الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 19، الدرس التاسع عشر : وفيه من قوله ( وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر ... ويسمون هذا علم علل الحديث ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح شرط اعتبار خبر الآحاد وتعدد طرقه، ويبين أهمية الشواهد والمتابعات في تقوية الحديث الضعيف. يذكر آراء أهل العلم في رواية المجهول ومكانة الشواهد والمتابعات في تقوية الأحاديث.
يتناول حكم رواية مجهول العين والحديث المرسل، ويوضح شروط قبول حديث مجهول العين. يفرق بين مرسل التابعين ومرسل صغار التابعين وأتباع التابعين، ويبين أحكام كل فئة.
يشرح علل الحديث وكيفية كشف الأخطاء في روايات الثقات والضعفاء. يبين أن بعض أحاديث الثقات قد تُضعف بسبب أخطاء، وأن العلماء يستخدمون علم علل الحديث لكشف هذه الأخطاء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة لرسالتي المسمى «مقدمة في أصول التفسير». قال: وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع فيه، فالاعتبار بذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار بالإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة. والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق بالعادة يوجب العلم بمضمون المنقول، لكن لا ينتبع به كثيرا أو ينتبع به كثيرا في علم أحوال الناقلين. هذه تتمة لما سبق في الكلام على خبر الآحاد، وعلمنا أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا صح، أفاد العلم، وعلمنا كذلك بما سبق أن الحديث المتلقى بالقبول الذي تلقته الأمة بالقبول، فهو كذلك يفيد العلم والعمل، كما أن الحديث ولو كان آحادا وصح، وتلقته الأمة بالقبول، أفاد ذلك العلم والعمل. ومراد الشيخ هنا الانتقال من هذا المبحث إلى مبحث آخر في ذكر ما قد يصح من الأحاديث التي في أحادها وأفرادها أحاديث فيها بعض الضعف. فقوله رحمه الله: «أن المقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشعر والاتفاق العادي يوجد العلم بمضمون منقول»، يعني بعض الشيء قد يكون فيه بعض الضعف، لكنه إذا حصل له طرق متعددة من دون اتفاق، ومن دون كذلك ما يكون مظنة للكذب، فإن ذلك يؤكد صحة ذلك الحديث. وهذا ما سيأتي الإشارة إليه مما يسمى بالشواهد والمتابعات. قال رحمه الله تعالى: «وبمثل هذا ينتبع برواية المجهول، والسيء الحفظ، وبالحديث المرسل، ونحو ذلك». ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره. قال أحمد: «قد أكتب حديث الرجل لأعتبره»، يعني ليكون شاهدا لشيء آخر، أو يشهد له شيء آخر، أو يتابعه راو آخر. والشواهد والمتابعات هو أن يذكر الحديث، ثم يذكر عين هذا الحديث أو معناه من حديث صحابي آخر، فهذا هو الشاهد. والمتابعات هو أن يأتي من في رواية ضعف، ويأتي من كذلك في روايته ضعف، وليس بشديد، ويوافقه على ذلك الحديث، وهذا إن كان في طبقة واحدة. وتفصيل ذلك في علم المصطلح. لكن مراده بالجملة الإشارة إلى أن بعض من في روايته ضعف يصلح لأن يعتبر به، وأن يكون كذلك روايته مما يكون في الشواهد والمتابعات، يعني بمجموعه يرتقي إلى الحسن لغيره. وذكر ثلاثة أمثلة: ذكر المجهول، وسيء الحفظ، وكذلك الحديث المرسل. أما المجهول فهو نوعان: مجهول الحال، وهو الذي يسمى أحيانا بالمسطور، وهذا عند جمهور أهل العلم أنه يصلح للشواهد والمتابعات. وعندنا نوع آخر هو ما يسمى مجهول العين. ومجهول العين فيه خلاف بين أهل العلم، فكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يرجح أنه لا يصلح للشواهد والمتابعات، كما ذكر ذلك في شرحه على «الباعث الحثيث»، ونقله عن جماعة من أهل العلم. وذهب آخرون إلى العمل برواية المجهول، أي مجهول العين، وأنه يصلح للشواهد والمتابعات، وعليه يدل صنيع الدارقطني رحمه الله، وعليه يدل عمل الحافظ ابن حجر، والذهبي، وجماعة. وهي بالحقيقة محل نظر، لأن مجهول العين عند التحقيق نرى أن أهل العلم يفصلون فيه. فمن كان مجهول العين على ظاهر هذا اللفظ حقيقة، وهو بالحقيقة لا يصلح للشواهد والمتابعات؛ لأن العلماء جعلوا من يصلح للشواهد والمتابعات هو من به ضعف خفيف. وأما مجهول العين من رواة وراوي واحد، ولا يعلم من هو، ربما يكون كذابا، وربما يكون وضاعا، وربما يكون كذلك من المتروكين، وهؤلاء لا يصلحون للشواهد والمتابعات. وقاعدة أهل الحديث في هذا الباب أنهم يحملون الراوي على أسوأ أحواله. أنت ترى أن سيئ الحفظ له أحاديث صحيحة، ومع ذلك تركت كل أحاديثه احتياطا لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وترى أن المدلس له أحاديث صحيحة، تركت أحاديثه احتياطا لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه القاعدة من باب أولى أن يجري مجراها في مجهول العين. لكن في الحقيقة أن هؤلاء الأئمة ربما لهم اعتبارات أخرى في رواية مجهول العين، يكون بذلك تصحيح ذلك الحديث. فمن الخطأ أن نقول: إن مذهب جماعة من المحدثين هو قبول رواية مجهول العين مطلقا، فهذا ليس بصحيح عند التحقيق؛ لأننا نجدهم يضعفون أحاديث فيها مجهول العين، ولا يعتبرونها بالشواهد والمتابعات، ونجدهم يصححون ذلك في مواضع، فيقبلونها بالشواهد والمتابعات. وتفسير ذلك - والله أعلم - أن لهؤلاء نظرا خاصا باعتبار كل حديث، وباعتبار كل راوي. فرب راوي سبر العلماء حديثه، فمن سبرهم لأحاديثه وجدوه أنه لا يروي إلا أحاديث تصلح للشواهد والمتابعات، فمثل هذا الراوي التي سبرت أحاديثه، أي جمعت وفحصت ودرست، ووجدت على هذا الوصف، يقبلون حديثه. ومن هؤلاء من أخرج لهم أهل الصحيح. ولهذا قالوا: إن مجهول العين الذي يخرج له في الصحيح ليس كمجهول العين الذي لم يخرج له في الصحيح، كما نص على ذلك العلماء في كتب المصطلح. وهكذا كذلك اعتبار آخر: أن راوي معين ربما يكون مجهول عين، ويصح حديثه بعينه دون حديث آخر؛ لكون هذا الحديث روي من طرق، وصح ذلك من الحديث. فلأجل ذلك ربما صحح الحديث هذا المجهول الذي هو مجهول عين لهذا المعنى. إذن في الحقيقة مجهول العين لا يصلح للشواهد والمتابعات، لكن قد يكون للعلماء نظر باعتبارات، نظرا للراوي أو نظرا لما روى بعينه، فيكون بذلك تصحيح هذه الرواية، فلا يعني ذلك قبول روايته مطلقا. وهذا هو التحقيق في هذه المسألة، والله تعالى أعلم. أما الحديث المرسل، فكذلك يقال بالحديث المرسل بمثل ما قيل في هذا. فإن المرسل إذا أطلق هو ما أرسل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من التابعين، ما قال التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهنا ينبغي أن ننتبه أن هذا المرسل منه ما يكون من مرسل التابعين، ومنه ما يكون من مرسل صغار التابعين وأتباع التابعين. ولا شك أن هناك فرقا بين مرسل التابعي الذي في العادة يصفط الرجل والرجلين، وغالب هؤلاء يكونون ممن يصلحون للشواهد والمتابعات لقلة الكذب في زمن التابعين. وأما من كان من أتباع التابعين ومن أدنى من هؤلاء، فإنه قد يوجد في بعض هؤلاء الصاقطين من هو كذاب، أو من هو متروك، أو من هو معروف بالوضع، فعند ذلك لا يصلح مثل هذا أن يكون بالشواهد والمتابعات. إذن كذلك كلام أهل العلم في المرسل على هذا التفصيل، والله تعالى أعلم. وعلى هذا فقوله: «قد أكتب حديث الرجل» مثل الإمام أحمد رحمه الله «قد أكتب