الدرس في كتاب الصلاة 20، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
صلاة الجماعة واجبة في الحضر والسفر لمن أمكنه حضورها، ولها مصالح كثيرة منها اجتماع أهل الإسلام وتآلفهم. تنعقد الجماعة باثنين وكلما زاد العدد كان أفضل.
يتم اختيار الإمام بناءً على الأفضلية في الدين والعلم بالسنة، ويُقدم الأفقه ولو كان أقل حفظًا. لا ينبغي للمفضول أن يتقدم مع وجود الأفضل.
يجب أن يكون الإمام أهلاً للاقتداء به، وتؤثر تغييرات الإمام المتكررة على هيبة الإمامة. يطرح المقطع مسائل متعلقة بصحة صلاة الإمام والمأمومين.
الصدقة تظلل الإنسان يوم القيامة، مما يدل على أهميتها في الآخرة وتوفر الحماية والراحة للإنسان في يوم الحساب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، طيب، مر معنا في الدرس الماضي مجموعة من المسائل المتعلقة بصلاة التطوع، ومن ذلك ما مر معنا من صلاة الاستخارة، ومرت معنا مسائل تتعلق بصلاة الاستخارة، من ذلك: مكان دعاء الاستخارة عند من؟ نعم، بعد الصلاة. والسلام، وإذا فعله قبل السلام فلا بأس. نعم، وكذلك حكم صلاة الاستخارة لمن لا يستطيع الصلاة، كالمرأة الحائض ونحو ذلك، ها؟ يجوز؟ تصلي؟ كيف يعني؟ تدعو بدون صلاة. نعم، تدعو بدون صلاة، ومثلها، كما قلنا: من احتاج، وضاق عليه الوقت، وضاق عليه الوقت. وما هو الصحيح الذي يفهم من معنى صلاة الاستخارة؟ الوحي يأتيك، يأتي وحي فيجعلك تختار الصحيح، ها؟ قلنا: معنى أمرين اثنين، يدخل في معنى الأمر الأول: يبارك لك فيما أقدمت عليه، ويجعل فيه الخير. نعم، طيب. ومرة معنى من المسائل: بين كل أذانين صلاة، وهذا يدخل فيه مسمى ماذا؟ ها؟ نسميه ماذا؟ نفل مطلق، ها؟ تطوع مطلق، ليس مقيدًا بصلاة أو سبب، ها؟ ها؟ نعم. مرة معنى في درس السابق: سؤال عن كيفيات التسليم، وحصل وهم، سبق لسان، بدل ما أقول: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته في اليمين أولًا، ذكرت في اليسار، وما أحد راجع عني، ولا أحد راجع عني، يعني: سبحان الله، خلاص، يأتي في آخر الدرس شوية من الصلاح. طيب. ومرة معنى كذلك: أن صلاة النافلة تفضل على صلاة الفريضة، هكذا بخمسين وعشرين درجة، ها؟ نعم، صلاة الفريضة تفضل على صلاة النافلة ببضع وخمسين، بضع وعشرين، أو بضع، ببضع وعشرين، أو سبعين وعشرين درجة. وصلاة النافلة للرجل إذا صلى بعيدًا عن الناس، لا يراه الناس، تفضل عن صلاته بين الناس بخمسين وعشرين درجة. وفي هذا فضل صلاة النافلة في السر لمن استطاع ذلك. طيب. اليوم، إن شاء الله، في باب صلاة الجماعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صلاة الجماعة، قال: هي من آكد السنن، وتنعقد باثنين، وإذا كثر الجمع كان الثواب أكثر، وتصح بعد المفضول، والأولى أن يكون الإمام من الخيار، ويأم الرجل بالنساء للعكس، والمفترض بالمتنفل والعكس، وتجب المتابعة في غير مبطل، ولا يأم الرجل قومًا هم له كارهون، ويصل بهم صلاة أخفهم، ويقدم السلطان ورب المنزل والأقرأ ثم الأعلم ثم الأسن، وإذا اختلت صلاة الإمام كان ذلك عليه لا على المؤتمين به، وموقفهم خلفه إلا الواحد فعن يمينه، وإمامة النساء وسط الصف، وتقدم صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء، ولا حق بالصف الأول أولو الأحلام والنهى، وعلى الجماعة أن يسووا صفوفهم وأن يسدوا الخلل ويقيموا الصف الأول ثم الذي يليه ثم كذلك. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب بعد أن ذكر ما يتعلق بصلاة الفريضة والنافلة بالنسبة للمنفرد، ناسب أن يذكر حكم صلاة الجماعة وما يتعلق بها من مسائل، فقال: باب صلاة الجماعة. وكما تقدم: معنى الباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد: الدخول والخروج المعنوي، أي: هذا مدخل لمعرفة أحكام صلاة الجماعة. وجعل هذا الباب عدة مسائل، وستأتي معنا إن شاء الله مسألة مسألة. فأما المسألة الأولى، وهي قوله: من آكد السنن، أي: هذا حكمها. قال رحمه الله: أما كونها من آكد السنن، فلما ورد فيها من الترغيبات، حتى إنه صلى الله عليه وسلم صرح بأنها تزيد على صلاة الفرد بسبعٍ وعشرين درجة، كما في الصحيحين، ووقع منه الإخبار بأنه قد هم بأن يحرق على المتخلفين دورهم. ولازمها صلى الله عليه وسلم من الوقت الذي شرعها الله فيه إلى أن قبضه الله إليه: يعني لم يتركها ولا مرة، ولم يرخص صلى الله عليه وسلم في تركيها لمن سمع النداء، فإنه سأله الرجل الأعمى أن يصلي في بيته فرخص له، فلما ولّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب. وكل ما ذكرناه ثابتٌ في الصحيح. قال: وثبت في الصحيح أيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتَ به يهاد بين الرجلين حتى يقام في الصف. وهذه الأدلة التي ذكرها وغيرها كثير يدل على أنها على الراجح واجبة، بل من آكد الواجبات. فالصواب أن يقال في حكمها: أنها من آكد الواجبات. وقد اختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة، فالجمهور يرون أنها سنة، وجماعة من الفقهاء وأكثر الحنابلة والظاهرية يرون أنها واجبة، بل بعض الحنابلة والظاهرية يرون أنها شرط صحة، كما يروى عن ابن عقيل من الحنابلة، ويرويها رواية عن الإمام أحمد. والصحيح أنها لم تصح عن الإمام أحمد: أي القول بالشرطية، بل الصحيح أنها واجبة. وأن القول بوجوبها: هل هو خاص في السفر أم في الحضر دون السفر؟ الظاهر والله أعلم من عموم الأدلة أنها واجبة في الحضر وفي السفر لمن حضر الجماعة وأمكّنه. فإنه تجب عليه مع جماعة المسافرين؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها حتى في السفر، كما في حديث مالك بن الحويرث، قال: «ليأمكما أكبركما». وفي الرواية: «ليأمكما أكبركم». فأمرهم بالجماعة وهم في سفر. ولهذا قال غير واحد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنها واجبة حتى على المسافرين في جماعة المسافرين، أي: من الرجال. فإنهم يصلونها جماعة، ولا يصلونها منفردين. وفيها مصالح وحكم كثيرة، من أعظم مصالحها: اجتماع أهل الإسلام، فقد جعل الله عز وجل حكمة: أن أهل هذا الدين يجتمعون اجتماعًا يوميًا خمسة مرات، وهي الصلوات الخمس، لأهل المكان الواحد المتقارب، واجتماعًا أكبر منه لأهل المحلة، وهي في الجمعة الجامعة يوم في الأسبوع، وفي اجتماع أكبر منه فيما يكون من نوازل وعوارض كالعيدين والكسوف، وكذلك صلاة الاستسقاء ونحوه، واجتماعًا أعظم فيما يكون من سيامهم وحجهم، فيجتمع أهل الإسلام على ذلك. كل هذا يدعو إلى معنى: وهو اجتماع أهل هذا الدين في هذه العبادات بأجسادهم، سبب لاجتماع قلوبهم وتآلفهم وتراحمهم وتعاونهم وتعاطفهم. وهذا مجرب، تجد أهل المسجد يحصل بينهم من التآلف والتراحم والتعاون ما كان شيئًا زائدًا عن أصله: الإسلام والإيمان، مع بعد بعضهم عن بعض. وهذا من المصالح، مع ما فيه كذلك من قرب بعضهم من بعض، فيعلم بعضهم بعضًا، وكذلك يأتم ويقتدي بعضهم ببعض. ولذلك تجد من هو موفق لحضور الجمعة والجماعات، عنده من الفرح في الدين والتديّن ما يعينه على إصلاح نفسه وإصلاح أهله، بخلاف من هو محروم عن الجمعة والجماعات، فإنه يكون بعيدًا، وتحصل عنده من الغفلة ومن قلة الخير ما يكون بقدر بعده. وغير ذلك من المنافع الأخرى الكثيرة. ومنافع صلاة الجماعة وحكمها بسط فيها بعض أهل العلم، وأوصلها إلى عشرات المنافع. قال رحمه الله: أما انعقاد الجماعة باثنين، فليس في ذلك خلاف، وقد ثبت بالصحيح من حديث ابن عباس أنه صلى بالليل مع النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وقعد عن يساره، فأداره إلى يمينه. وكذلك أدل أخرى كثيرة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يطوع لهذا؟» فدل على أن التطوع في الجماعة ولو بواحد، ولو بواحد. وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يحرم هذا الذي تأخر عن الصلاة من أجر الجماعة. وفي حديث مالك بن الحويرث -وسيأتي معنا إن شاء