مفيد المستفيد 24

مفيد المستفيد 24

الدرس في مفيد المستفيد 24، الدرس الرابع والعشرون:من( ثم روى بإسناده قال:جاء رجل إلى حديفة وأبو موسى الأشعري ... الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الشرع والعلم في الأعمال

يناقش أهمية موافقة العمل للشرع مع صلاح النية، ويحذر من العمل بغير علم وشرع. يُشدد على ضرورة عرض الأعمال على الكتاب والسنة.

تحذير السلف من أهل البدعة ومجالستهم

يُنقل عن السلف الصالح تحذيرهم من مخالطة أهل البدعة لما في ذلك من خطر، ويُنصح بعدم مجالسة أهل البدع ومجادلتهم. يُستشهد بآثار وأحاديث نبوية في هذا السياق.

التعامل مع الآخرين والإحسان إليهم

يتحدث عن تفاوت الناس في الخلق ودواعي الإحسان إليهم، ويبرز أهمية مراعاة الفروق الفردية في التعامل مع الآخرين. يُشير إلى أن هذا التفاوت يزيد من أهمية الإحسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد»: قال ثم روى بإسناده قال: جاء رجل إلى حذيفة وأبو موسى الأشعري قاعد، فقال: أرأيت رجلا ضرب بسيبه غضبا لله حتى قتل، أفي الجنة أم في النار؟ فقال أبو موسى: في الجنة. فقال حذيفة: استفهم الرجل وافهمه وأفهمه ما تقول، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، ولما كان في الثالث قال: والله لأستفهمه، فدعا به حذيفة، فقال: رويدك، وما يدريك أن صاحبك لو ضرب بسيبه حتى ينقطع فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يصب الحق ولم يوفقه الله للحق فهو في النار. ثم قال: والذي نفسي بيده، ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا. وهذا الأثر ذكره ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره، كما أشار إليه صاحب «كنز العمال»، ولم أقف على إسناده في تفسير ابن جرير، يحتاج إلى بحث، فلعله ذكره بمعنى، أما بهذا اللفظ فلم أقف عليه، لكن أصل القصة أشار إليها صاحب «كنز العمال»، ويحتاج إلى وقوف على إسناده. وبالجملة، فمعنى صحيح، المقصود ليس كل من ضرب بسيفه غضبا لله فهو مصيب؛ لأنه قد يظن أنه فعل ذلك غضبا لله، والصواب أنه ليس هو مما يرضى الله عز وجل عنه؛ لأن الشأن كل الشأن ليس هو صلاح النية، ولكن موافقة العمل للشرع مع الصدق وصلاح النية. فكونه يقصد مقصدا حسنا لا يكفي، لابد أن يوافق في ذلك الشرع. ولهذا قال حديف بعد ذلك: والذي نفسي بيده، ليدخلن النار بمثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا. فانظروا مثلا إلى الخوارج، الخوارج استحلوا دماء الصحابة رضي الله عنهم بالشبهة، فإنهم ظنوا أنهم على حق، وأن من قاتلهم من الصحابة على باطل، فهم يظنون أنهم قتلوا غضبا لله وغيرة لدينه، والواقع العكس، أنهم هم الذين حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام، الخوارج الذين أَمَرَقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وهكذا أمثالهم كثر. ومراد المؤلف رحمه الله من إيراد هذا الأثر الإشارة إلى أنه كم من إنسان يظن نفسه على صوابه وعلى باطله، أو على سنة وعلى بدعة، أو على توحيد وهو على شرك، أو على إيمان وهو على كفر، فينبغي للإنسان في الحقيقة أن يعرض ما هو عليه على العلم من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. قال رحمه الله: ثم ذكر بإسناده عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة؛ فإنه يمرض قلبك. وهذا ظاهر؛ فإمراض القلب؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه طافحة، والناس لا يستوون في معرفة السنة والحذر من البدعة. وهكذا كذلك؛ لما في ذلك مما سبق وتقدم إعانة لهذا المبتدع على بدعته، والتضليل لمن لا يعرف خطر البدعة، فيخالطه فتدخل عليه البدعة. قال: ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموه، وإني واثق بنفسي، فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه. وقد تقدم الكلام على معنى هذا الأثر. فهذه الثلاث لا يكاد يسلم منها أحد خالط أهل البدعة؛ إما أن يكون فتنة لغيره؛ لأنه بمخالطته يغرر بالغير، فيقولون: قد خالط فلان هذا الإنسان، وإذا كان كذلك هؤلاء الذين سيخالطونه قد تدخل عليهم البدعة من السبب أنت الذي خالط هذا المبتدع. وهكذا كذلك لا يسلم أن يقع في قلبه شيء يعني من بدعته، والناس لا يستوون في الوقاية من البدعة والصلابة في السنة، وكذلك دفع الشبه وقوة العلم. وهكذا الثالث أن يصاب بالغرور، يقول: ما أبالي مهما تكلم الناس أو تكلم هذا المبتدع، لا يبالي، أنا واثق من نفسي، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون. فلا ينبغي للإنسان أن يأمن من مكر الله. يكفي أنك فعلت ما أمرت بخلافه، أمرت بعدم مجالسة هؤلاء، فهؤلاء من الظالمين، والله قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، فالركون إليهم سبب لعذاب الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة، ثم هو فتنة للناس، فتنة للناس في هذه المخالطة. قال: ثم ذكر بإسناديه عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة لوقره فقد أعان على هدم الإسلام. من أتى صاحب بدعة لوقره فقد أعان على هدم الإسلام، نقل معنى هذا عن الفضيل بن عياض. فتعظيم صاحب البدعة بالقول أو الفعل سبب لتوقيره وتعظيمه وزيارته وإتيانه، كذلك إعانة لذلك. فإذا كان كذلك فهذه إعانة على هدم الإسلام. كيف ذلك؟ لأن ارتفاع السنة وموت ارتفاع البدعة وظهورها هو في الحقيقة محاربة للسنة، ومحاربة السنة محاربة للإسلام، فالإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام. قال: أخبرنا أسد قال: حدثنا كثير أبو سعيد قال: من جلس إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه؛ لأنه يلبس عليه بشبهه أو يغتر بما عنده، وكل الأمرين خطر على صاحبه، الشبه التي تدخل عليه أو الغرور الذي يصاب به. قال: أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا تجالس أهل الأهواء، ولا تجادلهم، ولا تناظرهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبس عليكم ما تعرفون. قال أيوب: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب -يعني أبا قلابة- والمعنى أن هذا من فقهه التحذير من مجالسة أهل الأهواء ومجادلتهم، حتى المجادلة. وقد سبق التفصيل في أمر مجادلة أهل الأهواء، والأصل أن الإنسان يجتنب مجادلتهم إلا فيما يستثنى مما تغلب المصلحة فيه وتندفع المفسدة، أو مما يكون فيه ارتكاب أخف المفسدتين. وما سوى ذلك فالأصل أنه لا يخالط ولا يجالس ولا يجادل؛ لأن في ذلك ضرر أكثر من المصلحة المتوقعة. وقوله: فإني لا آمن أن يغمسوكم -وهو يخاطب طلبة علم في ذاك الزمان- فكيف بمن كان في هذا الزمان؟ والحقيقة أن الناس متفاوتون في الوقاية من البدع، والقلوب ضعيفة، والشبه خطافة. وقوله: أن يلبس عليكم ما تعرفون، التلبيس هو أنك لا تتابعه، شف ليس الخطر فقط أنك تنغمس في بدعته فتكون منها أهلها، لا، من الخطر كذلك ما قد يقع في قلبك من شكوك، ربما لا تظهرها لأحد، وأنت في ظاهرك مع أهل السنة، ولم تتبع البدعة وأهلها، لكن وقع في قلبك ما أدخل عليك الشكوك والأوهام، وأشياء ربما لا تجد من يحلها لك، وهذا وحده كاف ببيان خطر هؤلاء مجالستهم. قال رحمه الله: وأخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا زيد عن محمد بن طلحة قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أصحاب البدع، ولا تكلموهم؛ فإني أخاف أن ترد قلوبكم. يعني ترد بدعتهم إلى القلوب. وهذا بمعنى ما تقدم. عندكم طيب النسخة نكتب: ترتد، ممكن تكون ترتد بمعنى عن السنة إلى البدعة، أو العياذ بالله إذا كانت البدعة كفر من الإسلام إلى الكفر، نقول نسخة ترتد، وعندنا ترد. وترد يعني أقرب؛ لأن البدع ترد إلى القلوب تتسلل تسللا، البدع تتسلل إلى القلوب تسللا أشد من تسلل اللصوص إلى الأموال، فهي تدخل دخولا خفيا، إما أن تأخذ بالقلوب فتصير من قلوب أهل الأهواء، وإما أن تدخل فيها الشكوك. قال: أخبرنا أسد بالإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». والحديث حسن في السنن وغيره. والمعنى: لا نصاحب أهل الأهواء. أراد أن يشير إلى هذا المعنى؛ لأن مصاحبتهم سبب في أن يكون ديننا كدينهم، المرء على دين خليله، أي جليسه وصاحبه، وكذلك مرافقه. فلينظر أحدكم من يخالل؛ لأن الخلة تضر وتدخل على الإنسان ما لا يشعر، تدخل عليه ما لا يشعر. وفي أمثال العامة: من جالس قوما أربعين يوما صار مثلهم، وهو ليس ببعيد؛ فإن الواقع يشهد له. وقيل كما ذكر بعض الحكماء: أن الناس يأخذون من أخلاق مجالسيهم، ويذكرون في ذلك قصة عن بعض الناس أنكر ذلك، فوضع كما يقال دليلا عمليا وبرهانا مشاهدا لصحة ذلك، فأمر هذا المكذب أن يجالس يعني بعض الدواب بتربيتها والاعتناء بها، فما أنقضت معها فترة إلا صار عنده من أخلاقها، وعنده شيء من حركاتها وأفعالها. وأنت ترى أثر ذلك في مربي تلك الدواب، يأخذ من أخلاق تلك الدواب بكثرة المجالسة. فإذا كان هذا في مجالسة بهائم، فكيف بمجالسة من يحسن الكلام؟ وكذلك يتفاوت في الخلق وغير ذلك من دواعي إدخال ما عنده إليك، فهذا أشد. والله تعالى أعلم.