حديث الرجل لا أعتبره»، يعني من فيه ضعف خفيف، ليس ضعفا شديدا. كما سيأتي رحمه الله تعالى. قال: «ومثل ذلك عبد الله بن لهيعة قاضي مصر، فإنه كان من أكثر الناس حديثا، ومن خيار الناس، لكن بسبب احتراق كتبه وقع في حديثه المتأخر غلط، فصار يعتبر بذلك ويستشهد به». وكثيرا ما يقرن هو والليث بن سعد، والليث حجة، بدا الإمام عبد الله بن لهيعة كذلك ممن ضعف، وضعفه ليس بالشديد؛ لأنه ضعف من جهتين: ضعف أولا من جهة تدليسه، وضعف ثانيا من جهة اختلاطه بسبب احتراق كتبه. ولأجل هذا اختلف العلماء في رواية عبد الله بن لهيعة، فمنهم من قبله مطلقا، ومنهم من رد روايته مطلقا، ومنهم من فصل في ذلك. ومن فصل قال: من ثبت أنه روى عنه قبل اختلاطه من كتابه فروايته صحيحة. وذكروا من ذلك: عباد بن عبد الله بن وهب، ومن بمعناه بطبقته. فإن هؤلاء العباد له هم الذين رووا عنه قبل اختلاطه بنص ما ذكروه، رحمهم الله تعالى. قالوا: فإذا كان كذلك حق لمن كان كذلك روايته أن تقبل؛ لأنه قد ميز بين الذي كان قبل الاختلاط والذي كان بعد الاختلاط. ولكن يقترن مع هذا القيد بقيد آخر، وهو أنه يكون الحديث الذي يرويه أحد هؤلاء العباد له ليس فيه تدليس. فإن سلم من التدليس، وروي من طريق العباد له، فهو الحسن. وإن لم يكن فإنه في الشواهد والمتابعات، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. قالوا: وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ، فإنهم أيضا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم غلطه فيها، بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا علما: علم علل الحديث. وانتهى المؤلف رحمه الله. ولاحظ أن المؤلف رحمه الله يدقق كلما ذكر مسألة ذكر ما يقابلها. فلما ذكر أن بعض أحاديث الضعفاء قد تصح بالشواهد والمتابعات، نبه أن بعض أحاديث الثقات قد تبعث بمخالفتها لمن هو أوثق منهم، وبذلك تدقيق ونظر أهل العلم بالحديث بأن هذا مما لا يصح. فقال: «قد يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم غلطه فيها». وهذا الغلط قد يكون أحيانا بسبب عدم السماع، وقد يكون أحيانا بسبب كذلك أنه روى عن الراوي الذي روى عنه بعد الاختلاط، وقد يكون كذلك بتفرده بلفظة شد بها أخطأ بها بعض الرواة، أو يكون كذلك بإدخال بعض حديث الضعفاء في حديثه. وقد يقع ذلك لبعض الثقات، مثل ما ذكر العلماء في حديث ضعيف: حديث ﴿معاذ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع جمع تقديم﴾. والحديث كما قال الحاكم رحمه الله: «رأيت أحد عشر شيخا أو قال: من مشايخنا يضعون عليه نقطة حمراء»، يعني أن هذا الحديث لا يصح عندهم. ولما تتبع بذلك وتدقق الإمام البخاري مخرج هذا الحديث، فوجد أن العلة جاءت ودخلت على كريب بن سعيد رحمه الله تعالى، أدخل عليه بعض الضعفاء هذا الحديث في حديثه ولم يشعر، أدخل عليه هذا الحديث في حديثه ولم يشعر، فكان هذا من من تقد على كريب. وكريب أحد الثقات المعروفين، لكن العلماء عرفوا أحاديث كريب، ورواية الثقات لحديث كريب، فكان منهم أن بينوا أن هذا الحديث حديث معل، ولا يصح. وأشياء نحو هذا ذكرها العلماء في كتب العلل، وهي كتب مبسوطة معروفة موجودة، يبينون فيها علل بعض الأحاديث مما أخطأ فيه بعض الثقات، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فالخلاصة أراد أن يبين في هذا المبحث وهذه القطرة من هذا الكتاب أن بعض الضعفاء قد يصح حديثهم، وهو من لم يشتد ضعفهم، وأن بعض الثقات قد ضعف حديثهم، وهو ما نبه العلماء علماء الحديث وأهل العلل أنهم قد أخطأوا في ذلك الحديث. ونكفي بهذا، ونكمل مع ما تبقى من ترجمة نانسي قنقر.