كتاب الجهاد والسير  3

كتاب الجهاد والسير 3

الدرس في كتاب الجهاد والسير 3، تابع كتاب الجهاد والسير . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب طاعة الأمراء وحدودها

يجب طاعة الأمراء في المعروف وليس في معصية الله، وتأتي أدلة الكتاب والسنة لتشدد على ذلك. الطاعة تكون في الأمور الاجتهادية بإطاعة الأمير.

مشاورة الأمير لرعيته ورفقه بهم

يناقش أهمية مشاورة الأمير لرعيته ورفقه بهم مستشهدا بالقرآن والأحاديث. النبي صلى الله عليه وسلم كان يشاور أصحابه ويعين الضعيف منهم.

مسؤوليات الأمير في الحرب وإعداد الجيش

يشرح مسؤولية الأمير في إعداد الجيش وإدارة الحرب، بما في ذلك كتمان الخطط وتفقد الجنود وطرد المخذلين. الحرب خدعة ويجب الحذر في إعلان الخطط.

تتمة الكلام عن إدارة الحرب بإرسال العيون

كان النبي يرسل العيون في الغزوات مثل يوم أحد ويوم الأحزاب لاستطلاع أخبار العدو. هذه العادة كانت مستمرة في سائر غزواته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال ويجب على الجيش طاعة أميرهم إلا في معصية الله. ومن مسائل هذا الباب وجوب طاعة الأمير، لأن ذلك من أعظم ما تكون به قوة هذا الجيش. ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة في التشديد في هذا الباب من الكتاب ومن السنة. فمن عموم أدلة الكتاب قوله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. ومن السنة أدلة كثيرة، منها ما أشار إليه في الشرح كحديث أبي هريرة في الصحيحين: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني». وفي رواية: «ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني». وهذه الرواية الأخيرة تشمل ما كان في عهده وما كان بعد ذلك إلى قيام الساعة بالنسبة لهذه الأمة. وهكذا كذلك لما في مخالفة ذلك من التفرق والتنازع الذي تكون به الهزيمة ويكون به الضعف. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فالتنازع والاختلاف ومخالفة الأمير من أسباب الضعف وذهاب القوة. ولما علم الصحابة رضي الله عنهم ما ورد من الأدلة في طاعة الأمير، كاد بعضهم أن يطيعه حتى فيما علم عندهم أنه لا يجوز. وهذا هو السبب الذي لأجله وقع الإشكال عن بعض الصحابة. وذلك بما جاء في الصحيحين في قصة ذلكم الأمير الذي غضب ممن معه حين أغضبوه في تلك السرية، فأمرهم أن يجمعوا الحطب وأن يوقدوا النار، ثم أمرهم أن يدخلوا فيها، فترددوا. وقالوا: «والله ما خرجنا إلا فرارا منها» -يعني ما دخلوا في الإسلام ولا فعلوا ما فعلوا إلا فرارا من النار- فما زالوا كذلك حتى انطفأت النار وسكن غضب الرجل الأمير. فلما بلغ ذلكم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدا، لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». فنستفيد من هذا أولا أن الصحابة رضي الله عنهم لشدة ما ورد في هذا الباب حصل عندهم هذا التردد. وإلا هذا أمر معلوم، ولكن يدل أنه قد شدد عليهم في الطاعة. ولهذا حصل ما حصل. وفيه كذلك ثانيا، وهذا هو المقصود: أن الطاعة إنما بالمعروف، ولا طاعة للأمير في معصية الله. ويأتي هنا إشكال، وهو إذا حصل اختلاف هل هذا معصية أو هذا طاعة؟ فهنا هل يطاع ولا يطاع؟ الجواب: إذا كان هو محل اجتهاد فيطاع إذا هو من مواضع الاجتهاد، فالأصل بقاء الطاعة. ولهذا قسم العلماء طاعة الأمير إلى ثلاثة أقسام: قسم علم أنه طاعة فتجب طاعته طاعة لله ورسوله، وقسم علم أنه معصية لا تجوز طاعته لأنه معصية لله ورسوله، وإنما الطاعة بالمعروف ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. وقسم ثالث يشتبه الأمر فيه. قال العلماء: الأصل في هذا الباب طاعته. وبعد ذلك إن كان قد أصاب فهو له أجران، وإن أساء وفرط فهو عليه وليس عليهم. ولهذا نضائر كثيرة وقعت في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. فقد وقع من بعض الأمراء مما هو محل اختلاف ونزاع، ولكنهم أطاعوه في أول الأمر ثم أبلغوا الأمير العام في ذلك. مثل ما وقع لخالد بن الوليد رضي الله عنه حين حرق بعض المرتدين. وغير ذلك من الوقائع التي وقعت. فالمهم ننتبه لهذا الأصل. فهذه أقسام ثلاثة توضح هذا المعنى. ثم قال رحمه الله: وعليه مشاورتهم والرفق بهم وكفهم عن الحرام. وهذا كذلك مما ينبه عليه في هذا المقام. وقد ذكره رحمه الله وأشار بالشرح لبعض أدلته. فمن ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. وأشار إلى بعض الأحاديث التي فيها مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته رضي الله عنهم في وقائع كثيرة كيوم بدر. والقصة مشهورة حين قال سعد بن عبادة: «والذي نفس محمد بيده لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه». وهكذا كذلك في يوم الخندق، ووقائع كثيرة شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم مجلس يستشير به بعض أصحابه، ويشاورهم. وقد كان كذلك يشاورهم جميعا، فمن أهل مشورته أبو بكر وعمر رضي الله عنهم وأرضاهم، وغيرهم ممن كان يشاورهم عليه الصلاة والسلام. وأما الأمر بالرفق لأنه بالرفق يبقى التحام الجيش بين الأمير ومن تحت يده، وبالجفاء والشدة والغلظة يحصل الحنق والتفرق. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث عائشة: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به». وفي هذا إشارة إلى ضرورة وأهمية رفق الأمير برعيته. وقال عليه الصلاة والسلام في حديث معقل بن يسار وهو في صحيح مسلم كذلك: «ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة». ومن النصح لهم أن يعينهم على ما هم فيه من عمل، وذلك يكون بالرفق ولا يكون بالشدة. وهو كذلك فيه هذا المعنى الآخر، وهو الحرص على إعانتهم على ما يكون به تأدية هذا العمل العظيم في نصرة دين الله، أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. ومن ذلك ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام في غزواته، فقد كان عليه الصلاة والسلام يتفقد الجيش، وينظر الضعيف ويعينه. وكذلك إن كان هناك صاحب حاجة أعطاه أو نحو ذلك. ولذلك كان كثيرا ما يكون خلف الجيش في الساقة. ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله الذي أشار إليه، وهو حديث حسن بمجموع طرقه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخلف في المسير فيرعى الضعيف، ويردف ويدعو لهم». ويؤيده ما جاء في الصحيحين في حديث جابر بن عبد الله حين تلكأ جمله، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أنشط ما يكون. ومن ذلك كذلك ما مر معنا قريبا في قصة الرجل الذي تلكأت وتثاقلت ناقته، فلعنها. وغيرها من الأحاديث الأخرى الكثيرة التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكون في آخر الجيش. وفيه كذلك تفقد الجيش. ومع ذلك لا يمنع أن يكون عليه الصلاة والسلام هو أول من يتفقد المكان الذي ينزل فيه. ويدل عليه كذلك ما جاء في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله وغيره. ومر معنا الحديث الطويل قريبا الذي فيه عدد من آيات ودلائل صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام، فإنه يكون في آخر الجيش، ثم يسرع إلى المكان الذي يراد النزول فيه، فيكون في أول من ينزل فيه عليه الصلاة والسلام ليتفقد المكان المناسب في ذلك. ومن