كتاب الجهاد والسير  2

كتاب الجهاد والسير 2

الدرس في كتاب الجهاد والسير 2، تابع كتاب الجهاد والسير . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شروط الجهاد ووجوبه

الجهاد فرض كفاية يصبح فرضًا عينيًا بشروط معينة، منها الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورة والسلامة من الضرر ووجود النفقة. إذا توفرت هذه الشروط ثبت الوجوب.

أحكام الجهاد وإخلاص النية

الجهاد يبقى واجبًا حتى قيام الساعة مع أي إمام مسلم، ويجب إخلاص النية لله تعالى لتحقيق فضائله. الجهاد يكفر الخطايا عدا الدين وحقوق الآدميين.

الاستعانة بالمشركين في الجهاد

الأصل عدم جواز الاستعانة بالمشركين، ولكن يجوز عند الضرورة مع تفصيل حسب المصلحة والمفسدة. قد تصل إلى الكفر إذا كان على حساب زوال الدين وتسلط الكفار.

استنباط الأحكام من الأخبار

لا تستنبط الأحكام من الأخبار إلا بقرينة تدل على الإذن والرضا، وأن الخبر من الشرع. يجب التأكد من القرائن لاستنباط الأحكام الشرعية بشكل صحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أن الجهاد فرض كفاية، وهذا هو الأصل، وعلمنا فيما سبق بعض أدلته، وأنه كذلك قد يرتقي فيكون ذلك الجهاد فرضًا عينيًا، وذلك كما نص العلماء في مواضع، ومن تلك المواضع الأربع التي مرت معنا. وهذا الفرض الكفائي يكون مع القدرة والاستطاعة، وهو إنما يكون عند توفر شروط الجهاد، وشروط الجهاد في سبيل الله كما نص عليها العلماء سبعة بالتفصيل، وإذا اختصرت فإنها تكون أقل من ذلك. أولها الإسلام؛ لأنه عبادة من العبادات إنما تفرض على أهل هذا الدين. وثانيها البلوغ؛ وقد رد النبي -صلى الله عليه وسلم- عددًا من الصحابة بسبب عدم بلوغهم، فمن كان خمسة عشر أجازه، ومن كان دون ذلك رده، عليه الصلاة والسلام، منهم ابن عمر وجماعة من الصحابة. وهكذا كذلك الشرط الثالث العقل؛ وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث علي وغيره قوله: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منها المجنون والمعتوه حتى يفيق». والشرط الرابع الحرية؛ لأن العبد يتعلق به حق آدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة، مثل صاحب الدين، فمن عليه دين لم يؤده فإنه تعلق به حق، فالمال الذي سيبدله في الجهاد الأولى أن يؤديه لصاحب الدين؛ لأن هذا واجب عيني، وذاك واجب كفائي، ويقدم الواجب العيني على الواجب الكفائي. والشرط الخامس الذكورة؛ فلا يجب الجهاد على النساء، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح من حديث عائشة: «على النساء جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة». وصح من حديث أبي هريرة: «جهاد الكبير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة». فالنساء ليس عليهن جهاد، والمراد به كما تقدم الجهاد على أصله الذي هو فرض كفائي. أما إذا انتقل إلى الفرض العيني فالجميع يبدل ما بوسعه في دفع هذا العدو الصائل إذا قد ابتلي الجميع. والسادس من تلك الشروط السلامة من الضرر المانع من الجهاد؛ والضرر أنواع، منه ضرر شديد، ومنه متوسط، ومنه خفيف. فأما الخفيف فلا شك أنه لا يمنع من الجهاد، وأما الشديد فهو كذلك لا شك أنه يمنع من الجهاد، والخلاف قد يقع أو محل الإشكال في المتوسط. وهنا نص العلماء أن الضابط في ذلك هو أن يكون مانعًا من أداء هذا الفرض وهذا الواجب. فإن كان يمنع فلا حرج عليه، ولذلك فرق العلماء بين الأعمى والأعور، فالأعمى ليس عليه جهاد، وأما الأعور فعليه الجهاد؛ لأنه يستطيع بالعين الواحدة. ومنه كذلك الأعشاء ونحوهم ممن لا يمنع ما فيهم من ضرر من الجهاد. قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى آخر الآية، وغيرها من الأدلة التي تدل على معنى هذا التفصيل من الكتاب والسنة. والشرط السابع من هذه الشروط وجود نفقة؛ والمراد بها النفقة التي توصل إلى موضع الجهاد، النفقة الموصلة إلى موضع الجهاد، وما يكون به