الدرس في بين يدي رمضان، وكانت بمسجد القبلة بالديس الشرقية عصر الثلاثاء29 شعبان 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُناقش الشيخ أهمية استقبال شهر رمضان بجدية واهتمام، ويبين فضائل الشهر ومزاياه. يحث على استغلال رمضان في الطاعات والقربات.
يجب على المسلم استقبال رمضان بتوبة صحيحة وإخلاص النية في الصيام، واستحضار حقيقته لتحقيق التقوى وتزكية النفس. يُشدد على أهمية الصيام عن المفطرات الحسية والمعنوية.
يتناول المقطع أحكام الصيام والزكاة والاعتكاف، ويجيب عن أسئلة حول قضاء الصيام، واستخدام حبوب منع العادة الشهرية، وحكم إفطار المرأة الجاهلة، وصلاة التسبيح، وفضل الصلاة في مسجد قباء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل الذي وفقنا لهذا المجلس المبارك في بيت من بيوت الله، نتذاكر ما ينفعنا، خصوصا في مثل هذه الأيام، ونحن نستقبل موسما عظيما من مواسم الخيرات، وشهرا مباركا مليئا بأنواع الطاعات والقربات. وحري بالمسلم، وقد وفقه الله عز وجل لمثل هذه النعم، وورود مثل هذا الموسم العظيم، أن يشهد همته بحضور مجالس العلم وإحيائها بما يكون فيه حسن العقبة في دنياه وفي آخرته، باستغلال هذه المواسم على الوجه الذي يحب ربنا جل وعلا ويرضى. ونشكر إخواننا في هذه البلدة الطيبة، القائمين على الدعوة، في حرصهم على نفع إخوانهم، وحسن ظنهم بإخوانهم في إحياء مثل هذه المجالس الطيبة، ونفع الجميع بها، فجزاهم الله جل وعلا خير الجزاء. كما نشكر أخانا الفاضل الخالد حفظه الله تعالى على هذه المشاركة الطيبة النافعة، التي أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها، وأن يأجره ويأجرنا جميعا بما سمعنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. وسمعتم أو علمتم عن الموضوع المختار الذي اختاروه إخوانكم في هذه اللحظات عن استقبال رمضان، كيف نستقبل هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات، وهذا الشهر المبارك المليء بأنواع الطاعات؟ فالناس في استقبال هذا الشهر على أصناف، فمنهم - وللأسف - من يقدم عليه هذا الشهر كسائر الشهور، لا يرى منه فارقا، بل ربما حرمه الشيطان، وسولت نفسه الأمارة بالسوء، أن يزداد انصرافا وانحرافا وجهلا واغترارا، بما يكون من تضييع هذه الفرصة العظيمة في هذا الشهر المبارك العظيم، الذي ملئ بأنواع الطاعات والقربات، تفضلا من ربنا العظيم الكريم سبحانه وتعالى على عباده. فشهر رمضان شهر القرآن، كما قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. شهر رمضان شهر الصيام، الذي تزكو به النفوس، وتطهر القلوب، وتتوقى سائر الآفات والشرور، وأبواب السيئات، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وشهر رمضان الذي هو شهر القيام، يحيي المؤمن ليله بعبادة ربه، فيتذوق حلاوة القرآن بسماعه وتلاوته، ويتذوق حلاوة القيام بالوقوف بين يدي ربه. شهر رمضان شهر المسابقة في أنواع الجود والصدقات، من طعام الطعام، ومن مواسات الفقراء والمساكين والأيتام، وغير ذلك من أنواع الجود والبر. قال ابن عباس - كما في البخاري وغيره -: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». شهر رمضان الذي تضاعف فيه