ذلك كذلك تقدمه مع من معه في غزوة بدر لاختيار الأماكن التي يكون فيها مواقع المقاتلين ومواقع العدو. المهم هذه الأحاديث التي أشار إليها في الشرح ومعناها في المتن تدل على هذه المعاني التي أشير إليها. ثم قال رحمه الله: وكفهم عن الحرام. ومعناه أن من مسؤولية الأمير أن يتتبع ليس فقط ما يتعلق بالجيش وترتيبه ونحو ذلك، بل كذلك حتى في إقامة دين الله من فعل المأمور وترك المحظور. فيرتب مسألة الصلاة وإقامتها، ويتفقد الجيش في أحواله من يقيم الطاعات ومن يتخلف عنها. ولذلك إذا وجد فيهم من هو ربما يكون سبب شقاوة هذا الجيش بمعصيته أبعده. فقد أمر أهل الإسلام أن يبعدوا المخذلين وأن يبعدوا المنافقين لأنهم محل شر للجيش ولا مكان لهم. فالنصر يكون بطاعة الله، ولذلك يحرص على القيام بالطاعة من الاعتناء بالتوحيد والطاعة والحذر من الشرك والمعصية. أن يكون شيء من ذلك في الجيش، فكما يتفقد الأمور الحسية للنصر يتفقد كذلك الأمور المعنوية للنصر. وهذا له كذلك ما يدل عليه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فربما يكون أحدهم عليه تميمة فينهى عنها، وكذلك في القلادة التي كانت على البعير، وفي العشرة الذين جاءوا وكان في أحدهم خيط، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على هذا المعنى. قال رحمه الله: ويشرع للإمام إذا أراد غزوا أن يكتم حاله أو يوري بغير ما يريده. وهذا كذلك كان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. والمقصود ليس فقط هذا المعنى، بل كل ما يلحق به مما يكون به النصر ولا يكون به اطلاع العدو على أمر هذا الجيش. وقد جاء في الصحيحين من حديث كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها». وكان يقول: «الحرب خدعة». وذلك لأجل أن لا يتفطن الأعداء، فربما يكون في أوساط المسلمين منافقين سواء النفاق الاعتقادي أو النفاق العملي، فيكون ممن يرسل الأخبار للعدو، وغير ذلك مما قد يكون. فلذلك كان التنبيه على مثل هذا المعنى، وأشياء أخرى كذلك تدخل في هذا المعنى. المقصود هو أن لا يجعل الأمير سبيلا لإدخال الضر والشر على جيش المسلمين. ثم قال رحمه الله تعالى: أو يوري بغير ما يريده أن يكتم حاله. الكتمان واضح، يعني لا يتكلم أين الجهة. أو يوري بغير كما تقدم في حديث كعب بن مالك، قد يقول: «مذهبنا إن شاء الله إلى الشرق» وهو يريد شرقا آخر ليس على ما يظنه. يعني ننتبه لهذا في قوله: «يوري» ليس كذبا وإنما تورية. نذهب في هذه الجهة ثم يمشون ويغيرون الجهة. يمشون ويغيرون الجهة. فمثلا لو كان للمدينة أربعة مخارج، فمن خرج من جهة الشمال ظن الناس أنه يتجه إلى جهة الشمال، فلا مانع أن يخرج ليوري فيمن جهة الشمال، ثم يعطف فيرجع إلى جهة الجنوب. وقوله رحمه الله: وأن يذكي العيون ويستطلع الأخبار. هذا نص عليه العلماء في كتبهم. أولا لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولأنه كذلك قد يغفل عنه بعض المسلمين فنبه عليه. ولأنه ربما يظن قد يظن عند بعض الناس أنه منافي للإسلام الذي أمر أو الذي نهى عن التجسس. فيقال: التجسس الذي نهى عنه هو التجسس على الوجه المحظور. وأما في مثل هذا المقام فهو ممدوح محمود، لأن به حفظ المسلمين وبه كذلك الاطلاع على أحوال الكافرين. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يرسل العيون، كما أرسل من يتتبع عير أبي سفيان. والحديث كما أشار إليه في صحيح مسلم وغيره. وهكذا كذلك يوم الأحزاب أرسل الزبير كما في الصحيحين من حديث جابر. ويوم أحد، وكذلك سائر غزواته كان يرسل العيون عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم.