الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 35، الدرس الخامس والثلاثون : فيه من قوله ( ولهذا تحرج جماعة من السلف ... فاتق الله وعليك بالسداد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول تحرج السلف الصالح من تفسير آيات القرآن التي لا يعلمون معناها، مبينًا تحفظهم وتورعهم في هذا الشأن. كانوا يتجنبون التكلف في تفسير ما ليس لديهم علم به.
المقطع الثاني يبرز موقف ابن عباس وتحذير السلف من الخوض في تفسير القرآن دون علم، مستشهدين بأقوال العلماء الذين كانوا يتورعون عن الكلام في القرآن بدون علم.
يتناول المقطع آراء السلف في التورع في تفسير القرآن، حيث تباينت آراؤهم بين التورع خشية الخطأ والاجتهاد في التفسير مع التقيد بالعلم المنقول.
أعلن الشيخ انتهاء الدرس بسبب نفاد الوقت وتعهد باستكمال ما تبقى في درس لاحق، وختم بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. آخر ما وقفنا عليه: «قال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في تتمة فصله المذكور في تفسير القرآن بمجرد الرأي، قال: ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به». كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: قال أبو بكر الصديق: «أي أرض تقلني وأي سماء تضلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟». وقال أبو عبيد: القاسم بن سلام: «حدثنا محمود بن خالد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًا﴾، فقال: أي سماء تضلني وأي أرض تقلني؟». ومعنى «سماء تضلني» أي تكون ظلًا من فوقي، فالسماء تضل الناس. وأي أرض تقلني يعني تكون من تحتي أمشي عليها وأجلس. والمعنى: أي حياة تكون لي، أي حياة أستطيع أن أهنأ بها إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ قال: «إسناده منقطع»؛ يعني لعدم سماعي من أبي بكر رضي الله عنه. وكما نبَّه عندكم: إبراهيم التيمي -إبراهيم بن محمد- لم يلقَ أبا بكر، وهذا الذي قبله كذلك. ومعنى صحيح: أي أن أبا بكر كان يتورع في تفسير القرآن بما لا يعلم. وسيأتي إن شاء الله توضيحه من كلام شيخ الإسلام رحمه الله. قال: وقال أبو عبيد أيضًا: حدثنا يزيد بن هارون، والواسطي عن حميد، وابن أبي حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه: «أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًا﴾، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا له التكلف في عمر». وهذا الأثر صحيح بهذا الإسناد. قال: وقال عبد بن حميد: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حميد بن جعد عن ثابت عن أنس قال: «كنا عند عمر بن الخطاب، وفي ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًا﴾، فقال: أما الأب... ثم قال: إن هذا له التكلف، فما عليك أن لا تدريه؟». قال: وهذا كله محمول على أنهما رضي الله عنهما إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل؛ يعني ليس هذا المجهول، فكل من قرأ القرآن وقرأ هذه الآية على وجه الخصوص علم أن الأب نبتة من نبات الأرض، لكن أراد أن يعرف كيفية هذا الأب. وقد ذكر العلماء في تفسير أشياء: فهو من اللفظ العام الذي يتناول أكثر من معنى. مثل ما نقول: «النجم» من الشجر، وهذا النجم الذي يعرف في البر أو في طرف البحر أو في وسط البحر مما شكله مثل النجمة. الجواب: هذا بعض النجمي وليس هو كل النجم، وإلا فالنجم من الشجر إلى الذي يكون في الأرض ولا يكون له ساق، والذي يكون في الأرض وليس له ساق، وهكذا. كذلك يقال في الأب: قال ابن جرير رحمه الله تعالى: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة: «أن ابن عباس سئل عن آية، لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها». إسناده صحيح. ومعنى: أن عبد الله بن عباس كان يتورع مع علمه بالتفسير وإدراكه لأكثر التفسير، ولكنه كان أحيانًا رحمه الله تعالى ورضي الله عنه يتورع أن يتكلف ذكر شيء لا يعرفه ولا يعلمه، أو يتكلف القول في تفصيل يرى أن ذلك مما لم يؤذن فيه؛ لأن ذلك مما لا يقال برأي، بل لا بد أن يقال بعلم. قال رحمه الله تعالى: وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: «سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة، فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟». يعني معناه: أن الرجل سأل: ما هذا اليوم الذي مقداره ألف سنة؟ كيف هو؟ فقال له ابن عباس: وكيف اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة؟ أو أن الرجل سأل يريد بذلك كيف الجمع بأنه جاء في موضع ألف سنة، وجاء في موضع خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: «إنما سألتك لتحدثني -يعني أريد منك الجواب- ما أريد منك أن تسألني لتسألني سؤالًا آخر»، فقال ابن عباس: «هما يومان ذكرهما الله بكتابه، الله أعلم بهما»؛ يعني كيف يكونان، الله أعلم بهما، لكن نؤمن أنه يأتي يوم مقداره خمسين ألف سنة، ويأتي يوم مقداره ألف سنة. وقد جاء في السنة ذكر بعض أحداث يوم القيامة: أن يومًا يكون فيه بخمسين ألف سنة، مثل حديث: «ما نعطي الزكاة»، فإنه ذكر فيه خمسين ألف سنة، وأشياء أخرى ذكر فيه ألف سنة. ومعنى: أن من أيام يوم القيامة ما يكون اليوم فيه بخمسين ألف سنة، وما يكون فيه اليوم بألف سنة، نؤمن بذلك. وقال بعض أهل العلم: الجمع بينهما بأن بعض هذه الأيام بالنسبة لأهلها يكون بخمسين ألف سنة؛ بالنسبة لأهلها لما لهم من أعمال سيئة أو غير ذلك، ويكون لآخرين كذلك أقل، وهكذا. قال: فقال ابن عباس: «وما يومان ذكرهما الله بكتابه الله أعلم بهما»، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم؛ يعني علم حقيقة ذلك الله أعلم، لكن لو ذكرت الأطوال مثلًا قد يقول قائل: كيف هذا؟ وقد توقف ابن عباس، ثم نقرأ بكتب التفسير فنجد العلماء ذكروا لها تفسيرًا وأوجهًا للجمع. فالجواب على ذلك: أن ما ذكره العلماء هو نقل لكلام أهل العلم، وهو تقريب للمعنى وليس هو جزم، وإلا فحقيقة ذلك الله أعلم به. قال رحمه الله: وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية عن مهدي بن ميمون -وهو الأزدي ثقة- عن الوليد بن مسلم -وهو ثقة إلا أنه مدلس- قال: «جاء طلحة بن مصرف لجندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن، فقال له: أحرج عليك إن كنت مسلمًا لما قمت عني -أو قال: أن تجالسني- يعني لا تسألني عن الآية». ويحمل إن صح الأثر -وإلا ففيه تدليس الوليد، فهو لم يصرح بالسماع من طلحة بن مصرف- فيحمل لو قدر صحته: أن معناه أن هذا الرجل سأل عن شيء ما كان يعرفه جندب بن عبد الله، فأراد أن لا يلح عليه في الجواب عن شيء لا يعلمه، أو يحمل أنه سأله عن شيء مما قد نهى الخوض فيه من الشيء الذي يسكت عنه في القرآن. وقد مر معنا: أن بعض الشيء مما سكت عنه القرآن، فنحن يجب أن نسكت؛ إما ما كان بذكر الحقائق ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، أو كذلك مما كان قد سكت عنه ولم يأت به خبر لا عن الله ولا عن رسوله عليه الصلاة والسلام؛ مثل ما مر معنا في نوع الكلب أو نوع الشجرة أو غير ذلك مما سكت عنه القرآن. قال: وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: «أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا». وقال لي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: «أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن». ومعناه: أنه كان يتورع على أن يكثر الكلام في القرآن، وليس معناه أنه لا يتكلم في تفسير القرآن شيئًا؛ وقد روي عن العلماء عنه أشياء في تفسير القرآن، وقد مر معنا في درس ابن كثير شيء من ذلك. ولكن معناه رحمه الله: معنى كلامه أنه كان يتورع أن يتكلم في القرآن ما لا يعلم، أو أن يتوسع في الكلام في القرآن مما لم ينقل له فيه علم؛ كأنه يقول: هذا الباب باب خطير؛ لأن الكلام فيه نسبة إلى الله سبحانه، فلا يجوز لأحد أن يتكلم إلا بما بلغه فيه من العلم. قال: وقال شعبة عن عمر بن مرة قال: «سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن آية من القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه -يعني عكرمة-». وهذا فيه كما سبق: أنه رحمه الله كان يتورع أن يتكلم في شيء ليس له فيه علم، أو لم يبلغه فيه علم عن من سبقه من العلماء، أو أنه كان يكره التوسع وكثرة الحديث في تفسير القرآن؛ كأنه يقول: هل رأيتني سمعت شيئًا في ذلك؟ أو أنه يوحى إلي أو نحو ذلك؟ هذا الباب باب عظيم يجب أن يتورع الناس فيه، فهو يحذر في الكلام في التفسير بغير علم. وأما معنى قوله: «وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه»؛ ليس معنى الطعن في عكرمة رضي الله عنه ورحمه الله؛ عكرمة من أئمة التابعين ومن كبار من روى عن عبد الله بن عباس التفسير، ومع ذلك ترى في هذا الأثر إنكار سعيد -وهذه الآثار كلها صحيحة- ترى في هذا الأثر إنكار سعيد رحمه الله على عكرمة أو التلميح بإنكاره على عكرمة الإكثار من ذكر التفسير؛ كأنه يقول: لا يسلم من يكثر من ذكر التفسير. وهذا كما سيأتي من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مذهب لبعض السلف أنهم كانوا يشددون على أنفسهم في التفسير، يشددون على أنفسهم في التفسير، ويرون أن هذا الباب ينبغي أن يقلل المرء فيه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وليس معنى أن عكرمة رحمه الله كان يقول ما لا يعلم ويتعمد ذلك لا، لكن كأنه أنكر عليه التوسع في رواية التفسير؛ هذا الظن، فهو بين متورع ومجتهد: سعيد تورع، وعكرمة اجتهد رحمه الله تعالى. قال: وقال عبد الله بن شوذب: حدثني يزيد بن أبي زياد -وهو الضبعي- قال: «كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع». ومعنى كما سبق: أنه كان يكره رحمه الله تعالى الكلام في التفسير والإكثار فيه، وليس معنى أنه لا يتكلم أبدًا؛ بدليل ما روي عنه رحمه الله في كتب التفسير من تفسير بعض الآيات. قال: وقال ابن جرير رحمه الله تعالى: حدثني أحمد بن عبدة الضبي قال: حدثني حماد بن زيد قال: حدثني عبيد الله بن عمر قال: «لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير؛ منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع». وهذا يؤكد المعنى الذي سبق في الآثار السابقة: من أن هؤلاء كانوا يتورعون في الكلام في التفسير، وليس معنى أنهم محرمون الكلام أو أنهم لا يتكلمون أبدًا؛ لأنه نقل عن هؤلاء رحمهم الله نقلًا في التفسير. قال: وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال: «ما سمعت أبي قط يقول في تفسير القرآن شيئًا». ومعناه: أنه كان متورعًا في تفسير القرآن حتى كأنه لا يعرف شيء من تفسير القرآن. وليس معناه: أنه ما كان يعرف تفسير القرآن أو كان لا يتكلم بشيء يعلمه من تفسير القرآن؛ لأن هذا مما لا يحل، فإذا سألك مسلم يستفتي في معرفة معنى آية وأنت تعرف معناها بما نقل لك من كلام الصحابة والتابعين أو كلام أئمة الدين المأمونين، فهل تقول له: لا أعلم؟ أو يحل لك أن تسكت وأنت تعرف أنه مضطر إلى معرفة معنى تلك الآية؟ الجواب: لا، فلا يحل لمسلم كما سيأتي إن شاء الله علم شيئًا من العلم أن يكتم ما علم من العلم. قال رحمه الله تعالى: وعن أيوب بن عون وإسماعيل الدستوائي عن محمد بن سيرين قال: «سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن، فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد». ومعنى: «ذهب العلماء الأكابر من الصحابة الذين سمع منهم هؤلاء وكبار من سمع منهم من كبار التابعين ونحو ذلك»، فمراده: أنه إذا مات هؤلاء وذهبوا فينبغي عليك أن تتورع أكثر في تفسير شيء من القرآن. ولهذا قال: «ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل القرآن». ولاحظ بقوله: «فيما أنزل من القرآن»؛ ليس المراد فقط أن تعرف ظاهر اللفظ؛ لأنه مر معنا في أوائل هذا الكتاب أن لفظ القرآن قد يكون له معنى ظاهر، لكن سبب النزول يبين معنى أخص من ذلك السبب، أو كذلك يكون للقرآن ما ظاهره الخصوص وسبب النزول وما لأجله نزلت القصة أو الآية يبين أن المعنى أعم. ومرت معنا: أنزل لهذا، فقوله: «فيما أنزل من القرآن» يعني في ذلك إشارة أو تأكيد للتورع في تفسير القرآن والتوسع فيه بغير علم، أو كذلك التساهل بالعلم المنقول. وثانيًا: فيه أن المسألة ليست مسألة معرفة الألفاظ، ولكن المسألة مسألة معرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد وغير ذلك مما يحف بالآية مما قد يغير ظاهر معنى هذه الآية. فإذا مسألة التفسير ليست بمسألة سهلة: كل واحد ينظر بالقاموس ويحاول أن يفسر القرآن لا، ليس هذا هو المعنى، لكن يحتاج إلى معرفة علوم أخرى كثيرة. قال رحمه الله: وقال أبو عبيد: نكتب بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونكمل في درس لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.