الدرس في كتاب الجهاد والسير 5، تابع كتاب الجهاد والسير . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ أحكام المثلة والتمثيل بالكفار، موضحا أن الأصل هو المنع إلا في حالات معينة. كما ناقش تحريم الإحراق بالنار مستندا إلى أحاديث نبوية.
الأصل في تحريق الأشجار والمتاع هو المنع، ولكن يجوز تبعا إذا كان لمصلحة أو درء مفسدة أكبر. استدل العلماء بقصة بني النضير على جواز ذلك في بعض الحالات.
يتناول المقطع أحكام القتال في الإسلام، حيث يحرم الفرار من الزحف إلا لضرورة، ويجوز تبييت الكفار عند الحاجة مع ضوابط شرعية. كما يستحق من يباغت المسلمين أن يباغتهم المسلمون.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي مجموعة من المسائل مما ذكره المؤلف رحمه الله في ثنايا هذا الكتاب، كتاب الجهاد والسير. ومن ذلك ما ذكره رحمه الله تعالى فيما يجب على الأمير مع الرعية، وأشار إلى مجموعة من تلك المهام التي تلزمه. ومن ذلك ما ذكره رحمه الله تعالى من اتخاذ الرايات والألوية. فما الفرق بين اللواء والراية؟ نعم، ها عند من نعم، وما فائدة ذلك حتى يوجه الجيش بهذه الألوية وهذه الراية؟ وهل يشترط لها لون معين؟ نعم، عند من ها، بشير، بحسب المصلحة. نعم، لا يشترط لها لون معين، بحسب المصلحة. لكن لا يعني ذلك - وهذا تنبيه - أن تتضمن هذه الرايات والألوية معاني منافية للإسلام، هذا شيء مهم. لأن بعض الناس قد يفهم خطأ، فيظن أن هذا معناه أن يفتح هذا الباب، فتكون هناك علامات وشعارات مخالفة للإسلام، كالشعارات التي لها مدلولات كفرية أو بدعية، أو كانت تحوي الصور المحرمة كصورة الصليب أو ذوات الأرواح، أو كذلك ما هو رمز للكفر أو لفكر ومنهج منحرف. فما كان كذلك فلا يجوز. وكلما كان يدل على الإسلام فهذا هو المطلوب. وجاء في حديث ضعيف أن كان عليها «لا إله إلا الله»، ولكن الحديث لم يصح بهذا الإسناد. وبعضهم رأى أنه يرتقي للحسن. قال رحمه الله تعالى: «وتحرم المثلة»، يعني وتحرم المثلة، والمراد بالمثلة أي التمثيل بالكفار، سواء قبل القتل أو بعد القتل. ومر معنا حديث بريدة رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تمثلوا»، ونحوه ما أشار إليه من حديث صفوان بن عسال. وفي الباب أحاديث كثيرة تنهى عن المثلة. فلا يجوز للمسلمين أن يبتدئوا المثلة. وهل يجوز لهم أن يردوا بغي العدو بالمثل إن مثلوا بالمسلمين؟ مثل بهم. مر معنا قريبا من كلام الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التفصيل في ذلك. فالأصل هو المنع، وإن كان على وجه المقابلة فهو يجوز، ولكن الأفضل تركه، إلا أن يتعلق به مصلحة، أو كان ليس مقصودا لذاته، فإنه يجوز، ويكون ذلك على قاعدة: «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا». فإن كانت المثلة عن غير عمد - يعني مثلا ضرب العدو ببعض الأسلحة الثقيلة التي لا يهزمون إلا بها، وهذا سيؤدي إلى مثلة، ولكن بالمقاتلين، ليس بالأبرياء - فإذا كان كذلك، ولم يمكن دفع شرهم إلا بهذا، فهذا على قاعدة: «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا». وقد يكون كذلك مع عدو باغي متجبر مستهتر مثل بالمسلمين، فربما ترك مثل هذا يزيد في بغيه وعتوه. فالتمثيل بمثله من باب القصاص والعدل، وكذلك حتى لا يتطاول أمثال هؤلاء، فيكون من التنكيل بهم المقصود من إدخال الرعب، وكذلك إيقاف البغي والعدوان. فعند ذلك يجوز. وهناك تفاصيل كثيرة في ثنايا هذه المسائل: المثلة والتمثيل. والقاعدة في هذا - على ما سمعنا - الأصل المنع، إلا أن يكون تبعا، فإنه يجوز بضوابطه. قال رحمه الله تعالى: «والإحراق بالنار»، يعني لا يجوز الإحراق بالنار. وأشار في الشرح إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي الباب أحاديث كثيرة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه من غير وجه أنه «لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى». وما جاء عن بعض الصحابة في هذا الباب أنهم عذبوا بالنار، حمله العلماء على أحد وجهين: إما أنهم لم يبلغهم هذا الحديث، كما قال ابن عباس حين لم يرض بفعل علي رضي الله عنه حين حرق من حرق. وكذلك وجه بأنهم تأولوا ذلك: أن لا يعذب بالنار ابتداء، فأما إن كان تبعا ولأمر آخر مقصود لغيره، فيجوز تبعا. «ما لا يجوز استقلالا يجوز تبعا». وبعضهم استدل له - خصوصا إذا كان من باب المكافأة بالمثل - بعموم الآيات والأدلة في القصاص في الجروح. فمثلا لو حرق كافر مسلما، فهل يجوز أن يحرق هذا الكافر؟ اختلف أهل العلم في ذلك. فمنهم من منع على أصل المنع، ومنهم من أجاز. والصواب التفصيل السابق: الأصل المنع، وإن كان قد وقع منه البغي والعدوان في نفس جنس هذا العمل، فيجوز رد المثل عليه. والصبر أفضل. فإن كان في تركه زيادة بغي وعدوان، فإنه يكافأ بالمثل حتى لا يتجرأ أحد على مثل ذلك. ونحوه إذا وقع ذلك تبعا، ليس مقصودا لذاته. وأما إذا كان ابتداء وليس له وجه يؤذن لمثله في الشرع، فلا شك أن الأصل هو المنع من ذلك، للأحاديث الواردة في الباب. وذكر رحمه الله كذلك بعد هذا مسألة تحريق الأشجار. قال رحمه الله: وأشار في الشرح إلى ذلك أنه يجوز تحريق الشجر والمتاع. وهو يشير بهذا إلى ما جاء في قصة بني النضير في الصحيحين من حديث ابن عمر، قد مر معنا قريبا، ونزول قول الله جل وعلا: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ونحوه ما جاء عند الترمذي وغيره من حديث ابن عباس. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يقطعوا نخل بني النضير ويحرقوا، فقطعوا منه وأحرقوا، ثم نزلت هذه الآية. فاستدل العلماء بهذا على جواز تحريق الشجر، ولكن قيده المحققون من أهل العلم بضوابط. لأن الأصل في هذا كذلك المنع: أي تحريق ما فيه منفعة. تحريق ما فيه منفعة لا يحرق، هذا هو الأصل. لكن إذا كان لمصلحة، وكانت فيه درء مفسدة أكبر أو طلب مصلحة أعظم، فإنه يجوز، على قاعدة: «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا». فإنه ليس مقصودا لذاته، ولكن يقصد به أمر آخر، مثل النكاية بالعدو. وكذلك مثلا في قصة اليهود ذكرت أسباب وأوجه كثيرة في تحريق نخلهم، من ذلك أن يكون فيه زيادة نكال وإغاظة لهم، فيكون ذلك مدعاه لرحيلهم وخروجهم من جزيرة العرب، فلا يبقون. وقد يكون كذلك على وجه التبعية، مثل أن يرمى بالمنجنيق، فلا يقصد حرق الأشجار وهدم البيوت، ولكن يقصد التنكيل بالعدو إذا تحصن ولم يمكن الدخول عليه. فيكون ذلك على قاعدة: «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا». وبه يجمع بين ما ورد من أدلة ظاهرها الجواز، ومن أدلة ظاهرها المنع، كما جاء في حديث أبي بكر - قد مر معنا قريبا - فإنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام: «أن لا يحرق نخلا ولا يقطع شجرا مثمرا»، وغير ذلك من الوصايا العشر المشهورة التي أوصى بها رضي الله عنه وأرضاه. فجمع بينه وبين ما جاء في قصة بني النضير: أن هذا هو الأصل، أي المنع. وأن الجواز بعموم الأدلة يفهم أنه كان لمقاصد يؤذن لمثلها في الشرع. وقد وجهه العلماء بتوجيهات كثيرة. وما سمعناه بعض تلك التوجيهات على وجه الإجمال. وفي شروح حديث ابن عمر وكتب التفسير وشرح آيات الأحكام ذكروا عددا من التوجيهات في سبب نزول هذه الآية وحديث ابن عمر وابن عباس والتعليق على ذلك. وقول الله عز وجل: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾، فيه إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن القطع كان لمصلحة. ولهذا أجمع العلماء أنه لا يجوز إتلاف شجر نافع على وجه العبث. أما إذا كان لدرء مفسدة أعظم أو تحصيل مصلحة أعلى، فهذا يجوز. قال رحمه الله تعالى: «والفرار من الزحف إلا إلى فئة»، يعني مما يحرم ولا يجوز الفرار من الزحف. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وأشار إليه في الشرح: أن من السبع الموبقات ومن الكبائر العظيمة الفرار من الزحف. بل قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. فلا يجوز الفرار من الزحف، ولا تولية العدو المؤخرة، إلا أن يكون لغرض صحيح يأذن لمثله الشرع. ويجمع هذا الغرض في أصلين اثنين يدخل تحتها تفاصيل كثيرة. الأول: أن يكون متحرفا لقتال، يعني يرجع ليستعين بهذا الرجوع على القتال مرة أخرى. أو المعنى الثاني: أن يتحيز إلى فئة، يعني من المؤمنين. كأن يكون بقي وحده في الساحة، ورأى إخوانه قد مالوا لمصلحة إلى اليمين أو إلى الشمال، أو لجأوا إلى موضع معين، فهو يتحيز إلى هذه الفئة من المؤمنين. فهو لم يفر من الزحف بهذا المعنى. وهناك تفاصيل كثيرة تدخل تحت هذين الأصلين، فهذا مما يستثنى. ثم ذكر رحمه الله جواز تبييت الكفار. قال: «ويجوز تبييت الكفار». ومعنى تبييت الكفار: أي غزو الكفار ليلا. غزو الكفار ليلا. ومن حكمة الله عز وجل وعظيم كذلك تدبيره بخلقه وبعباده: جعل لهم من الأحكام ما تصلح به أحوالهم، وما يكون به كذلك إتمام عزتهم. ومن ذلك أنه إذا أذن لهم في شيء الأصل فيه المنع، يبين لهم ما يحتاجون من ضوابط. فانظر إلى علماء هذا الدين كيف ذكروا مثل هذه الدقائق التي لم تخطر ببال الكافرين، فضلا أن يجعلوا لها ضوابط وتفاصيل وأحكام وأبواب خاصة يدرسها أهل دينهم. وهذا إن دل على عظمة هذا الدين الذي ختم الله عز وجل به الأديان، فهو الدين الحق الذي لا يصلح غيره، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فيجوز تبييت الكفار، أي غزوهم ليلا. وهذا عند الحاجة، عند الحاجة. إذا احتيج إلى ذلك. ولما كان ذلك قد تكون فيه مفسدة، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين حديث الصعب بن جثام - سألوا النبي عليه الصلاة والسلام: إذا بيت المسلمون المشركين، فقد يصيب النساء والذرية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هم منهم»، يعني ما دام أنه ليس مقصودا لذاته. ما حرصكم وتحريكم واجتهادكم في تجنب ذلك؟ إن حصل خطأ فهو عفو. إن حصل خطأ فهو عفو. وإلا فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام - متقدم معنا - أنه نهى عن قتل النساء والصبيان. فلا يجوز الأصل قتل النساء والصبيان. فإن كان على وجه التبع، وليس مقصودا لذاته، مع الحرص غاية الحرص على عدم حصول المفسدة ووقوع ذلك، فما دام على وجه الخطأ بغير قصد، وما الحرص على عدم الوقوع فيه، فيعدر أهل الإسلام في ذلك. وأشار إلى حديث سلمة بن الأكوع حين بيت هوازن مع أبي بكر رضي الله عنه، يعني غزوهم ليلا. وهذه الأدلة تدل على ذلك، ولكنه مقيد عند الحاجة إليه. ولهذا لم يكن يفعل إلا مع من علم منهم أنهم يريدون الغدر بالمسلمين. فحديث الصعب بن جثام، وكذلك حديث سلمة بن الأكوع، إنما كان في أقوام كانوا يريدون المكر بالمسلمين ومباغتتهم. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم من يباغتهم، كهوازن وخزاعة ونحوهم ممن كانوا يبيتون المكر بالمسلمين. فأمثال هؤلاء يستحقون أن يبيتون، لأن يؤتى إليهم فجأة وبغتة، لأنهم أرادوا أن يباغتوا المسلمين، فباغتهم المسلمون. وهذا من رد العدوان بالعدوان، ومن جزاء ومن المجازاة بجنس عملهم. وهذا هو تمام العدل. نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.