الحسنات، فهي فرصة عظيمة لمن أراد مضاعفة الأجور والاستكثار منها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان كحجة معي». شهر رمضان الذي فيه عشر ليال هي خير ليال الدنيا، حتى جاء في قول الله عز وجل: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. أقسم الله عز وجل بهذه الليالي أنها ليالي العشر من رمضان، العشر الأخير منها، التي هي خير ليال الدنيا، وفيها ليلة هي خير من ألف شهر، وهي ليلة القدر. فهذه الفضائل والمزايا والخصائص، وصنوف الطاعات والقربات، هي قليل من كثير من خيرات هذا الموسم العظيم. فالخاسر - كما سمعنا - هو الذي يأتيه مثل هذا الموسم العظيم، ثم يغفل عنه، يغفل عنه بتوسع في المباحات، واجتهاد ربما في أصناف تجارات الدنيا. العقلاء يعرفون مواضع التجارة الحقيقية، التجارة الحقيقية هي التجارة مع الله سبحانه وتعالى، وهذا هو موضعها، وهذا هو موسمها. إن كنت تريد ما عند الله، وصادق في إرادتي ثواب الله، وحريص على جنة الله ورضوانه، فهذا قد أقبل عليك موضع من مواضع التجارة عظيم. إن كنت تريد أن تكون من المؤمنين الذين يشترون الآخرة ويرغبون بها، فهذا موضع الشراء وموضع الاجتهاد. فلذلك - عباد الله - حري بنا أن نشهد هممنا في هذا الشهر، وفي مقدمه، على ما يكون به إعماره واستغلاله بما فيه الخير لنا في الدنيا وفي الآخرة. ولذلك - كما سبق - كان نبينا عليه الصلاة والسلام يرشد أمته ببعض ما قد يقع فيه بعض الناس من الغفلة عن هذا الخير، والتقاعص عنه، والزهد فيه، والإعراض عنه، فلا يبالي باستغلال هذا الشهر وإعماره بما فيه منفعته. وسمعتم الحديث المتقدم في دعاء جبريل عليه الصلاة والسلام، وتأمين نبينا عليه الصلاة والسلام، فمن أدرك شهر رمضان - هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات - فلم يغفر له، فهو المحروم، كما قال جبريل: «أبعده الله»، قل «آمين»، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «آمين». ما بالك بدعاء جبريل عليه الصلاة والسلام، وتأمين نبينا صلى الله عليه وسلم؟ فالحذر الحذر - عباد الله - من تفويت هذه الفرصة العظيمة، فإن من الناس - كما سمعتم - من ينصرف ويصرف، ويحرم إعمار هذا الشهر بما تكون به منفعته. وأعظم من ذلك أن يملأه بما يكون سببا في مضاعفة الآثام عليه. وكما قال أهل العلم: تضاعف الأجور بمضاعفة الفضل، بما يكون من فضل الزمان والمكان. وهكذا كذلك قد تضاعف الآثام بوقوعها مع الزمان الفاضل أو المكان الفاضل، كما قال الله عز وجل في حق المفسدين في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وفي المقابل: «الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة». وهكذا في شهر رمضان: «العمرة فيه كحجة مع النبي صلى الله عليه وسلم». وفي المقابل: المجامع فيه تلزمه الكفارة لحرمة الشهر. فتضعف عليه الكفارة، فعليه القضاء، وعليه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، لمن أتى أهله في نهار رمضان، تعظيما لحرمته هذا الشهر. ضعف عليه العقاب، وهكذا كذلك الإثم. حتى قال الرجل - كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -: «هلكت يا رسول الله». فقال: «ما أهلكك؟» وفي رواية: «احترقت يا