الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 4، فيه من قوله ( وقال أنس كان الرجل إذا ... كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أهمية القرآن الكريم ومكانة حفظه وتفسيره عند الصحابة، ويشير إلى أن الصحابة كانوا يجلون من يحفظ سورتي البقرة وآل عمران. كما يبين أن المقصود من القرآن هو فهم معانيه وتدبره.
يبرز أهمية فهم كلام الله تعالى وقلة النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن، ويشير إلى أن التابعين أخذوا العلم عن الصحابة وحرصوا عليه. كما يشير إلى أهمية تفسير مجاهد بن جبر واعتماده من قبل أهل العلم.
يناقش تفسير آية "وَعَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" ويبين ضعف أثر عن مجاهد في جلوس النبي مع الله على العرش، ثم يتطرق إلى أقسام التفسير: التفسير بالمأثور والتفسير بالاستنباط أو الرأي.
يحدد الرأي المذموم في التفسير بأنه ما يخالف النصوص الشرعية أو كلام الصحابة أو أسباب النزول أو اللغة الظاهرة، ويشير إلى أن التفسير بالاستنباط يحتاج إلى شروط معينة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. قال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جل في أعيننا. وأورج رحمه الله تعالى هذا الأثر عن أنس، ويريد بإيراده رحمه الله تعالى أن الصحابة كان لهم اعتناء رضي الله عنهم أرضاهم بالقرآن، وهذا مما يبين طرق تفسير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهو كتمهيد يمهد به رحمه الله، ويشير إلى مزايا تفسير الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. فإذا كان الصحابة كانت عندهم هذه المزايا والخصائص، جل ذلك على أن ما ينقل عنهم من تفسير أولى مما ينقل عن غيرهم. وهذا الأثر قد رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد حسن. ماذا عندكم؟! إيش نظر جعفر سالم؟ ها؟ على شرط مسلم، طيب. وببعض الطبعات المحققة أشار المحقق إلى من رواه وإلى حسن إسناده. ومن حسنه قالوا: أقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين. قال: لا، لا، ما هو صحيح، أصله في مسلم، يعني يريد الحديث: حديث الرجل الذي ارتد، حفظ البقرة وآل عمران ثم ارتد. ووجه الشاهد من هذا الحديث أن حفظ البقرة وآل عمران كان عظيمًا عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وكذلك الحديث الآخر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينادي في إذا اشتد البأس: يا أصحاب البقرة، أو يأمر من ينادي: يا أصحاب البقرة، يا أصحاب آل عمران. وهذا يدل على فضيلة حفظ هاتين السورتين، وكان هذا مما يكون عظيمًا عند الصحابة رضي الله عنهم. قال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جل في أعيننا، يعني صار رجلًا مهابًا أو مميزًا في وصوله إلى فضيلة لم يصل إليها غيره. وهذا في أول الإسلام، وإلا فقد اعتنى الصحابة رضي الله عنهم بالقرآن حتى حفظ أكثرهم القرآن. قال: وقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل: ثمان سنين. ورواه مالك بلاغًا. قال: بلغني أن ابن عمر حفظ البقرة عدة سنين أو ثمان سنين. هل أحب أنظر له طرق؟ إيش سأل؟ ما نظرت له أربع سنين عند الطبقات، ينظر إسناده. أشار بعض المحققين والمعلقين إلى أنه أخرجه ابن سعد في الطبقات، لكن بلفظ أربع سنين، فينظر إن شاء الله إسناده في الطبقات. أما عند مالك فهو بلاغ. قال: وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقَوْلَ﴾. وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، أي هذا مما لا يمكن وقوعه. فإن الذي يريد أن يأخذ الشيء يأخذه بفهم معناه. وهذا هو الذي فعله الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. قال: كذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. والعقل الكلام متضمن لفهمه. هذه الآيات فيها الأمر بالتدبر، والأمر بالتدبر المراد به الفهم. إذن المقصود من القرآن هو معرفة لفظه ومعناه وتدبر ما فيه. ومن المعلوم أن كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظ، فالقرآن أولى بذلك. قال: وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يتشرحوه. فكيف بكلام الله؟ ومعنى لا يتشرحوه يعني لا يشرح هذا الكلام ويفهم. قال: بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم، لأنه أولى بأن يطلب شرحه ويطلب معناه. ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًا. وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم. وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والإتلاف والعلم والبيان فيه أكثر. وكما مر معنا في أن أوجه الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم قليل؛ لأنهم جميعًا أخذوا من مصدر واحد، وكانوا على فضل وكذلك دين واحد أثنى الله عز وجل عليه من فوق سبع سماوات. لكن بعدهم كثر الجهل وعظم الفساد، فظهرت البدع والأهواء، وكان ذلك من أعظم أسباب النزاع. أما الصحابة رضي الله تعالى عنهم فنزاعهم وخلافهم كان يسيرًا. قال: وقلنا أن الخلاف الذي بينهم غالبه لا يخرج عن فهمه، إما تفسير ببعض المعنى أو في علم لم يبلغه بعضهم، وكل ذلك مما يُعذر فيه، فليس بينهم اختلاف تضاد أبدًا. وهكذا التابعون لما كانوا في المرتبة الثانية