الدرس في مفيد المستفيد 13، الدرس الثالث عشر:من( وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل ... وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير فنذكر منه قليلا من كثير ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تكفير من يقع في الشرك وعبادة القبور، ويحذر من الوقوع في أفعال المشركين الجاهليين مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج. يُبين أن هذه الأفعال تعد شركا بالله وتستوجب التكفير.
يُناقش مفهوم التوحيد وأهمية إفراد الله بالعبادة، ويحذر من الوقوع في الشرك والكفر. يُبين أن السجود لغير الله تعالى يعد شركا، سواء كان بوضع الجبهة على الأرض أو بالانحناء.
يُنصح بعدم الخوض في قضايا الأعيان لأنها من اختصاص العلماء الراسخين. يشير إلى أهمية الرجوع إلى العلماء في مثل هذه القضايا لتجنب الخطأ والفتنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ورحمه الله تعالى في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تاريخ التوحيد». وقبل القراءة مر معنا في الدرس الماضي الكلام على ما نقله شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في الكلام على كفر مانعي الزكاة. وعلمنا فيما سبق أن وجه الدلالة منه كون الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم كفروا أهل الردة، مع فعلهم لشرائع الإسلام الكثيرة، لكونهم فعلوا ما يوجب الردة ويستوجب حكم الكفر عليهم. وعلمنا فيما سبق أنهم ليسوا جميعا أهل كفر، لأن منهم من فعل ذلك جحودا، ومنهم من ترك شرائع الإسلام جميعا، ومنهم من بخل. وعلمنا أن مانع الزكاة بخلا ليس بكافر. والدليل حديث أبي هريرة في ذكر فيما ذكر فيه النبي عليه الصلاة والسلام من يبخل عن الزكاة من أهلي بهيمة الأنعام والذهب والفضة. وقال في آخره: «ثم ينظر إلى سبيله» يعني: يعذب بقدر معصيته في منع الزكاة، «ثم ينظر إلى سبيله جنة أو نار» يعني: بعمله الآخر. وهذا يدل أنهم ليسوا كفار. وتنبيه آخر: ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله من قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، هذا الذي وقع في عهد أبي بكر رضي الله عنه. ولكن ذكر العلماء أن عمر رضي الله عنه لم يكن يوافقه في هذا، أي: في سبي الذراري. ونقل ابن القيم في كتاب «إعلام الموقعين» في باب و فصل وبيان أوجه مخالفة بعض الأتباع لمتبوعيهم بمقتضى الدليل والحق، أو بمقتضى ما تبين له. فذكر عدة مخالفات وقعت، ومن ذلك ما ذكره عن عمر رضي الله عنه في مخالفة أبي بكر من مسائل، ومنها هذه المسألة. فإن عمر رضي الله عنه لما أولي الخلافة رد السبي إلى أهله، ولم يكن موافقا لأبي بكر رضي الله عنه في السبي. وذكر مسألة مفيدة دقيقة، يرجع إليه في «إعلام الموقعين» في الموضع المشار إليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها يا مولاي -يعني- ويكتبون الأوراق والرقاع من الجلد وغيره، ويجعلونه في تلك القبور يطلبون الحوائج. قال فيها -أي: في تلك الرقاع- فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا. وإلقاء الخرق على الشجر اقتداءا بمن عبد اللات والعزة» انتهى كلامه. وهذا بعينه ما يفعله عباد القبور قديما وحديثا إلى يومنا هذا. ومن يذهب إلى مواضع زيارات عباد القبور يجد هذا جليا واضحا ظاهرا. وانظروا إلى ما يفعل في زيارة هود، فتجد في بعض تلك الصخور تلك الخرق التي ترمى وتعلق، ويظنون أن من علقت فرقته أو خيطه فإنه تعلق حاجته وتتحقق أمنيته. وانظروا إلى تلك القباب الصغيرة والكبيرة التي ترمى فيها بالخرق والخيوط المبلولة بريق بعضهم أو غير ذلك، ويظنون أن من علقت فرقته أو خيطه تحقق ما يريد مما يطلب من هذا الميت وصاحب تلك القبة. وهذا كما قال ابن عقيل رحمه الله هو عين ما كان يفعله المشركون في اللات والعزى. فكان لهم من جنس ما يفعل هؤلاء. قال رحمه الله تعالى: «والمراد منه قوله: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع» يعني: أن الإمام أبي الوفاء ابن عقيل كفر أناسا من أهل زمانه بسبب وقوعهم في الشرك، مع أنهم من المسلمين ويصلون ويزكون ويصومون ويحجون، بل وعندهم ربما أشياء كثيرة من الطاعات والقربات. لكن لكونهم