رسول الله». قال العلماء: لأنه بلغه أن ما فعله إثم عظيم، وكبيرة كبيرة، فلهذا قال ما قال، رضي الله عنه وأرضاه. وصنف آخر من الناس يستقبل هذا الشهر بتوبة مؤقتة، وبطاعة محدودة بحد هذا الشهر. وهؤلاء في الحقيقة لم يعبدوا الله، وإنما عبدوا رمضان. سئل الإمام أحمد - رحمه الله - وهكذا روي عن الفضيل بن عياض: عن قوم يحسنون في رمضان، فإذا ذهب رمضان رجعوا إلى إساءتهم. فقال: «بئس القوم أولئك، قوم لم يعبدوا ربهم إلا في رمضان، ما عرفوا ربهم». أو كما قالوا، رحمهم الله. فإن التوبة الحقيقية هي التوبة التي تستوفي شروطها، ومن أعظم شروطها عدم العزم على الرجوع إلى الذنب. فهذا الذي يتوب توبة مؤقتة، يعقد في قلبه خلعها والتخلص منها في أول يوم من شوال، لم يصدق في توبته. ولذلك كان علينا أن نستقبل هذا الشهر بتوبة صحيحة مستوفية للشروط، بالإقلاع عن الذنوب والمعاصي، وبالندم، ندما يورث انكسارا من غير علة، يدفع العبد إلى الاستكثار من أبواب الحسنات والطاعات، والإخبات والخضوع والذل بين يدي الله جل وعلا، لعلمه بتقصيره، وعلمه بفضل ربه جل وعلا، وعظمته. فيعرف فقر نفسه، وكذلك تقصيره وعجزه، وغنى ربه وعظمته وفضله. فلذلك فهو يندم ندما يكون به إتمام وإكمال الإحسان، وتوبة تستوفي شرطا ثالثا: أن يكون عنده عزيمة صادقة مؤكدة موثقة على عدم الرجوع إلى ما ابتلي به من الذنوب والمعاصي، لصدقه في إقلاعه عنها، ولذلك تأكيد ذلك بصحة ندمه. وأما من كان من توبته هذا التوقيت الذي يفعله عباد رمضان، ولم يعبد الرحمن سبحانه وتعالى، فهؤلاء هم الذين تلاعب بهم الشيطان. وهكذا كذلك ينبغي للمسلم أن يستحضر في استقبال هذا الشهر حقيقة الصيام، بالنظر إليه من ثلاثة أوجه. الوجه الأول في هذا الصيام وحصوله ونيته فيه: أن يخلص نيته، ويحتسب ثوابه، ويقصد به وجه الله جل وعلا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه -: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه». قال العلماء: «إيمانا بفرضيته، واحتسابا لثوابه، وابتغاء وجه الله جل وعلا فيه». فإذا تأملت هذا المعنى، عرفت قلة من يوفق لحقيقة الصيام في هذا الشهر. فما أكثر من يصوم عادة، وما أكثر من يصوم رياء وسمعة، ومسايرة للمجتمع. يقدم الشهر المبارك على بعض الناس، وهو هم وغم عليهم، لأنه يمنعهم من شهوات اعتادوها، وهكذا كذلك رغبات يشتهونها، ولكنهم لا يجدون بدا من صيامه، خشية أن يؤثر عنهم فطر، وقد صامه النساء والأطفال والضعفة. ولذلك قد يظهر أثر هذه النية السيئة، وهذا التخلف في المقصد الحسن، على تطبيقهم لهذا الصيام، فربما قضوا نهاره بالنوم، فقتلوا نهار رمضان بالنوم، وهكذا ضيعوا ليله باللهو والعبث، همهم وقصدهم كيف ينقض الوقت، وكيف يمر عليهم، لا هم لهم إلا ذلك. فلذلك يتنوعون ويتفننون في إضاعة الأوقات وقتلها. وأما من أراد وجه الله، فهو يتمنى أن الشمس لا تغرب، لكثرة الطاعات التي يعملها، وصنوف القربات وأبواب الإحسان التي يجتهد ويجاهد فيها. ربما قد ختم، ويريد أن يكمل ختمة، ويرجو أن يكون ذلك قبل فطره، أو كذلك يصلي بالليل، ويرجو أن الله يبارك له في ليله، فيزيده من فضله، لما يكون من شدة ما يجد من حلاوة القرآن والقيام. وآخر مجتهد في باب