم بعد ذلك. الحديث فيه قصة طويلة. ونحوه حديث ابن أبي أوفى في خيبر في الحمر الأهلية، وهو في الصحيحين. وجاء عن عدد من الصحابة. وقد اختلف أهل العلم: هل إكفاء القدور كان لكونها حمرا أهلية حرمت، أو كان لأجل أنها من الغنائم التي استعملت قبل قسمتها؟ وكل المعنيين قال به جماعة من أهل العلم. وسواء كان هذا أو هذا، فأصل منع الانتفاع بالمغنم قبل قسمه دل عليه حديث رافع بن خديج. وبعض الروايات حديث الحمر الأهلية في خيبر. ولا يمنع أن يكون كلا المعنيين لأجله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور. فجمعا بين الأدلة يقال بهذا التفصيل. فما لا تستشرفه النفوس وتشح به من الطعام الذي يغلب عليه الخراب، وأكثر الآثار المروية كما ترون من هذا الباب، فقد ذكر الجزر، وذكر العنب، وذكر العسل، ونحوه مما فيه المعنى المذكور. وأما الإبل والغنم، وما كان بمعناها مما يحفظ، وتستشرفه النفوس وتشح به، فهذا لا يجوز الانتفاع به قبل قسمه. ثم قال رحمه الله تعالى: ويحرم الغلول. والمراد بالغلول: هو أخذ شيء خفية من الغنيمة. فهذا لا يجوز، وهو من كبائر الذنوب. وأدلة تحريمه ظاهرة في الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وفي الصحيحين حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة صاحب الشملة، قال عليه الصلاة والسلام: «لما قال بعض الصحابة: هنيئا له الشهادة». قال: «كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم». فعلم أن الغلول يضر بالشهيد، وهو المقاتل، فكيف بغيره؟ يفسد عليه قتله في سبيل الله، فكيف بغيره؟ يعني: من الأحياء. وفي الحديث الآخر، وهو في الصحيحين كذلك، قال: «شراك من نار، أو شراكان من نار». يعني: نعلان من نار، لأجل ما أخذ من المغنم قبل قسمه، قبل قسمه. وهذا يؤيد ما تقدم من أنه لا يجوز أخذ كل شيء والانتفاع به. وإنما الشيء الذي لا تستشرفه النفوس، ولا يمكن حفظه وبقاؤه. وإلا فالنعل يسير، لكنه يحفظ ويبقى، فلا يجوز أن يأخذه إنسان، بل هو من الغنيمة التي تحفظ. وهكذا الأحاديث التي أشار إليها كذلك، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صاحب البردة التي غلها، أو العباءة، وغيرها كثير مما في هذا الباب. فالغلول محرم، ولا يجوز. وأشار إلى حكم الغال: أنه إذا وجد فيحرق متاعه، ويضرب. وروي في هذا الباب حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الأحاديث المروية في هذا الباب لم تصح مرفوعة. وصحت فيه آثار. صحح العلماء بها هذا الحكم على وجه التعزير. فقد صح موقوفا عن عمر بن عبد العزيز، وجماعة، بل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهذه الموقوفات والآثار المروية تدل أن هذا له أصل. وأصل التعزير في عقوبة المقاتلين له أصل. ومما يدل على هذا الأصل: قصة المدد في الصحيح، في صحيح مسلم، حين أعطي بعض السلب، ولم يعط البعض، فحصلت الشكوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكاد أن يعطيه. فلما تطاولوا على الأمير، منعهم. قال العلماء: فيه دليل على جواز العقوبة بمنع ما يستحق. وهذا من باب التعزير. فإذا كان كذلك، فمن باب أولى أن تكون العقوبة فيما إذا أخذ شيئا لا يحل له. إذا كان هذا في التطاول على الأمير، فكيف إذا أخذ شيئا لا يحل له؟ قال رحمه الله: ومن جملة الغنيمة: الأسرى. يعني: إذا حصل بهم الفداء، فالمال الذي يأتي بالفداء يدخل في الغنيمة. المال الذي يدخل بالفداء يدخل في الغنيمة. وقد تقدم معنى في تعريف الغنيمة: أنه المال المأخوذ من الحرب قهرا بقتال، وما ألحق به. ومما ألحق به: فداء الأسرى. فهو يدخل في الغنيمة. والأسرى يجوز فيهم أحد ثلاث، بحسب ما يرى الإمام فيه المصلحة: إما القتل، وإما الفداء بالبدل، وإما المن بالعفو. والبدل إما بأسرى من المسلمين، وإما بالمال، وإما بالمال الذي يكون غنيمة للمسلمين. ويدل على ذلك أدلة كثيرة، منها ما أشار إليها في قوله جل وعلا: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه عفى عن أهل مكة في عام الفتح. وهذا يرجح أن ما نزل من آيات في مسألة الأسرى: أنه منسوخ، أو أنه قضية عين، على أحد قولين لأهل العلم في ذلك. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال، كما في البخاري وغيره: «أن المطعم بن عدي لو كان حيا، فكلمه أي في الأسارى لتركهم». يعني: ولم يقتلهم. وهذا يدل أن هذا جائز له. وهذا هو الأسر. وأدلة هذا الباب كثيرة. والصحيح كما تقدم: أن الإمام مخير بحسب ما تقتضيه المصلحة. وهذا هو قوله: «ويجوز القتل أو الفداء أو المن». يعني: قتل إذا كانت المصلحة القتل، والفداء إذا كانت المصلحة الفداء، أو المن، أي: بالعفو إذا كانت المصلحة كذلك. إلا ما استثناه الدليل ممن يستحق القتل، مثل ساب الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يقتل، لا يعفى عنه. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه أمر عددا ممن كان هذا حاله بأن يقتل. فأبو جهل قتل. ومر معنا حديثه قريبا. بل حرص الصحابة على قتله، كما قال أهل العلم: ما بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وهكذا كذلك عدد من أمثاله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم يوم الفتح، أو عام الفتح، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، ولو تعلقوا بأستار الكعبة. وهذا يدل على مثل هذا الاستثناء، وهذا الحكم. ومثله: لو حصل منهم مثل ما قتل للمسلمين، فإنه يقتل بما كان من قتله. وهذا هو الأصل. طيب، بهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.