فعلوا هذا الشرك وتعبدوا بهذه العبادات لغير الله، وكانت لهم هذه الأوضاع. والمراد بالأوضاع أي: أفعال وأحوال وأقوال يقومون بها على وجه العبادة، وهي عبادة لغير الله عز وجل. فهذا إمام آخر كفر أناسا معينين، وهم عندهم من شعائر الإسلام الشيء الكثير. فمن ترك التوحيد كفر، ولا يسمى التوحيد توحيدا حتى يكون فيه نفي وإثبات، نفي للشرك وإثبات للتوحيد. قال رحمه الله تعالى: «وقال أيضا في كتاب الفنون: لقد عظم الله الحيوان لاسيما ابن آدم حيث أباحه الشرك عند الإكراه، فمن قدم حرمة نفسك على حرمته حتى أباحك أن تتوقى عن نفسك بذكره بما لا ينبغي له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره وتوقر أوامره وزواجره». يعني: أن الله عز وجل وهو العظيم سبحانه أذن لهذا الإنسان أن يقول كلمة الكفر والشرك إذا وقع في الضرورة، على أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان، وهذا دفعا للضرورة عن نفسه. ورضي سبحانه وتعالى بانتهاك حرمة عظمته حفاظا على نفسك يا إنسان، فكيف بعد هذا لا تدعى لله عز وجل بتوحيده وطاعته؟ قال رحمه الله تعالى: «لحقيق أن تعظم شعائره وتوقر أوامره وزواجره». وعظم عرضك بإيجاب الحد بقدفك -يعني: عرضك جعل له حرمة- ومن رماه بشيء قدفك به فإنه يحد حد القدف. وعظم مالك بقطع يد مسلم في سرقته. وأسقط شطر الصلاة في السفر لأجل مشقتك. وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل إشفاقا عليك من مشقة الخلع واللبس. وأباحك الميتة سدا لرمقك وحفظا لصحتك. وزجرك عن مضارك بحد عاجل -يعني: الخمر- وهكذا كذلك نحوه من الأمور الضارة جعل لك زاجرا بهذه الحدود. قال: «ووعيد آجل» يعني: ما يكون من عذاب الله وما القيامة لشارب الخمر وللقاتل وللسارق ولغيره. قال: «وخرق العوائد لأجلك» يعني: لأجل أن تؤمن، وإلا الله غني عنك. كون يرسل لك رسول ولا تؤمن هذا كافي بتعذيبك واستحقاقك ما تستحق من سخط الله وغضبه. لكن رحمة بك ورفقا كذلك بأمرك أرسل رسلا، وجعل مع الرسل خوارق عادات حتى تؤمن ويدخل اليقين لقلبك أنهم رسل يجب أن تصدقهم، وأنها كتب يجب أن تتبع ما فيها. وما هذا إلا من اعتناء الله عز وجل بك يا إنسان. قال: «وخرق العوائد لأجلك وأنزل الكتب إليك، أيحسن لك مع هذا الإكرام أن يراك على ما نهاك منهمك، ولما أمرك تارك، وعلى ما زجرك مرتكب، وعن داعيه معرض، ولداعي عدوه فيك مطيع» يعظمك وهو -أي: في التعظيم والإجلال- قال: «وتهمل أمره وأنت أنت» يعني: في الضعف والنقص والفقر. قال: «هو حط رتبة عباده لأجلك» يعني: الملائكة. وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجدها لأبيك -يعني: الشيطان- هل عاديت خادما طالت خدمته لك لترك صلاة؟ هل نفيته من دارك للإخلال بفرض أو لارتكاب النهى؟ فإن لم تعترف اعتراف العبد للموالي، فلأقل أن تقتضي نفسك إلى الحق سبحانه اتضاعا للمساوي المكافي. ما أفحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان بينه وبحضرة الحق سبحانه وملائكة السماء سجود له، ترامى به الأحوال والجهات إلى أن يوجد ساجدا لصورة في حجر أو لشجرة من الشجر أو لشمس أو لقمر أو لصورة ثور خار أو لطير صفر. ما أفحش زوال النعم وتغير الأحوال والحور بعد الكور. لا يليق بهذا الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوانات -يعني: الإنسان- أن يرى إلا عابدا لله في دار التكليف، أو مجاورا لله في دار الجزاء والتشريف -يعني: في الدنيا يجب أن يكون الإنسان بعد هذه الحجج والبينات والدلائل الكثيرة أن يكون عابدا لله وحده، وفي الآخرة أن يكون مجاورا لله جل وعلا- قال: «ومجاورا لله في دار الجزاء والتشريف، وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير موضعها» انتهى كلامه رحمه الله. وهذا الكلام نقله رحمه الله عن أبي الوفاء ابن عقيل كذلك، ليستدل به على أن من الناس من يقع في الكفر والشرك ولو كان عنده ما عنده من الإسلام، إذا وقع في عبادة غير الله. وهذا قوله: «إلى أن يوجد ساجدا لصورة في حجر أو لشجرة من الشجر أو لشمس أو لقمر» إلى آخره. قال: «والمراد منه» هكذا يقول شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب: «قال والمراد منه أنه جعل أقبح حال وأفحشها من