الصدقة، فهو يتمنى أن يعينه الله، فيمد له في الوقت، ليستوعب أكثر عدد من الصدقات، ويتم في يديه من أنواع البر والقربات. وانظر الفرق بين هؤلاء المسابقين وهؤلاء المجتهدين، وبين أولئك الغافلين اللاهين، فتعرف كيف يستقبل أناس هذا الشهر، وكيف يستقبله آخرون. وهكذا جهة أخرى في حقيقة هذا الصيام: أنه لا ينحصر عن الصيام عن المفطرات من الطعام والشراب، وسائر المفطرات، ولكنه يشمل الصيام المعنوي مع الصيام الحسي. وما أكثر من يغفل عن هذا المعنى. وكما ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - في مراتب الصائمين: أن من الناس من يصوم في ظاهره، ومن لا يصوم في باطنه. وهؤلاء هم الذين يصح فيهم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ويصح فيهم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه التعب والنصب». فلذلك يحرص المسلم - مع صيام الطعام والشراب - أن يصوم عن السيئات، وسائر أبواب الخطيئات. بل أمر المسلم - لو اعتدي عليه - أن لا يجهل مع الجاهلين، ولا يخطئ مع المخطئين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «فإن سابه أحد أو شاتمه، فليقل: إني صائم، إني صائم». كررها مرتين عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك جهة ثالثة في حقيقة هذا الصيام: أن من أعظم مقاصده حصول التقوى لهذا الإنسان، بتزكية ظاهره وباطنه. وبه يعرف الصائم أن المقصود من الصيام ليس هو الوقوف عند طاعة الصيام، بترك الطعام والشراب، والمحافظة على الواجبات والسنن في هذه الطاعة. بل المقصود هو الاستعانة بهذه الطاعة على غيرها من الطاعات الأخرى. ولهذا شرع من أصناف الطاعات، وأعداد القربات في هذا الشهر، ما لا يشرع بغيره، لأن المسلم أعان على ذلك بالصيام في هذا الشهر. فليس المقصود أن يقف المسلم عند عبادة الصيام فقط، كما قد يفهمه الكثير من الناس، وربما إذا زاد القيام، رأى نفسه متفضلا، وهو بالحقيقة لم يصل إلى المقصد وحقيقة الصيام الذي لأجلها شرعت هذه الفريضة. وكما تعرفون: للصيام فضائل وحكم ومحاذير، ومن تتبعها علما أن هذه الطاعة والفريضة لم تفرض ليقف المسلم عندها، ولكنها فرضت لأجل أن ينتقل المسلم بها إلى غيرها من أنواع الطاعات والقربات الأخرى. وفرق بين الأمرين. فرق بين من ظن أن المقصود من شهر رمضان الوقوف عند هذه الطاعة والفريضة، وبين من فهم أن المقصود بفرض هذه الفريضة الاستعان بها على أنواع القربات والطاعات الأخرى. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنة». وقال عليه الصلاة والسلام كذلك، مبينا هذا المعنى: «إذا جاء رمضان، غلقت أبواب النيران، وفتحت أبواب الجنان، وصفدت الشياطين»، تنويها وتنبيها أن يجتهد المجتهدون، ويتنافس المتنافسون، ويسابق المسابقون في أنواع البر والقربات والطاعات في هذا الشهر. ولهذا كذلك شرع للصائم أن يعتكف في هذا الشهر، لأن الاعتكاف إعانة له للتفرغ لعبادة ربه وطاعته، والاجتهاد في صنوف القربات. وكما تعرفون: المعتكف تزول عنه الشواغل. وصح أن نبينا عليه الصلاة والسلام اعتكف قبل أن يعلم، أو قبل أن يخبر بليلة القدر، اعتكف العشر الأول من رمضان، وهو يريد ليلة القدر. وثبت أنه اعتكف العشر الأوسط، حتى أن