القواعد والأصول الجامعة 62

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 62، الدرس الثاني والستون : من : ( ويقدم العبد طاعة الله على طاعة كل أحد ... والصدقة على القريب صدقة وصلة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

القواعد المتعلقة بطاعة الله تعالى وتقديمها على طاعة المخلوقين

تنص القاعدة الثالثة والثلاثون على تقديم طاعة الله على طاعة كل أحد، مع تقديم أمثلة على ذلك مثل الحج الواجب والجهاد المتعين. يُشدد على عدم طاعة الوالدين أو أي مخلوق في معصية الخالق.

تقديم بعض العبادات على غيرها عند التعارض

يُناقش تقديم العبادات المتعدية على القاصرة عند التعارض، مثل تقديم السنن الراتبة على السنن المطلقة وتقديم طلب العلم على التسبيح وقيام الليل. يُوضح أن التقديم يكون عند وجود تعارض بين العبادات.

أهمية الجمع بين طلب العلم والعبادات الأخرى

يجب على طالب العلم الجمع بين طلب العلم والعبادات مثل قيام الليل والصيام، لأن العلم يزكو بالعمل الصالح. كما أن العبادات تقوي البصيرة وتفتح أبواب الفهم والانتفاع بالعلم.

ختام الدرس وتأجيل المتابعة لدرس لاحق

تم الانتهاء من الدرس الحالي بسبب نفاد الوقت، وسيتم استكمال الموضوع في درس قادم بإذن الله. يُعلن عن انتهاء الدرس الحالي وتأجيل المتابعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاعدة الثالثة والثلاثون: تهيئة، ولا بقي آخر شيء وقفنا عليه ثانية، لا، لا ثالثة، يقدم العبد طيب. قال نولد -رحمه الله تعالى- في ذكر تفاصيل القاعدة الثالثة والثلاثون: «ويقدم العبد طاعة الله على طاعة كل أحد». ولهذا لا يطيع والديه في منعهما إياه من الحج الواجب، والعمرة الواجبة، والجهاد المتعين. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، يعني أنه مما تتزاحم فيه المصالح، الواجب الشرعي لله عز وجل في طاعته، والواجب في طاعة الوالدين مثلاً، أو من تعينت طاعته من ولي أمره، فهنا تقدم الطاعة الأعلى، وهي طاعة الله على طاعة المخلوق. ولهذا صح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصحيحين حديث علي -رضي الله عنه-: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». وجاء كذلك من حديث عمران، وجماعة: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وهو عند أحمد، والحاكم، وغيرهما. فهذا موافق لما ذكره المؤلف -رحمه الله- في هذه القاعدة. المثال الأول واضح، فإذا نهاه أحد والديه عن الحج الواجب، فإنه لا طاعة له، إلا إذا كان في ذهابه ضرر على أحد الوالدين، ولا أحد يقوم عليهما، فهنا تأتي مسألة أخرى: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فكونه يذهب إلى الحج مع وقوع الضرر اليقيني على أحد والديه، لعدم من يقوم بهما، هذا مما يرجع إلى قاعدة أخرى، وهو درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فدرء مفسدة الضرر المتحقق على أحد الوالدين أولى من تأدية الفرض الواجب، بخلاف ما إذا كان هناك من يقوم عليهما، أو على أحدهما الذي يتضرر، فإن قام أحد فدفع هذا الضرر، وجب عليه أن يذهب إلى الحج الواجب. وهكذا كذلك العمرة الواجبة، وهكذا كذلك الجهاد في سبيل الله الواجب، الذي يسمى الجهاد العيني. جهاد العين هو إذا وقعت له صور، ومن صوره إذا وقع في بلد من بلاد المسلمين ما يستوجب دفع الكفار، مع توفر شروط الجهاد الشرعي، فإنه يتعين على كل أحد من المسلمين في ذلك البلد دفع ذلك العدو الكافر. فإذا وقع مثل ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لكن إذا عارض ذلك مفسدة خاصة وعامة، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. فمن درء المفاسد مثلاً إذا كان هناك ضرر خاص يلحق بأحد الوالدين، أو ضرر عام يلحق بجميع المسلمين، فإنه عند ذلك لا شك أن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة. ومنه ما يحصل اليوم في العراق، فإنه شبيه بما في هذه القاعدة، فإن المفاسد المترتبة على قتال الكفار في ذلك البلد لا شك أنها أكبر؛ لأن المسلمين ليس عندهم من الاستعداد المادي والإيماني ما يقاوموا به العدو. فوجب عليهم الصبر وتهيئة المسلمين للاستعداد لمواجهة الأعداء. ولهذا لم يؤمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بالجهاد وهو في مكة، وأمر به وهو في المدينة، بل ولم يؤمر به مباشرة في المدينة، وإنما أمر به بعد ذلك. فينبغي أن نفرق؛ فقد يثبت الواجب، لكن يوجد ما يعارض هذا الواجب، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. قال -رحمه الله تعالى-: «ويقدم السنن الراتبة». أو «ويقدم»، يجوز هذا. «ويقدم السنن الراتبة على السنن المطلقة». مثال السنن الراتبة: راتبة الفجر مثلاً. وهذا إذا كان الوقت يسمح فيها براتبة، لكن إذا كان لا يسمح مثل وقت الفجر، فإنه لا مجال للمقارنة؛ لأن صريح حديث بن عمر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر». فلا يجوز التنفل المطلق بعد الفجر الصادق إلا بركعتي الفجر فقط، يعني راتبة الفجر فقط. فالقاعدة ليست على إطلاقها، لكن إذا كان الوقت ليس فيه مانع شرعي من التنفل المطلق، ووجد التعارض، فتقدم الراتبة على المطلقة. وإذا لم يوجد التعارض، جمع بين الأمرين. مثل إنسان مثلاً في الحرم صلى راتبة الظهر، فيقال: أريد أن أتنفل الآن بنفل مطلق، هل يجوز؟ الجواب: نعم يجوز، يتنفل بنفل مطلق ما دام قد صلى راتبة الظهر. فإن لم يصل راتبة الظهر وكان الوقت ضيقاً، فأيهما أفضل؟ لا شك أن الأفضل أن يقدم راتبة الظهر على النفل المطلق. قال: «والعبادات المتعدية على العبادات القاصرة». كذلك العبادات المتعدية على العبادات القاصرة. مثال العبادات المتعدية: العلم، فالعلم من العبادات المتعدية. ومثال العبادات القاصرة: مثل التسبيح، والتكبير، والتهليل، وما كان بمعناه، فهذا من العبادات القاصرة. أو قيام الليل، فهو من العبادات القاصرة. فأيهما أفضل؟ لا شك أن العلم أفضل، هذا إذا وجد التعارض. نعم، لأجل ما يظنه بعض الناس أن كلام أهل العلم في تقديم العلم على قراءة القرآن، والتسبيح، وقيام الليل، والصيام، معناه أن الإنسان يكون جافاً غليظاً ليس عنده طاعات وقربات، لا، ما قصد هذا العلماء. لكن قصد العلماء: إذا وجد التعارض، فإنه يقدم ما هو متعد على ما هو قاصر. فمثلاً لو قال إنسان: أنا محتاج لبحث مسألة معينة مطلوب مني الجواب عليها في اليوم التالي، فسيسهر في البحث بهذه المسألة، وربما من شدة انشغاله ما يستطيع أن يقوم الليل في تلك الليلة، هل هذا ينافي الأفضل؟ الجواب: لا، ما ينافي الأفضل. ولو لم يوتر أبداً، هذا إذا كان الوقت سيستفرغ في البحث بهذا العلم الذي سينتفع به الناس، والناس بحاجة ملحة له. لكن إذا كان الإنسان سيستمر كل ليلة يسهر في طلب العلم ويترك قيام الليل، هل هذا صحيح؟ لا، هذا خطأ. بل كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- وهو أعلم الناس وأعبد الناس ما يترك قيام الليل حتى في السفر. فلذلك ينبغي على طالب العلم أن يحرص على قيام الليل، يحرص على قيام الليل. وهكذا كذلك لو خير إنسان بين طول قيام الليل وبين اجتهاد في طلب العلم، فيقال: إذا كان هذا يعارض علماً ينتفع به الناس، فلا شك أن العلم المتعدي أنفع من قيام الليل الطويل الذي هو قاصر. أو كذلك إنسان إذا استمر بالصيام ضعف عن طلب العلم، فيقال له: اقتصد في الصيام واستمر في طلب العلم. فينظر الإنسان إلى الجمع بين العبادة القاصرة والعبادة المتعدية إذا أمكنه الجمع بينهما؛ لأنها كلها عبادات رغب فيها الشرع. فالشرع رغب في الصيام، ورغب في قراءة القرآن، ورغب في ذكر الله، ورغب في طلب العلم. فإذا الإنسان لا يقول: خلاص طلب علم فقط، لا، لا بد أن يجمع بين العلم والعمل. ومن العمل: التسبيح، وذكر الله، وقراءة القرآن، والصيام، والقيام، وغير ذلك. بل في الحقيقة العلم لا يزكو إلا بهذه الأعمال. الإنسان لا يزداد علماً، ولا يزداد حباً له، وكذلك عملاً إلا بهذه العبادات. فمن الفقه أن الإنسان يرزق بصيرة صحيحة. كما قال ابن القيم -رحمه الله-: «والبصيرة الصحيحة تأتي من حسن العبادة». البصيرة الصحيحة تأتي من حسن العبادة. كلما حسنت عبادة المرء لربه -سبحانه وتعالى- أعطاه الله -عز وجل- من قوة البصيرة، وحسن الإدراك، والفهم، ما يعينه على الاستمرار في العلم. بينما إذا كان الإنسان مقصراً في العبادات، مقصراً في الطاعات، فإنه ينغلق عليه الشيء الكثير من أبواب العلم. وهذا هو الفرق بين العلماء العاملين والعلماء غير العاملين. ولذلك تجد أن أكثر الناس علماً، أو انتفاعاً من علمهم، هم الذين جمعوا بين العلم والعمل. قال -رحمه الله تعالى-: «ويقدم نفل العلم على نفل الصلاة والصيام والصدقة على القريب صدقة وصلة». طيب، يقول: «ويقدم نفل العلم على نفل الصلاة والصيام». لا، هذا باب آخر. يقدم نفل العلم على نفل الصلاة والصيام، يعني هذا مثال للمتعدي والقاصر. فنفل العلم متعد، ونفل الصلاة والصيام قاصر، وسبق الكلام عليه. قال: «والصدقة على القريب صدقة وصلة»، يعني معناه أفضل من الصدقة المطلقة. فأنت إذا تصدقت على قريب، فيكون لك الأجر مرتين. ولهذا قال الله -عز وجل-: «الأقربون أولى بالمعروف». وهكذا كذلك عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. فهذا المعنى ثابت في الكتاب والسنة. ففي الكتاب قول الله -جل وعلا-: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾، وهكذا كذلك: ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾. فكلما كانت القرابة زيادة، كانت الصدقة والصلة أولى. قال: «ومن أمثلة الأصل الثاني: من اضطر إلى أكل المحرم». طيب، نكتفي بهذا الانتهاء الوقت، ونكمل -إن شاء الله- في درس لاحق.