في الفضل بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام: حديث أبي سعيد وغيره: «خير الناس ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، ذكر ثلاثة قرون، فعلم بذلك أن الخلاف عندهم أقل ممن بعدهم. قال: ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث مرات، أو وقفت عند كل آية منه أسأله عنها. وهذا قد صح عن مجاهد رحمه الله تعالى من أوجه كثيرة واشتهر بين أهل العلم. قال: ومعنى ذلك أن التابعين أخذوا العلم عن الصحابة وحرصوا عليه، ولهذا كانوا أقرب إلى الصواب فيه وأبعد عن الخلاف ممن بعدهم. ومعنى قوله: وقفوا عند كل آية منه أسأله عنها، يعني أنه حرص على قراءة ما في المصحف ومعرفة ما في ألفاظه من معاني. قال: ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، يعني يعتمدون على تفسير الإمام المفسر الكبير مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى. وهو مع جلالته وكذلك اهتمام المفسرين بتفسيره أخذ عليه بعض المؤاخذات، وكل يؤخذ من قوله ويرد. أخذ عليه رواية الإسرائيليات، ولهذا إذا روى شيئًا مما يتعلق بالغيب ولم يسنده فهو مما لا يؤخذ عن مجاهد رحمه الله تعالى. ويناسب هنا أن ننبه على أثر أكثر بعض أهل كتب الاعتقاد من إيراده وذكر طرقه، وهو مع ذلك ليس مما ورد فيه شيء مرفوع، ولم يصح فيه شيء عن الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. قال: وإنما روي عن مجاهد رحمه الله تعالى من أوجه كثيرة، وهو مع هذا فيه من الشذوذ في المعنى والمخالفة لعمومات النصوص ما يقتضي رده. وينبه أو ينبه على ذلك؛ لأن بعض أهل العلم شدد في هذا حتى جعل القائل بهذا الأثر يعد من الجهمية، وهذا خطأ. وهو ما روي في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَعَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، روي عن مجاهد أنه يجلس الرب جل وعلا نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم معه على العرش. وهذا شيء منكر لم ترد به الروايات لا في الأحاديث الصحيحة ولا عن أحد من الصحابة. وهو ضعيف عن مجاهد رحمه الله تعالى، لكنه يحمل على أنه مما قد روي من الإسرائيليات. وأما كون بعض العلماء شدد في هذا فيحمل على إنكار العرش أو كذلك إنكار إثبات العلو لله جل وعلا، لا على عين هذا الأثر المروي عن مجاهد. قال: ولهذا يعتمد على تفسير الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، يعني ينقلون كثيرًا عن مجاهد، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره. أي هؤلاء الذين ينقلون شيئًا في التفسير سواء شيئًا يسيرًا في بعض كتبهم أو من ألف في التفسير خاصة. كبعض من ألف في التفسير مما نقل عن كالثوري جاء عنه جزء في التفسير، والإمام أحمد قيل أن له جزء في التفسير، ونقل عنه ابن القيم رحمه الله وجماعة وغيرهم من الأئمة الذين نقلوا ذلك. وذلك ما كان إلا بعلمهم أن مجاهدًا رحمه الله تعالى كان قد أخذ علمًا كثيرًا عن عبد الله بن عباس. وعبد الله بن عباس هو أحد أربعة من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم ممن أكثروا في التفسير. الصحابة كلهم يروى عنهم شيء في التفسير، لكن تميز أربعة من الصحابة في الاعتناء بالتفسير ونقل عنهم علم كثير، وهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أرضاه، وعبد الله بن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمي بحبر هذه الأمة، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه أرضاه، وأبي بن كعب. هؤلاء الأربعة هم أكثر من روي عنهم في التفسير، ولهذا إذا مررت في تفسير الصحابة تجد أكثر من يروى عنهم هم هؤلاء الأربعة. ولا يعني ذلك أنهم لم يروى عن غيرهم، لا، روي عن غيرهم، لكن أقل مما روي عن هؤلاء الأربعة. قالوا: المقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، يعني كما تلقوا علم السنة تلقوا ذلك التفسير. وإن كانوا يتكلمون ببعض ذلك بالاستنباط والاستدلال. وهذا تنبيه لطيف من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أي انتبه ولا تظن أن كل ما ينقله التابعون مما هو بالتفسير هو مما نقل عن الصحابة، لا، بل بعضه مما ينقلونه عن غيرهم أو يستنبطونه استنباطًا. وبهذا نعلم أن التفسير ينقسم إلى قسمين: تفسير بالمأثور، وتفسير بالاستنباط والرأي. فأما التفسير بالمأثور فكما مر معنا، وسبب أن أكثر ذلك ينقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاه. وهو إما يفسر القرآن بالقرآن، أو يفسر القرآن بالسنة، أو يفسر القرآن بتفسير الصحابة رضي الله عنهم. والصحابة إما يأخذوا من الكتاب أو من السنة أو مما علموه من عمومات نصوص شرعية أو ما علموه من أسباب النزول وغير ذلك، ومنه اللغة. وأما النوع الثاني هو التفسير بالاستنباط أو ما يسمى بالتفسير بالرأي، فمنه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم. المحمود ما كان مستندًا إلى النصوص الشرعية وكذلك ما كان بمعنى مما يكون من كلام الصحابة أو سبب النزول أو غير ذلك أو شيء واضح وظاهر من اللغة. وأما الرأي المذموم فهو الرأي الذي يخالف ذلك. ولعله سيأتي معنا إن شاء الله مبحث يبين لنا أنه لابد في التفسير بالاستنباط من شروط. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.