الصحابة كادوا أن يخرجوا صبيحة ليلة العشرين، في صبيحة العشرين، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن من اعتكف معه، وأراد وابتغى ليلة القدر، فليواصل اعتكافه، فإنه أوحي إليه أنه بالعشر الأواخر من رمضان، فواصل الصحابة الاعتكاف معه، طلبا لليلة القدر، وتفرغا لعبادة الله جل وعلا، وإعمار أوقاتهم بصنوف الطاعات والقربات. فإن من مقاصد الصيام، ومن حقيقته، أن تستعين به على سائر الطاعات والقربات الأخرى. استحضر هذا المعنى وتتبعه، فإنك ستنتفع بهذا كثيرا. وهكذا كذلك نجد الناس يستقبلون هذا الشهر بمعاني مختلفة، ومفاهيم كذلك ربما متضادة. فبعضهم يستقبله بأصناف الطعام والشرب، وآخرون باستعداد لأبواب الاكتساب والاتجار، وليس هذا بحرام، ولكن لا يعني ذلك على حساب شهر فضيل وموسم عظيم، ينتفع به المسلم انتفاعا يكون به خيره في الدنيا وفي الآخرة. وهكذا آخرون ربما يستقبلونه بالاستعداد بأنواع الملهيات والمشغلات، وبعضها ربما يكون من الأمور المحرمات. هذا يستعد باستبدال جهاز الدش، بدلا من أنه - كما يقال - عادي، يذهب يبحث عن المشفر. وآخر يستبدل جهاز التلفاز، وآخر يشتري أنواع الألعاب، وكذا وكذا من أحوال الناس بهذا الشهر. غفل عن المقصود من هذا الشهر، وحرمان لأبواب الخير والفضل، وهي أيام معدودات، أيام معدودات - عباد الله - ثم بعد ذلك يربح الرابحون ويخسر الخاسرون. أنت يوم القيامة ستحتاج إلى حسنة واحدة. الناس جميعا يبخل ويشح، حتى يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. يقف العبد بين يدي ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، ينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وأشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وبين يديه فيرى النار تلقى وجهه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، جزء من تمرة». تتمنى أن تتق بها النار في ذلك اليوم. واليوم قد يسر الله لنا بهذا الموسم العظيم، المليء بأنواع الحسنات ومضاعفتها، وصنوف القربات وكثرتها. وبإمكاننا أن نفعل الشيء الكثير، ونحن في دار الإمكان، نحن في دار العمل، قبل أن ننتقل من هذه الدار إلى دار الجزاء. ولا أحد يدري متى يتوفاه الله عز وجل. فالموت لا يفرق بين صغير ولا كبير، ولا ذكر ولا أنثى. كلنا سيكون مرتهن بعمله. فالواجب - عباد الله - أن نستعد لهذا الشهر بما يكون فيه إعماره، وكذلك الانتفاع به، ومنه، كما كان حال نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك - كما سمعتم - بحديث ابن عباس، فاجتهاده في هذا الشهر كان أكثر من اجتهاده في غيره، وهو إمام المجتهدين والمتقين عليه الصلاة والسلام. وهكذا الصحابة من بعده، وأهل العلم والفضل، حتى أن العلماء - على ما يقومون به من شرف العلم وفضله - يتركون العلم في شهر رمضان، وهو فضل عظيم، ومع ذلك يتركونه تفرغا لعبادة الله جل وعلا في هذا الشهر الكريم. وما أكثر ما أثر ذلك عن عدد من العلماء، ولا سيما هذا الإمام الزهري - رحمه الله - كان يقول: «إذا جاء رمضان، يترك درس التحديث، ويقول: إنما هو شهر القرآن». ونحو الإمام مالك، وكان الثوري - رحمه الله - مجتهدا في العبادة، فإذا جاء رمضان اجتهد في القرآن وفي طاعاته هذا الشهر المبارك الكريم. وهكذا نحن - عباد الله - من باب أولى أن نجتهد فيه. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعا لما فيه مرضاته، وأن يجعلنا ممن يعان في هذا الشهر على صيامه وقيامه، وسائر أصناف العبادات والطاعات والقربات والإحسان فيها، وأن يجعلنا من عتقاء من النار، اللهم آمين. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم. طيب، هذه مجموعة من الأسئلة، يجاب على ما يتيسر منها. يقول السائل أو تقول السائلة: امرأة تقول: ابنها عليها صوم أيام من رمضان الماضي، وأخرته حتى شعبان، ولكنها حصل لها مرض، وأجريت لها عملية. فماذا تفعل الآن؟ هل تطعم أم تقضيه؟ إن كانت ترجو البرء والشفاء، بما يغلب على المرض الذي ابتليت به، ونسأل الله عز وجل أن يشفيها، ويعظم لها الأجر، وسائر المسلمين، فتنتظر حتى يشفيها الله عز وجل، وتقضي. وإن كانت قد غلب على ظنها أنها لا تستطيع القضاء، فتطعم، سواء لضعفها وشدة المرض، أو كان ذلك لتراكم صيام كثير عليها من المرض ومن غيره، فإنها تطعم عن كل يوم مسكين. يقول: ما حكم استخدام المرأة حبوب منع العادة الشهرية، حتى لا يكون عليها قضاء في رمضان؟ الأفضل والأكمل أن تبقى المرأة على فطرة الله التي فطرها الله عز وجل عليها، والله عز وجل أعلم بعباده وخلقه، وهو أرحم بهم. فكونه سبحانه وتعالى جعل لها أياما تفطر فيها، هذا هو الذي وافق فطرتها وخلقتها، وهو الحكيم العليم. وكونها تتكلف شرب الحبوب، وإن كان بعض أهل العلم قد قال: إنه من المباحات، بشرط أن لا يضر، لكن لا يعني ذلك أن المسلم يفعل ما يشتهي، دون التأمل في الأنفع والأفضل، والموافق لعمومات الشريعة وحكمها. فالأفضل والأكمل في هذا المقام أن تجتنب هذه الحبوب. وإذا استعملتها ولم يكن فيه ضرر عليها، فكما سمعتم: بعض أهل العلم يقول: لا بأس بها. يقول: امرأة من البادية كانت عندما يأتي شهر رمضان تفطر وتأكل طوال الشهر، وهو عن جهل منها، واستمرت سنوات عديدة. والآن عرفت أن هذا الأمر محرم، ولا يجوز. فماذا تفعل؟ إن كانت تجهل بفرضية الصيام، وهذا لا يتصور في مجتمع مسلم، فهي معذورة إذا كانت صادقة بأنها جاهلة بفرضية الصيام، فرط أبوها بتعليمها وأهلها، فكانت جاهلة بفرضيته، فهي معذورة، ولا شيء عليها، وتفعل ما علمت من حين أن علمت. وأما إن كانت وطبعا قال الله عز وجل في هذا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فإن كانت مفرطة، ويتعلم بفرضيته، لكنها كانت تساير مجتمعها من الجهل الذي هو جهل إعراض عن العمل، فمثل هذه تتوب عما صدر منها. والصحيح أن المتعمد للفطر ليس عليه قضاء، ولكن عليه التوبة. يقول: أفطر والدي عشرين يوما أو إحدى وعشرين في رمضان، لأنه كان مصابا بجرح في رجله، ومصاب بالسكر أيضا، فكان يصوم إلى الظهر، ثم يطلب الإفطار، ويصر على أن الوقت مغرب. فنعطيه الطعام، واستمر على هذا الحال عشرين أو إحدى وعشرين يوما. فماذا يلزمه الآن، مع العلم أنه الآن بصحة جيدة، وهو بخير وعافية؟ إن كان في ذاك الوقت يعقل ويدرك، فهنا يقال له: عليه القضاء، بالنسبة للأيام التي أفطرها. والغالب أنه أفطر من شدة الجوع والتعب، وخصوصا أنه مبتل بمرض السكر، والسكر إذا فرط، وهذا يظهر من كونه تماد به الجرح، يكون سببا في إرهاقه. فصاحب السكر يصعب عليه الصوم، ويشق عليه لشدة أثر السكر عليه في جوعه وغير ذلك، فمثل هذا يؤذن له بالفطر، فهو من يدخل في معنى قول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فيقضي أيام أخر. وأما إن كان في ذاك الوقت اشتد به المرض، حتى صار لا يدرك، ويزول عقله بعض الشيء، وهذا قد يحصل لبعض أصحاب السكر إذا ارتفع عندهم بشدة، ربما تختل عنده بعض الحواس. فإذا اختل إدراكه بذاك الوقت، وهذا أقوله لأن السائل يقول: إنه كان يصر على الفطر في الظهر، ويقول: إنه مغرب، وهذا لا يقوله عاقل، فهو يقول أحد رجلين: إما مجنون، أو رجل فيه شيء، إما من كبر سن، أو من مبالغة في مرض، حتى المحموم أحيانا إذا شدت به الحمى، لم يميز بين الأوقات، ولم يفرق بين الصلوات، بل وربما هذرم في كلامه من شدة مرضه. ومن كان هذا حاله، فإنه رفع عنه القلم، وهو معذور. وهل عليه القضاء أو ليس عليه القضاء؟ الصحيح والأحوط أن عليه القضاء، لأنه أمر عارض، ليس جنونا، وإنما هو أمر عارض، فيقضي ما دام يستطيع القضاء، على كل الأحوال. وإن كان لا يستطيع القضاء، فإذا الآن يطعم عن كل يوم مسكين. يقول: ما حكم صلاة التسبيح؟ فهل صح الحديث الذي ورد فيها؟ هذا الحديث اختلف أهل العلم فيه. والصحيح - والله أعلم - أنه لم يصح. أولا: لكثرة من ضعف هذا الحديث من الأئمة، حتى أن بعض الأئمة تردد فيه. وهكذا كذلك: لأنه - كما قال جماعة من أهل العلم - يحوي صفة من الصلاة، لا يعرف لها نظير في سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، بل في دين الإسلام. ومثل هذا - لو كان ثابتا - لا استفاض واشتهر. وهذا مما يستأنس به في أن هذا الحديث لم يصح. يقول: هل صح الحديث: أن من صلى صلاة في مسجد قبا كان كعمرة؟ لا يعرف حديثا صح في هذا المعنى. لكن صح - من حديث ابن عمر وغيره - أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذهب في كل يوم من الأسبوع إلى مسجد قبا. وهذا يدل على فضل الصلاة فيه. تقول: امرأة عليها صيام عشرين يوما من رمضان الماضي. ماذا عليها الآن، ولم يبق من رمضان إلا ما تعلمون؟ إن كانت مفرطة، فتتوب لله عز وجل، وكان عليها أن تقضي، وتحرص على القضاء. فالآن - ما دامت لم تقضي - تقضي بعد رمضان إن شاء الله، مع التوبة من التفريط. إن كانت مفرطة. وإن لم تكن مفرطة، ومنعها مانع وعدر، فإنما الأعمال بالنيات. والله يوفق للصواب. يقول: معلوم لديكم ما للقرآن من فضل، وعظم الأجر. سؤالي: طرح بعض الإخوة فكرة على أن نعمل حلقات في شهر رمضان لتصحيح القراءة، وذلك لمدة نصف ساعة أو ساعة بعد صلاة الظهر. فما رأيكم في مثل هذا العمل؟ وكذلك نريد نصيحة لمن يجد في نفسه الرغبة أن يقوم بتعليم إخوانه. الناس يختلفون في الاجتهاد في الخير، وكل على ثغرة. فمن وجد في نفسه ساعة وقوته واستطاعته أن يعلم الناس، وتفرغ لهم بعض الوقت، فهذا عمل صالح من الأعمال التي تعمر بها الأوقات في هذا الشهر، خصوصا في القرآن، وتعلمه وتعليمه. وقد قال عليه الصلاة والسلام - كما في حديث عثمان في البخاري وغيره -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وتعرفون: يدخل الكثير من الناس في