شرح مقدمة اصول التفسير 34

شرح مقدمة اصول التفسير 34

الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 34، الدرس الرابع والثلاثون : فيه من قوله ( تفسير القرآن بمجرد الرأي ... وتكلف ما لا علم له به والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم تفسير القرآن بالرأي المجرد

ينقل الشيخ ابن مرعي عن شيخ الإسلام ابن تيمية تحريم تفسير القرآن بمجرد الرأي، ويستشهد ببعض الأحاديث النبوية الضعيفة التي تدل على هذا التحريم. يشدد السلف على عدم تفسير القرآن بدون علم.

تفصيل الرأي في التفسير

الرأي في التفسير ينقسم إلى قسمين: رأي مجرد مذموم ورأي غير مذموم يستند إلى أدلة شرعية ونقولات سلف الأمة. الرأي المجرد هو الذي لا يستند إلى دليل، بينما الرأي غير المذموم هو الذي يشده برهان ويستند إلى النصوص الشرعية.

استكمال الكلام حول الرأي في التفسير وختام الدرس

يتم توضيح الفرق بين الرأي المذموم والرأي المدعوم بدليل، ويتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال ما تبقى في درس لاحق. يتم تقديم الحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «مقدمة في أصول التفسير» في فصل تفسير القرآن بمجرد الرأي. قال: فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، وهو ينقل الآن عن إمام الترمذي رحمه الله، ولهذا في بعض النسخ ليس فيها هذا الفصل، وإنما سلام مشروط بعضه مع بعض، فيكون قوله حدثنا هذا نقلا عن الترمذي. قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، قال: حدثنا عبد الأعلى وابن عامر الثعلبي، الراجح ضعفه، وإن قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: صدوق يهم، وهو في الغالب إذا قال صدوق يهم فهو في الشواهد، هذا هو الغالب. وعبد الأعلى ابن عامر الثعلبي من قرأ كلام أهل العلم فيه في التهذيب وجد أنه إلى الضعف أقرب، ومع ذلك يصلح للشواهد إذا لم يكن ذلك من مخالفاته، لأنه ذكر عنه أنه يرفع الموقوفات وينقل عن اقتطاف الغرائب. قال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من قال في القرآن بغير علمه فليتبوأ مقعده من النار». والحديث مرفوع بهذا الإسناد ضعيف، وأضعفه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، ومع ذلك فمعناه صحيح، تدل عليه عمومات الأدلة من الكتاب ومن السنة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، والثوري عن عبد الأعلى التعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». قال: وبه إلى الترمذي، قال: حدثنا عبد الحميد أو عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثني حدبان بن هلال، قال: حدثنا سهيل أخو حزام القطعي، ويقال كذلك سهيل بن أبي حزم، وهو رجل واحد، لهذا في نسخة سهيل بن أبي حزم، وفي نسخة سهيل أخو حزام يعني حزام بن أبي حزم. قال: حدثنا أبو عمران الجوني، وهذا ضعيف، سهيل ضعيف، قد نبه على ذلك الترمذي رحمه الله عند رواية هذا الحديث، قال: حدثنا أبو عمران الجوني عن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». وهذا كذلك معناه صحيح، معناه صحيح، لكن المراد بذلك الرأي المجرد الذي يفتقر إلى الدليل. قال: قال الترمذي: وهذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث بسهيل بن أبي حزم، والمعنى أنه بهذا اللفظ ضعيف، ولو كان المعنى صحيح تدل عليه عمومات، لكن إسناده ضعيف. قال: وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وغيرهم أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم بسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن بسره بغير علم أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم، فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، لأنه أمر أن لا يقول إلا بعلم، كما قال الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ومن دونه من باب أولى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾. قال: فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ، لأنه لم يأتي الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس عن جهل، فهو في النار، كما صح بذلك الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن القضاء الثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. فأما القاضيان اللذان في النار، فأحدهما رجل علم بالحق فقضى بخلافه، ورجل قضى بالحق بغير علم، وكلاهما في النار. وأما الذي في الجنة رجل علم الحق وقضى به، فمن قضى بالحق ولكن بغير علم، كما يقدر رمي من غير رام، فإنه