الجهاد. فإن كان يعان هناك فيكفي ما يوصله، وإن كان لا يعان هناك فيقال: لا يتي أحد إلا ومعه زاده وراحلته. إذن يحتاج نفقة كاملة، وهكذا. وهذه الشروط إذا اجتمعت وتوفرت فعند ذلك يثبت هذا الوجوب، وإذا تخلفت فلا يعني سقوط ذلك الوجوب كليًا؛ لأنه قد يسقط بالبدن، ولكن لا يسقط بالمال. قد يسقط بالبدن ولا يسقط بالمال، فمن عنده مال فإنه يجاهد بماله وإن كان لا يستطيع أن يجاهد ببدنه، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب الاختيارات، ومر معنا، وكذلك غيره من أهل العلم. وعلى هذا نص من العلماء، منهم شيخ الإسلام، أنه قد يجب في مال المرأة ومال الصبي الصغير الجهاد، وإن كان لا يجب عليه الجهاد إذا فضل في ماله ما يؤد به هذا الواجب، يعين به غازيًا. فإن فضل على المرأة من مالها فوق نفقتها فإنه يجب عليها في هذا الفضل أن تبدله أو تبدل ما يحتاج إليه منه. وهكذا كذلك في مال الصغير إذا كان يزيد عن نفقته. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- قوله: «الجهاد فرض كفاية مع كل بر وفاجر». وكون الجهاد يكون مع البر والفاجر المراد به التنبيه أن الجهاد لا يتعطل ولا ينقطع ويقف بانقطاع وجود لأم الأبرار. بل هذه فريضة من الفرائض لا ينبغي أن تتعطل، بل تبقى ما بقي هذا الدين، مثل الصلاة، الصلاة تؤدى خلف البر والفاجر. لا شك أن الأفضل والأكمل أن يكون مع البر، لكن إذا لم يوجد هل تعطل الجمع والجماعات؟ الجواب: لا، من عقيدة أهل الإسلام أهل السنة والجماعة الصلاة خلف كل بر وفاجر. وهكذا كذلك الجهاد في سبيل الله؛ لأن الخوارج ومن كان على طريقتهم يظنون أن هذه الأحكام تتعلق بالإمام، فإن كان برًا فإنها تمضي وإلا انقطعت، وليس هذا بالصحيح. بل نص العلماء كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة أن هذه عبادة من العبادات تمضي ببقاء أهل الإسلام وجود الإمارة والأمير ولو كان ليس ببر. بل نصه ولو كان فاجرًا. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الجهاد ماض إلى قيام الساعة». معناه صح في أحاديث كثيرة، وبوّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا فقال: «باب الجهاد ماض مع البري والفاجر»، ثم ذكر حديث عروة البارقي: «الخيل في نواصيها معقود الخير إلى قيام الساعة»، وذكر غيره. وبوّب بهذا الباب: «لا تزال طائفة من أمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وأدلة ذلك كثيرة التي تدل على هذا المعنى. بل نص العلماء في كتب الاعتقاد على هذه المسألة أن الجهاد ماض إلى قيام الساعة مع أئمة المسلمين ولو كانوا فجارًا. فليس من شرطه أن يكون خلفًا ومع إمام بر. وبه ننتبه إلى مسألة أخرى وهي أنه لا جهاد من دون راية، فالجهاد لا بد له من راية، وهذه الراية راية إمام مسلم. وأما جهاد بغير راية فهو مع مخالفته للدليل موجب للفساد والشر، وكذلك يعني الهزيمة والعواقب السيئة في عاجل المسلمين وآجل أمرهم. ولهذا نص العلماء كذلك على هذه المسألة. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- استئذان الأبوين، وهذا مبني على هذا المعنى، وهو إذا كان الجهاد يتعلق بالواجب الكفائي وهو الأصل. ثم ذكر عددًا من الأدلة التي تدل على ذلك. منها ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد». وهذا موجه إذا كان الجهاد في حكم الوجوب الكفائي. فإنه يؤدي حق الوالدين، فهو أعظم من الجهاد في سبيل الله. وأما إذا كان وجوبًا عينيًا فلا يكون عند ذلك وجوب استئذان الوالدين؛ لأن ذلك على وجه الوجوب العيني وهو مقدم على ذلك. وذكر كذلك أحاديث أخرى أشار إليها في الشرح كلها على هذا المعنى. وهذا التفصيل يفصل بأن الجهاد الذي يجب فيه استئذان الأبوين هو الذي يكون في الوجوب الكفائي، وأما إذا كان وجوبًا عينيًا فلا إذن أو لا استئذان عند ذلك. وليس معنى هذا أن يكون المسلم جافًا، لكن لأن الغالب أنه يمنع ربما بغلبة العاطفة والحب أو كذلك قلة العلم والدين أو غير ذلك من المعاني الأخرى. فيلطف ذلك بحسن العبارة وحسن الصلة والإحسان وغير ذلك، ولا يمنعه هذا من أداء ما أمره الله عز وجل به. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- قوله: «وهو مع إخلاص النية يكفر الخطايا إلا الدين». وقول إخلاص النية فيه التنبيه إلى أن المقاتل في سبيل الله لا ينال فضل القتال في سبيل الله حتى تصلح نيته. فإن قاتل حمية أو طمعًا في الغنيمة أو غير ذلك من المعاني الأخرى ولم يتحقق عنده الإخلاص لله عز وجل بأن يكون طاعة وتعبدًا لله وأن يكون لنصر دين الله ولتكون كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فجهاده ليس في سبيل الله. فلا يحقق له فضائل الجهاد الكثيرة التي ورد بعضها في الأحاديث المتقدمة، ولكن ذلك لمن أخلص نيته لله سبحانه وتعالى، فيحصل له تلك الفضائل، ومنها تكفير الخطايا. وقوله: «إلا الدين» لأنه هكذا جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. ففي حديث أبي قتادة الذي أشار إليه بالشرح رواه الإمام مسلم وغيره أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني من خطاياي؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك». وهكذا جاء معناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما-. بصيغ مسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام: «يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام أخبرني به آنفًا». وأحاديث كثيرة في هذا الباب تدل على هذا المعنى. ففي هذه الأحاديث أولًا فضيلة الجهاد في سبيل الله، وأنها تكفر الخطايا. وأنه عمل صالح يكفر الله به الذنوب والخطايا جميعًا، صغيرها وكبيرها، إلا الدين. فإنه أخبر جبريل عليه السلام أنه لا يكفره. وفي هذا كذلك التنبيه على خطورة التساهل في الديون، فإذا كان هذا في حق الشهيد فكيف بغيره؟ ثم ذكر -رحمه الله تعالى- قوله: «ويلحق به حقوق الآدمي». وذلك لأن الدين العلة فيه أنه حق آدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة. فإذن تلحق به هذه الحقوق، فقد يكون الحق مثلًا حقًا معنويًا. فكذلك نص العلماء أنه يلحق به. فمن كانت له مظالم للآدميين وجب عليه أن يتحلل منها قبل ذهابه للجهاد في سبيل الله. سواء كانت تلك المظالم مال دين أخره، وما طال فيه، أو مال غصبه وسرقه، فإنه من باب أولى إذا كان الدين لا يغفر فكيف بالمال المسروق؟ فهو أشد. وكذلك إذا كانت الحقوق أخرى بالنسبة للآدميين من المظالم. فلابد من التحلل منها. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح في حديث أبي هريرة أمره عليه الصلاة والسلام الناس أن يتحللوا من تلك المظالم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات. وهذا عام في سائر حقوق الآدميين في الدينار والدرهم، وهكذا كذلك في المظالم الأخرى ولو كانت معنوية على الصحيح. ثم قال -رحمه الله تعالى-: «اختلف أهل العلم في هذه المسألة، والصحيح ما ذكره المؤلف -رحمه الله- ها هنا». الأصل أننا لا نستعين بالكفار والمشركين؛ لأنهم ليسوا محل أمان واستئمان، وكما قيل: «ليس بعد الكفر ذنب». فمنه تأتي الغائلة منه. ولكن قد يوجد في الكفار من يحتاج إليه. فإذا احتيج إليه فإنه ينتفع به للضرورة، وبهذا تجتمع الأدلة الواردة في هذا الباب. لأن بعض الأدلة يظهر منها المنع، وبعض الأدلة يظهر منها الجواز والإباحة. فجمع العلماء والمحققون من أهل العلم على هذا الجمع الذي أشار إليه المؤلف -رحمه الله-: «الأصل لا يجوز الاستعانة بالمشركين، ولكن لأنه قد يحتاج إليهم فيجوز عند الضرورة». وذكر الأدلة على ذلك. منها ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قوله عليه الصلاة والسلام للمشرك: «ارجع فلن أستعين بمشرك». أو قال: «لا نستعين بمشرك». وهكذا كذلك أدل كثيرة بمثل هذا المعنى صحت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تدل على ذلك. واستعان النبي -صلى الله عليه وسلم- ببعض المشركين في بعض غزواته، ومنها في غزوة حنين بعد عام الفتح. وهكذا كذلك قيل: حتى في عام الفتح خرج معه بعض أهل خزاعة، ولم يكونوا قد أسلموا. فحمله العلماء على هذا التفصيل. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر». وقد استعان النبي -صلى الله عليه وسلم- برجل مشرك في هجرته، يعني يعرف الطريق. فالجمع بين الأدلة أنه يفصل فيقال: «الأصل عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وإذا احتيج إليهم فإنهم يستعان بهم للضرورة». لكن ها هنا تنبيهات نبه عليها أهل العلم، وهي إذا استعين بمشرك يجب أن لا يكون تلك الاستعانة على حساب الدين، يعني ليس تستعين بمشرك ثم يكون فيه تسلط هذا المشرك والكافر على المسلمين. ولذلك قسم العلماء هذه الاستعانة بالمشركين إلى ثلاثة أقسام. قسم منها جائز، وذلك إذا كان لا يترتب عليه مفسدة تضر بالدين، أو ترتبت مفسدة لكنها لا شيء أمام مفسدة تسلط ذلك العدو. والقسم الثاني محرم لا يجوز، وذلك إذا كانت الاستعانة لأجل الدنيا والملك على حساب نقصان الدين. والقسم الثالث كفر وردة، وهو ما إذا كان على حساب زوال الدين وتسلط دين المشركين. فإذا الاستعانة بالمشركين فيها تفصيل، فليست كل استعانة جائزة، وليست كل استعانة محرمة، بل منها ما هو محرم، ومنها ما هو جائز، بل قد يصل بعضها إلى الكفر والردة. وقد نص شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في مواضع من كتبه أن الاستعانة بالمشركين إذا كانت على حساب أن تكون كلمة الذين كفروا هي العليا وكلمة الذين آمنوا هي السفلى فهذا كفر وردة. وأما إذا كان قد نص العلماء: إذا كان ليس كذلك، وإنما قد يكون فيه شيء من النقصان في الدين. وكانت الاستعانة لأجل الدنيا كالكرسي والملك ونحو ذلك، فهذا محرم لكن لا يصل إلى الكفر والردة. مثل أن يظهر الفساد بدخول هؤلاء الكفار، وأن يظهروا الفجور والفسوق والفساد بسبب تساهل ذاك الأمير الذي استعان بهم وهو يحتاج إليهم. فلذلك لا ينكر عليهم ولا ينهاهم، فهذا محرم. وهذه معصية؛ لأنه لا يجوز أن يستعين بهم بظهور الفساد والشر على حساب الدين. وأما إذا كان سيظهر شيء من الفساد، لكنه ليس بشيء أمام فساد أعظم منه. كأن يريد أن يدفع عدوًا آخر هو أعظم شرًا وفسادًا من هذا الفساد والشر الذي قد يظهر، لكنه لفترة مؤقتة يظهر لفترة مؤقتة. فهنا تدرأ المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى، قد تصبر على كافر تستعين به لدفع كافر أشد منه كفرًا وأشد منه عداوة. وهذا الكافر الذي تستعين به يظهر منه بعض الشر والفساد، تصبر عليه لفترة مؤقتة ثم يزول بإذن الله تعالى. فالمهم هذه مسائل دقيقة تحتاج إلى فقه وإلى علم، يحتاج معها إلى الرجوع إلى العلماء العارفين الراسخين في العلم. ثم ذكر -رحمه الله- في الشرح حديث: «ستصالحون الروم صلحًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم». والحديث حسن بمجموع طرقه. وفي هذا العلم من أعلام نبوته -عليه الصلاة والسلام- ودلائل صدق رسالته؛ فإن هذا سيكون، وهو حق نؤمن به أنه سيقع ما دام الحديث قد صح. لكن المقصود من التنبيه هو أن أهل العلم نبهوا أن الأخبار الماضية والآتية لا تستنبط منها الأحكام؛ لأنها خبر، والخبر يرد على وجه الحكاية، لا يستلزم منه إقرار الشرع. فمثلًا استدل بعض أهل العلم بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنه يأتي على الناس زمان تسير المرأة من صنعاء إلى حضرموت، وفي رواية: إلى الشام، لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها». قالوا: فيه دليل على جواز سفر المرأة من دون محرم في آخر الزمان. وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا؛ لأن هذا خبر، ولا يستلزم من حكاية الخبر أن يكون إقرارًا له. فلا تستنبط الأحكام من الأخبار إلا إذا اقترنت بقرينة تدل على معنى الإذن والرضا بهذا الخبر، وأنه من الشرع ومن الدين. طيب نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.