شهر رمضان، فربما تكون هذه الحلقات سببا في جذبهم إلى طريق الخير والاستقامة. وآخرون يحبون التفرغ لأنفسهم بالاجتهاد في الطاعة، وغير ذلك من أبواب الخير. فأرجو ألا يلح هؤلاء على هؤلاء، ولها أولاء على هؤلاء، وكل على ثغرة. الذي يرى نفسه يجتهد في نفسه، يترك. فالإنسان يتاجر مع ربه سبحانه وتعالى بما يرى أنه أصلح له. والذي يجد في نفسه نشاطا ورغبة في نفع الناس، فكذلك هذا عمل صالح. وكما تعرفون: بعض العلماء كانوا في هذا الشهر يستغلونه في تعليم الناس. وآخرون يستغلونه في التفضل على أنفسهم بالاجتهاد في الطاعة، وغير ذلك من أبواب الخير. وكل - إن شاء الله - على خير، وكله عمل صالح. فإذا وجد من الإخوة من يتعاون على هذا العمل الصالح، فهو أمر حسن. ولكن لا يلزم على غيرهم في أمر التفرغ لهذا الشيء، فيكون هذا طواعية. كما أنه كذلك لا ينبغي لمن ينشغل في نفسه أن يزهد هؤلاء عن مثل هذا العمل الصالح، بل ينبغي أن يبارك لهم فيه. والناس يختلفون في هذه الأبواب، وكلها أعمال صالحة - إن شاء الله - يقول: هل يجوز تأخير زكاة عروض التجارة حتى يخرجها في رمضان، طلبا لمضاعفة الأجور؟ إن كان هذا التأخير يؤدي إلى تفويت بعض الأشهر الذي يجب فيها الزكاة، فهذا خطأ. ولذلك بعض أهل العلم يقول: في حق أمثال هؤلاء، الأفضل أن يحول حوله إلى رمضان، مثلا إذا كان حوله في رجب، وهو يريد أن يخرج الزكاة في كل سنة في رمضان. فينظر كم الزكاة التي وجبت عليه في هذه السنة، مثلا. فلو قدر أن الزكاة مئة وعشرين ألفا، فمعناه أن كل شهر بكم؟ بعشرة آلاف. فهو لأجل أن ينقل الحول إلى رمضان، فيحتاج أن يزيد في الزكاة فارق هذه الأشهر، فرجب وشعبان، يزيدها، فيخرج مئة وأربعين ألفا في رمضان. فيكون حوله في كل سنة في رمضان، من بعد أن يخرج هذه الزكاة على هذا الوصف. يقول: زكاة عروض التجارة، إذا كنت آكل طوال السنة من نفس التجارة، ويسجل علي دين، ثم أقضيه آخر السنة. فالسؤال: هل الزكاة تكون في جميع الفائدة، أم أخرج منها ما صرفته طوال السنة؟ أخرج ما صرفته، ما دام أنه دين، فهو من الديون التي تخرج. يقول: شيخ عاجز لا يقدر على الصيام، فهو يخرج عن كل يوم مسكين. فهل يجوز له أن يعطي كل يوم مسكين واحد؟ نعم، يجوز، فهو ليس مثل كفارة اليمين، يجوز أن يكررها على نفس المسكين، ويجوز أن يفرقها على أكثر من مسكين. يقول: هل من نصيحة للذين يجلسون حلقا في المسجد، يتكلمون في أمور الدنيا؟ سبقت الإشارة إلى ذلك: أنه ينبغي للمسلم أن يجتهد في هذا الشهر بما ينفعه. ومن عرف فضل هذا الشهر، والأعمال الصالحة فيه، لا يجد فرصة حتى لرد السلام، لو لأن السلام رده واجب، يرد السلام، وإلا فهو منشغل، إما بقراءة قرآن وختمه، وإما ب علم، وإما بصلاة، ونحو ذلك من أعمال صالحة. فيبين لهؤلاء اجتهاد السلف الصالح في هذا الشهر، ويحث بنصيحة فيها رحمة ورفق، فإن شاء الله يكون هذا سببا لشدهم وجذبهم إلى أبواب الخير. يقول: هل يجوز الاشتراك في الاعتكاف؟ فمثلا تنوي الاعتكاف، ولكن إذا كانت هناك الجنازة، ستخرج. إذا خرجت في الجنازة، حتى اشترطت أو لم تشترط، فاعتكافك مخدوش. فإن أردت اعتكافا كاملا، فلا تخرج، لا للجنازة، ولا لعيادة مريض. تقول: عندي امرأة طاعنة في السن،