الدرس في كتاب الجهاد والسير 7، غنائم الجيش . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام الغنيمة في الإسلام وتقسيمها إلى خمسة أخماس، حيث يتم توزيع أربعة أخماس على المقاتلين وخمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. يتم شرح كيفية توزيع الغنيمة على المقاتلين حسب نوعهم.
يشرح هذا الفصل كيفية توزيع الغنائم بين المقاتلين، حيث يستلم الفارس ثلاثة أسهم وسهمين لفرسه، بينما يستلم الراجل سهمًا واحدًا. كما يشير إلى جواز زيادة الحصة إذا اقتضت المصلحة ذلك.
يناقش هذا الفصل مفهوم النفل وهو العطاء الإضافي للمقاتلين لعملهم الزائد في المعارك، ويشرح كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي سرايا تتقدم أو تتأخر عن الجيش عطاءً إضافيًا.
يناقش هذا الفصل القول بشذوذ بعض الأحاديث ويؤكد على أهمية الرجوع للإمام فيما يراه أصلح، مشيرًا إلى أن شذوذ الحديث لا يعني عدم جواز الأمر.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، ورحمه الله تعالى، قال: فصل، وما غنمه الجيش كان لهم أربعة أخماسه، وخمسه يصرفه الإمام في مصارفه. ويأخذ الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل سهم. ويستوي في ذلك القوي والضعيف، ومن قاتل ومن لم يقاتل. ويجوز تنفيل الإمام بعض الجيش، وللإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش. قال: ويرضخ من الغنيمة لمن حضر، ويؤثر المؤلفين، أو ويؤثر المؤلفين إن رأى في ذلك صلاحا. وإذا رجع ما أخذه الكفار من المسلمين كان لمالكه. ويحرم الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة إلا الطعام والعلف. ويحرم الغلول. ومن جملة الغنيمة الأسرى، ويجوز القتل أو الفداء أو المن. هذه مجموعة من المسائل ذكرها رحمه الله تعالى في سياق ذكره لمسائل هذا الكتاب، كتاب الجهاد. وقوله رحمه الله: الفصل يؤت به، إن كان هذا منه رحمه الله، وقد يكون من بعض النساخ. الفصل يؤت به كالفاصل في ثنايا الباب، فهو من مسائل الباب بالجملة، لكنها تختص ببعض المعاني دون ما قبلها. وقوله: وما غنمه الجيش كان لهم أربعة أخماسه، وخمسه يصرفه الإمام في مصارفه، لعموم ما ورد من أدلة الكتاب والسنة في ذلك. واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ولليتامى والمساكين وابن السبيل، الآية. والآية وغيرها مما يدل على هذا المعنى مستفيض في دين الإسلام. فالغنيمة تقسم خمسة أخماس: أربعة أخماس للمقاتلين، وخمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، يقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده ولاة أمور المسلمين فيما يرون أن فيه المصلحة للإسلام والمسلمين. وأصل الغنيمة كما مر معنا وتقدم هو المال المأخوذ من الحرب قهرا بقتال، وما ألحق به فيلحق به الفداء والإهداء ونحوه. وهي من الأنفال، سماها الله عز وجل أنفالا، كما قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وهناك أموال أخرى ليست من الغنيمة، كالفي، فهو المال المأخوذ بغير قتال، وله أحكام أخرى. والأموال التي تتعلق بالسلطان ثلاثة أقسام: الغنائم، والصدقات، والفي. وهذا الموضع في الكلام على الغنائم، فهو الذي له تعلق بالمقاتلين، والفي كذلك، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه. وأما الصدقات فيتعلق في كتاب الزكاة. فقوله: وما غنمه الجيش كان لهم أربعة أخماسه، هذه الأخماس الأربعة تقسم كما ذكر رحمه الله: الفارس له ثلاثة أسهم، والراجل له سهم. فالأربعة أخماس للمقاتلين، ويقسم المقاتلون إلى قسمين: قسم هم أهل مركوب كالفارس الذي على خيل، ومن كان بمعناه، وقسم هم يمشون على أرجلهم. ولا شك أن الفارس ينتفع به المقاتلون أكثر من الراجل، ولهذا كان له ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه. وأما الراجل فسهم واحد. وهل يقاس عليه في هذا الزمان المركوبات المعاصرة؟ الصحيح أنه يقاس عليه، فما كان بمعنى الفرس من المركوبات المعاصرة كالمركوب الخفيف التي تستعمل لنقل الرماة والمقاتلين، فإنها تستحق أن يكون لصاحبها ما للراكب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون لمالكها ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لمركوبه. والذي ليس عنده شيء فله سهم واحد له. ومر معنا كذلك قريبا في دروس سابقة وغير هذا الكتاب أن بعض أهل العلم ألحق ما ليس بفرس بالراكب، لكن ليس كحكم الراكب. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في الرضخ، فمثل هذا يعطى، لكن ليس كعطية الفارس، يعني يزاد، لكن الزيادة ليست كالفارس. وذكر رحمه الله الأدلة على ذلك في الشرح، فأشار إلى بعض هذه الأدلة. فقوله: وما غنمه الجيش كان لهم أربعة وخمس، وخمس يصرف الإمام في مصارفه، وذكر بعد ذلك كيفية القسم، وأشار إلى بعض الأدلة التي تدل على ذلك. ومنها ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره، في أنه أعطى للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وللراجل سهم. وقوله رحمه الله تعالى: فيأخذ الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم، كما تقدم لحديث ابن عمر وغيره: سهم له وسهمان لفرسه، والراجل سهما، يعني لأنه ليس عنده مركوب. وهذا هو الأصل، ويجوز أن يزيد إذا اقتضت المصلحة كما سيأتي إن شاء الله. وقوله: ويستوي في ذلك القوي والضعيف، يريد رحمه الله أن هذا هو الأصل، لا فرق بين قوي وضعيف. وأشار إلى الأدلة على ذلك، أولا عموم الأدلة من الكتاب، فإنه لم يأت التفريق. وهكذا من السنة أحاديث عامة وخاصة، بعضها صحيح. وإن لم يكن صريحا كأحاديث سعد، نصعب بن سعد عن أبيه سعد، حين رأى أن له فضلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟». وهكذا الحديث الآخر الذي أشار إليه، وإن كان فيه ضعف، لكن معناه صحيح، في حديث سعد بن مالك، حين قال: يكون الرجل حامية القوم، سهمه وسهم غيره سواء، يعني هذا قوي وشجاع وعنده حنكة وخبرة، فيحمي الله عز وجل به القوم، وآخر ليس كذلك، كيف يكونون سواء؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل تنصرون ترزقون إلا بضعفائكم؟». وهذا المعنى وإن كان من جهة السند لم يصح، لكنه من جهة المعنى صحيح، وتدل عليه عمومات كثيرة. وهكذا كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على العدل حتى مع نفسه عليه الصلاة والسلام، كما أشار إلى حديث عمر بن عبسة في الشرح. فإذا كان هذا في حقه عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى. فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم». ومعنى أنه عليه الصلاة والسلام لا يأخذ إلا ما أمر الله وأذن له، بل وهو عليه الصلاة والسلام ما يأتيه يرده على المسلمين. ولهذا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام له. والمقصود من هذا فيما يتعلق بما نحن فيه أنه إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يمتثل ما أمر الله بالقسمة فيه، فمن دونه من باب أولى، فلا ينبغي التفريق بين القوي والضعيف. ولا يعارض هذا ولا ينافيه أن يعطى من كان عنده عمل زائد شيء من الزيادة. ولهذا أتبع رحمه الله بقوله: ومن قاتل ومن لم يقاتل، يعني أنهم سواء في ذلك. ولكن كما تقدم معنا: الغنيمة لمن حضر الغزوة والوقعة، بغض النظر قاتل أو لم يقاتل. فمثلا خرج من المقاتلين مئة، ثم تقدمت سرية فحصل لها قتال وكانوا قرابة النصف: خمسين وخمسين بقي في المعسكر، فغنم هؤلاء الخمسون ورجعوا بالغنائم للمعسكر الذي انطلقوا منه، فهل الغنائم تكون للخمسين فقط؟ الجواب: لا، للخمسين ولمن معهم في ذاك المعسكر لأنهم جيش واحد. فهنا من حضر الوقعة والغزوة فإنهم يغنمون ولو لم يقاتل الجميع، فإنه يقسم بينهم كما أمر الله. وكما قلنا: لا ينافي ذلك أن يزيد من كان له عمل زائد بحسب ما تقتضيه المصلحة. ولهذا قال: ويجوز تنفيل الإمام بعض الجيش، يعني إعطاء البعض شيئا زائدا. وذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك، فمن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس وسهم الراجل، جمعه ما له. وذلك لأن سلمة بن الأكوع صنع شيئا لم يصنعه الفرسان، لم يصنعه الفرسان. وذلك لأن هذا قاله في قصة، فأصل هذا الحديث فيه قصة في قصة ما يسمى بغزوة الغابة، حين عدى بعض من فزارة على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فاستاقوها وقتلوا الراعي، فنادى المنادي بذلك، فكان أول من خرج سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أرضاه. والحديث طويل، وفيه أشياء عظيمة، وخلاصته أنه خرج وحده يتبع المشركين الذين اعتدوا على سرح المدينة، أي الإبل، فخرج إليهم يجري يعد يرميهم بسهمه ويؤخرهم، وكلما أرادوا أن يقبضوا عليه صعد إلى الجبل، وكلما نزلوا جرى خلفهم ورماهم بالنبل حتى أخرهم. وخافوا أن يدركهم جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلصوا مما معهم حتى تركوا كل شيء، وكلما تركوا شيئا وضع عليه رضي الله عنه حجرا، وما يزال بهم كذلك حتى أصاب منهم وأخرهم، فجاء فرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أولهم اثنان، ومنهم أبو قتادة. فالشاهد وقعت وقعة عظيمة أهلك فيها أولئك المشركون، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم: «خير رجالنا سلمة، وخير فرساننا أبو قتادة». فالشاهد لأجل عظيم صنع سلمة من الأكوع، ومن تتبع سيرته وما روي عنه رضي الله عنه علم أنه يستحق هذا. فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس وسهم الراجل، جمعهما له لأنه عمل ما هو معنى هذا العطاء. فيجوز للإمام أن يزيد بعض المقاتلين لعمل عمله زائد. ومثله كذلك لو أن بعضهم تسلق سورا أو فتح حصنا أو فعل ما كان بمعناه مما يقتضي زيادة عطاء. والنفل ذكر العلماء أنه يأتي بثلاثة معاني: المعنى الأول نفل يكون لعمل يختص به فرد أو جماعة من المقاتلين، فيستحقون به هذا الفضل الزائد، مثل قصة سهم سلمة بن الأكوع وعطاء النبي صلى الله عليه وسلم له، فلوه على ذلك جماعة فيعطون زيادة. ومثله اقتحام الحصن أو تسلق السور أو كسر الباب أو كذلك الدخول الأول في المدينة أو نحو ذلك، فإنهم يستحقون العطاء الأكثر. والمعنى الثاني في السرية تتقدم أو تتأخر الجيش لمصلحة المقاتلين، فإنهم يستحقون زيادة عطاء. وقد رويت فيه أحاديث، منها ما أشار إليه في الشرح مما جاء من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وجماعة ذكروا في الشرح. فقد جاء عن عدد من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي سرية في مخرجها الربع، وفي مرجعها الثلث. وهذا سوى ما يعطون من المغنم، ينفلهم الربع بعد الخمس في بدأتهم، والثلث بعد الخمس في رجعتهم. وذلك لأنهم يقومون بعمل زائد عن عمل الجيش، فالسرية التي تتقدم الجيش يكون عليها عبء وزيادة مخاطرة لأنهم يكونون كالعيون للجيش، ينظرون من في الطريق فيعطون الخبر لمن خلفهم من الجيش. وكذلك إن كان هناك شيء فهم يقومون به حتى يقربوا من العدو، فإذا قربوا من العدو فكان لهم المجال للدخول دخلوا أو انتظروا الجيش، وكانوا قد مهدوا الطريق للجيش، فهذا العمل يستحق عطاء زائدا. وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل هذه السرية التي تتقدم الجيش تعطى الربع بعد الخمس. وهكذا كذلك في الرجوع، وهذا كذلك فيه معنى من معاني السياسة الشرعية في الحرب. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل بعد رجوع الجيش سرية تتأخر، ماذا تصنع هذه السرية؟ قال العلماء: تكون حامية للجيش من خلفه، فإن ظهر شيء من أحد من العدو فهم يقومون بالقضاء عليه. أو كذلك كان ما يحتاج إلى عودة ورجوع رجعوا، فكانوا كالحامية للجيش من الخلف. ولما كان ذهابهم بحماية الجيش من خلفهم ورجوعهم ليس يحميهم شيء من خلفهم، استحقوا في الرجوع أكثر من الذهاب، ففي الذهاب يعطون الربع بعد الخمس، وفي الرجوع يعطون الثلث بعد الخمس. وأيهما أكثر الربع والثلث؟ أكبر الثلاثة. ولا الأربعة الأكبر الأربعة، لكن هنا الثلاثة لأنه ليس ثلاثة إنما ثلث. وهذا يعني قد يقع فيه اللبس إذا لم يحصل فيه التركيز. فالحاصل كان يعطي، والخمس في ذلك كله، هذه الزيادة انفرد بها الإمام مسلم من طريق عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه عن جده عن عقيل بن خالد عن ابن الشهاب عن سالم عن عبد الله، زاد في آخرها: والخمس في ذلك كله. ونحوها الرواية الأخرى التي انفرد بها كذلك الإمام مسلم من طريق عبد الله بن الرجاء عن يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: «نفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفلا سوى نصيبنا من الخمس، فأصابني شارف». والشارف البعير الكبير. فهذه الروايات على صحتها لا تفيد الإلزام، ولكن تدل على الجواز كما تقدم. وعلى القول بمن قال بأنها شاذة مخالفة لما اتفق عليه أهل الصحيحين، فكذلك لا يعني ذلك أن الأمر لا يجوز كما تقدم، فيلزم بأحد تلك الأقوال في هذه المسألة. بل الصواب في ذلك هو الرجوع للإمام بحسب ما يراه أصلح. إلى هنا والله تعالى أعلم.