الله- أرشد عليه الصلاة والسلام أن يأم الأكبر، فقال: «فليؤمكما أكبركما». وغير ذلك من الأحاديث الأخرى التي تدل على أن أقلها تنعقد باثنين. قال رحمه الله: وأما كثرة الثواب إذا كثر الجمع، فقد ثبت عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده». في هذا دليل على أنها تنعقد باثنين كذلك. قال: «وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل». وفيه كذلك ما أشار إليه: أنه كلما زاد العدد زاد الأجر. وذلك أولًا لما يكون من اجتماعهم وتعاونهم على الخير، وغير ذلك من المصالح الأخرى: تعليم بعضهم لبعض، واقتداء بعضهم ببعض، وتناصر بعضهم مع بعض. قال: «وما كان أكثر فهو أحب إلى الله». أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وصححه، وابن السكن والعقيلي والحاكم. وقد أشار بالتعليق إلى أنه حديث حسن لغيره، وهو كما قال رحمه الله تعالى. والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «وما كان أكثر فهو أحب إلى الله». وهذا عام في كل جماعة، سواء كانت هذه الجماعة فريضة أو كانت نافلة، وسواء كانت صلاة الصلوات الخمس أو كانت حتى الجنازة فما غيرها. وسيأتي معنا في حديث صلاة الجنازة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خص في التشفيع بأربعين رجلًا يشهد أن لا إله إلا الله ويوحد الله. واستدل العلماء بهذا العدد: أنه أفضل عدد يكون به الجمع، يعني: أربعين فما فوق. أربعين فما فوق، فإن كانت الجماعة فوق الأربعين فهو أفضل وأكمل، لكن على الصحيح: ليس شرطًا في صحة الجمعة أو حتى صحة الجماعة، ليس شرطًا في صحة الجمعة ولا الجماعة. وسيأتي معنا في الكلام على الجمعة التنبيه على هذا المعنى. فالخلاصة: تنعقد باثنين، وكلما زاد العدد كان أفضل وأفضل. العدد كم؟ أربعين فما فوق. وأفضل العدد: أربعين فما فوق. قال رحمه الله تعالى: وأما صحة الجماعة بعد المفضول، فقد صلى صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر، وبعد غيره من الصحابة، كما في الصحيح. ولعدم وجود دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل. والأحاديث التي فيها: «لا يأمَنَّكم ذو جرأة في دينه». ونحوها: لا تقوم بها الحجة. وعلى فرض أنها تقوم بها الحجة، فليس فيها إلا المنع من إمامة من كان ذا جرأة في دينه، وليس فيها المنع من إمامة المفضول. وقد عورض ذلك بأحاديث تتضمن الإرشاد إلى الصلاة خلف كل بر وفاجر، وخلف من قال: لا إله إلا الله. وهي ضعيفة، وليست بأضعف من معارضها. خلاصة هذه المسألة من مسائل وأحكام صلاة الجماعة: أن الأفضل الصلاة خلف الأفضل، كما سيأتي معنا إن شاء الله. ولكن إذا احتاج الأفضل أن يصلي خلف المفضول لسبب من الأسباب، فإنه يصلي وتصح الصلاة، ولا يجب تغيير المفضول إلى الأفضل. أفضل مثاله: لو أن المقام مقام الأفضل، لكن لسبب قدم المفضول، كالنبي صلى الله عليه وسلم لما مرض قدم من أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، فبسبب المرض قدم أبو بكر وصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر لما نشط فخرج للصلاة، ويهاد بين الرجلين: هما العلي والعباس رضي الله عنهما، كما في الصحيح في حديث عائشة وغيرها. فدل هذا على مشروعية صلاة الفاضل خلف المفضول. أو كان المفضول الإمام الراتب، فكذلك يصلي الأفضل خلف المفضول لكونه الإمام الراتب. أو كان المفضول ذو سلطان أو رب البيت، كما سيأتي معنا إن شاء الله، فإن الفاضل يصلي خلف المفضول. ونحو ذلك، بل نص العلماء في كتب العقائد فضلًا عن كتب الفقه: أن الصلاة تصح خلف كل بر وفاجر؛ وذلك لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأحاديث كثيرة بهذا المعنى. فإن أساءوا فلكم وعليهم، وإن أحسنوا فلكم. الصلاة خلف كل بر وفاجر: عقيدة يعتقدها أهل الإسلام. ولا شك أن الصلاة خلف البر أفضل من الصلاة خلف الفاجر، لكن دأب أهل الإسلام بإمامة الفاجر: ليس معناه أن يدعو الجماعة، بل يصلوا الجماعة. بل