يستحق العذاب لأجل خوضه فيما لم يؤذن له به. قال رحمه الله: كمن حكم بين الناس عن جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر. وهذا الحديث الصحيح يؤيد هذا الحديث الضعيف، لكن لا نصحح الضعيف بالصحيح، بل الضعيف ضعيف، لكن ممكن أن نقول معناه صحيح. قال رحمه الله: وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ والله أعلم، يعني أخف جرما ممن تعمد ترك الحق. قال: وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين، فقال: ﴿فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾، فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنا في نفس الأمر، لأنه أكبر بما لا يحل له الإخبار به، وتكلف ما لا علم له به والله أعلم. وخلاصة هذا المبحث، وهو أوائل هذا الفصل، وسيأتي معنا إن شاء الله أمثلة تؤكد وتبين هذا المعنى، أنه مما ينتبه له في مباحث التفسير أنه لا يجوز تفسير القرآن بالرأي بمجرد الرأي، أو لنقول الرأي المجرد. ولاحظ وانتبه إلى قول المؤلف رحمه الله: بمجرد الرأي، لأن ليس كل رأي مذموم، ولكن الرأي المذموم هو الرأي المجرد، أما الرأي الذي يستند إلى دليل من الكتاب أو من السنة أو إلى شواهد من اللغة أو نقل عن أحد من الأئمة أو كذلك شيء من القواعد الأصولية، فإنه ليس من الرأي المذموم. ولهذا ذكر البيهقي رحمه الله كما ذكر صاحب تحفة الأحوذي فيما نقله عنه بشرح هذه الأحاديث، قال البيهقي رحمه الله: المراد رأي غلب من غير دليل قام عليه، أما ما يشده برهان فلا محذور فيه. يقول: الرأي المذموم المذكور في هذه الآثار والأحاديث إنما هو رأي غلب من غير دليل قام عليه، ما يشده برهان لا رأي غلب من غير دليل قام عليه، أما ما يشده برهان يعني إذا كان الرأي هذا مما يشهد له برهان فهذا، قال: أما ما يشده برهان فلا محذور فيه، يعني إذا كان شيء يشده برهان فهذا ليس بمحذور. قال: فعلم أن علم التفسير إنما يتلقى من النقل أو من أقوال الأمة أو من المقاييس العربية أو القواعد الأصولية المبحوث عنها في أصول الفقه وأصول الدين، انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وبهذا نعرف أن الرأي ينقسم إلى قسمين: رأي مجرد وهو مذموم، ورأي يستند إلى النصوص الشرعية بخصوصها وعمومها، ونقولات السلف، أهل اللغة الصحيحة المقبولة والمعذرة، فهذا رأي ليس بمذموم. وبه نعرف أن الرأي كذلك يقع وسط بين هذا وهذا، إذا كان مستند هذا الرأي إذا كان مستند هذا الرأي شيء مشتبه، أحيانا يكون الرأي فيه شيء مشتبه، كيف مشتبه؟ يعني يخلط صاحبه بين الرأي المذموم والرأي غير المذموم. فإذا صار مشتبها فعند ذلك يصير الاشتباه في الحكم على صاحب ذلك التفسير، مثل ماذا؟ مثل تفسير ابن عطية، فتفسير ابن عطية كما مر معنا فيه أخطاء كما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وبعضهم لوجود بعض هذا الرأي المذموم شدد فيه، كما نقل عن الإمام ابن عرفة المالكي رحمه الله أنه كان يبالغ في التحذير من تفسير ابن عطية، ويقول: إنه أشد خطرا من تفسير الزمخشري. قال: لأن الناس يعرفون الاعتزال الذي عند الزمخشري، فكلهم يحذره، أما ابن عطية فقد تلبس بلباس أهل السنة، ولماذا شدد هذا التحذير؟ لأنه أدخل فيه بعض الرأي الضال، خصوصا في بعض مباحث الاعتقاد. فنخلص بذلك أن الرأي ينقسم إلى قسمين: رأي مذموم وهو الرأي المجرد، ورأي ليس بمذموم وهو ما كان مستندا إلى شيء من تلك الأدلة، لأجل أن لا يظن ظان أن التفسير لا يحل إلا أن تقول: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو وقال ابن عباس، وقال ابن مسعود. لا، ممكن أن تنقل التفسير بمعنى ما نقل في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، بمعنى ما نقل. وعلى هذا تفاسير كثيرة من تفاسير أهل العلم قديما وحديثا، فهذا شيء، الله صلى الله عليه وسلم، ابن تيمية رحمه الله في تفسيره يذكر معنى ما دلت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أو ما نقل عن سلف الأمة، ولا يذكر نص ذلك، ولا يلتزم أن يذكر نص ذلك. وهكذا كذلك من قبله ومن بعده، فهذا ابن جرير رحمه الله ربما أدخل بعض النباهة اللغوية، وهكذا ابن كثير، وهكذا كذلك من بعد، كتفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمهم الله جميعا. فإذا نخلص في هذه المقدمة لهذا الفصل بهذا التفصيل بين الرأي المجرد والرأي الذي يستند إلى تلك الأشياء الشرعية التي دلت عليها النصوص الشرعية بخصوصها أو بعمومها. وبهذا نكمل ما تبقى إن شاء الله في درس لاحق، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.