أحوال الإنسان أن يشرك بالله، ومثله بأنواع منها السجود للشمس أو للقمر، ومنها السجود للصورة كما في الصورة التي على القبور كفعل النصارى واليهود، وبمثلهم فعل عباد القبور والباطنية من المتصوفة والشيعة، فإنهم يسجدون للصور بل وربما سجدوا للأصنام المصنوعة على تلك الصور، وهذا واقع في كثير من المزارات الشركية». قال: «والسجود قد يكون بالجبهة على الأرض، وقد يكون بالانحناء من غير وصول إلى الأرض، كما فسر به قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس: ركعا. بل قال بعض المفسرين: منكسي رؤوسكم. لا يلزم الركوع، فإنه من السجود الذي لا يجوز إلا لله. وعليه ما وقع في حديث معاذ حين أنكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لم ينكر عليه على القول الصحيح السجود على الأرض بوضع الجبهة على الأرض، ولم يكن معاذ ليفعل ذلك بعد إذ عرف ما عرف من التوحيد. ولكنه إنما فعل الانحناء بتوطئة الرأس عند التحية، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سجودا. توطئة الرأس بالانحناء عند التحية سماه سجودا ونهاه عنه، وبين أنه لا يجوز أن يكون إلا لله سبحانه وتعالى». ولهذا تجد بعض الملوك والعظماء يفعلون ذلك. وكما ذكر عن بعض ملوك النصارى أنه أرسل إليه بعض العلماء في عهد بن العباس، فلما أرسل وكان لا يدخل على الملك أحد إلا وينحني، فجعل لنفسه بابا لاطئا -يعني: قصيرا- وهو في مواجهة الباب، فلا يدخل أحد إلا أن ينحني فيدخل، وتكون تلك تحية لمن شاء ولمن لم يشأ لهذا الملك. فلما انتبه هذا العالم دخل وهو مستدبر الباب، فصفق ذاك الملك -يعني: أنه أول من خرج عن السجود لهذا الملك- يعني: الباب إذا كان واطئا تدخل لا بد تنكس رأسك، فانتبه لهذا العالم فدخل وهو مستدبر الباب حتى لا يكون ساجدا وموطئا رأسه لهذا الملك، بل لله عز وجل وحده. فهذا المعنى يطلبه كل من لم يعرف التوحيد، أو من رأى في نفسه معاني من معاني الربوبية والعياذ بالله. فلذلك لا يجوز أن يكون السجود لغير الله. وهذا السجود كما علمنا ليس هو فقط بوضع الجبهة على الأرض، بل بالانحناء. ويفعل هذا الانحناء الكثير عند تلك المزارات والقبور فينحنون عندها. قال: «وقال ابن القيم في «إغاثة اللهفان» في إنكار تعظيم القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا سماه «مناسك المشاهد»، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عبدة الأصنام» انتهى -يعني: كلام ابن القيم رحمه الله-. قال: «وهذا الذي ذكره ابن القيم رجل من المصنفين يقال له ابن المفيد، فقد رأيت ما فيه بعينه. فكيف ينكر تكفير المعين؟ فهذا ابن القيم كفر مؤلف هذا الكتاب، وهو ابن المفيد الذي سمى كتابه «مناسك المشاهد». ومثله اليوم من ألف «مناسك زيارة هود»، فهذا كذلك كافر بالله عز وجل، لأنه ضاهى عبادة الله بهذه العبادة. فمن جعل مناسك غير الحج والعمرة فهو كافر مرتد مشرك، لأنه فعل ما يبطل العبودية لغير الله عز وجل، كما كفر ابن القيم رحمه الله صاحب هذا الكتاب». قال: «ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عبادة الأصنام، فإن عبادة الأصنام كانت بأشياء كثيرة، ومنها إقامة المناسك والزيارات لها كما تقام لبيت الله الحرام». قال رحمه الله: «أما كذا مسألة أتباع أئمة في التكفير، فندكر منه قليلا من كثير». طيب نترك هذا إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. فنتفي بهذا والله تعالى أعلم. أنا نسيت. يقول أخونا محمد: أن العالم الذي ذكر أنه دخل مستدبرا هو أبو إسحاق الإسفراييني. طيب. يقول: ما هو القول الموجز الفصل من إقامة الحجة؟ فقد رأينا من التوسع في هذا الأمر ما يتنافى تماما مع منهج السلف في ذلك. فكم من عابد قبر أو عالم زنديق أو داعي للإلحاد، ونرى الكثير يتوقف في تكفيرهم والله المستعان. أنا أخشى السائل ونفسي وإياكم أن لا نشغل أنفسنا في قضايا أعيان، فنحن في طور الطلب، ونترك هذه القضايا -قضايا الأعيان- للعلماء الراسخين، فهم المكلفون الموكلون بمثل هذه القضايا. أحسن من سألك على شيء إلى العلماء الراسخين وترتاح. وأما مسألة إقامة الحجة سبق الكلام عليها في الدروس الأولى بما يغني عن الإعادة. طيب. نتوفي بهذا والله تعالى أعلم.