صح في بعض الأحاديث -كما في حديث ابن مسعود وغيره- أن الإمام إذا صلى صلاة فيها بعض ما يخالف الشرع فيها، فإنه لأجل اجتماع المسلمين وعدم تفرقهم وحصول الفتنة والنزاع بينهم: يصلى خلف هذا الإمام، ويعيد المصلِّي الصلاة إن كانت الصلاة لم تصح. إن كانت الصلاة لم تصح. وسنأتي على الكلام على هذا إن شاء الله. وكذلك نبه بقوله رحمه الله: ولعدم وجود دليل، أي: على أن الإمام الأفضل يصلي خلف المفضول. وأشار إلى الحديث، والحديث ضعيف كما أشار في التعليق. وأشار غير واحد منهم: الشوكاني، والصنعاني في كتبهما، إلى ضعف هذا الحديث، ولا تقوم به حجة. وعلى فرض إقامة الحجة على هذا المعنى، فكما قال رحمه الله: إنما يدل ذلك على عدم السماح لتقدم من وصفه هكذا، وهو الجرأة في الدين، وليس فيه دليل كما قال. وزعم بعض الفقهاء -وهذا القول- وهذا الحديث: إنما استدل به بعض الإمامية من الرافضة. والحديث أولًا لم يصح، ولو قدر صحته، فليس فيه الدليل على منع صلاة المفضول للفاضل أو للأفضل، بل يدل على منع من هذا وصفه. وهذه مسألة دقيقة ينبغي أن ينتبه لها، فليس فيه نفي صلاة المفضول أو إمامة المفضول للفاضل، خلافًا لمن خالف ذلك من أهل الرأي، وهو قول عامة الرافضة، عامة الرافضة. وهذا خطأ. قال رحمه الله: والأصل أن الصلاة عبادة يصح تأديتها خلف كل مصلٍ إذا قام بأركانها وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة، وإن كان الإمام غير مجتنب للمعاصي، ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره. قال: ولهذا إن الشارع إنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسن، ولم يعتبر الورع والعدالة. فإن أو -إن غير هذه النسخة- من عنده نسخة أخرى، في نسخة فيها: فإن، لا الفاء. طيب. قال: ولم يعتبر الورع والعدالة، فقال: «يا أم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا بالهجرة سواء فأقدمهم سنة». أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود. وفي حديث مالك بن الحويرث: «ليؤمكما أكبركما». وهو بالصحيحين وغيرهما. وقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم من أم مكتوم على المدينة مرتين، فصلى بهم وهو أعمى. والحاصل أن الشارع اعتبر الأفضلية في القراءة والعلم بالسنة، وقدم الهجرة وعلو السن، فلا ينبغي للمفضول في مثل هذه الأمور أن يأم الفاضل إلا بإذنه، ولا اعتبار بالفضل في غير ذلك. وأفاد كلامه هذا رحمه الله ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن المعتبر في التقديم الأفضلية في الدين، الأفضلية في الدين. وأول الدين: العلم، فلهذا يقدم «أقرأهم لكتاب الله»، «وأعلمهم بالسنة». وقوله عليه الصلاة والسلام: «أقرأهم»: الصحيح من أقوال أهل العلم: أن الأقرأ ليس الأحفظ مع عدم الفتح، وإنما كان القرَّاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هم بمثابة العلماء وكبار طلبة العلم. ولهذا جاء ذكرهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسلهم لتعليم الناس، يرسل القرَّاء. فكان العلماء من الصحابة يسمون قرَّاء؛ لأنهم كانوا يقرؤون أو يقرؤون ويقرؤون غيرهم. وكانوا يأخذون القرآن بحفظه وفهم وفقه معانيه، كما جاء في حديث ابن مسعود: أنهم كانوا لا يتعدون عشر آيات حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل. ولهذا اختلف الفقهاء في مسألة: إذا كان هناك أحفظ وهناك مع الأحفظ أفقه، فمن الذي يقدم؟ الأحفظ أو الأفقه؟ اختلف. والصحيح: أنه يقدم الأفقه ولو كان حفظه أقل، ما دام أنه يعني: عنده من الحفظ ما يستطيع أن يقوم بالإمامة. عنده من الحفظ ما يستطيع أن يقوم بالإمامة. وليس معنى أنه أقل حفظًا: معناه أنه ضعيف في القراءة، لا، وإنما المعنى: أنه لكثرة ما عنده من العلم قد قد يغلب بهذا العلم على بعض التقصير في الحفظ. ولكن لا شك أن الأفضل والأكمل: من جمع بين الحفظ وبين الفقه. وهذا هو الوصف الكامل الصحيح للقرَّاء. «أقرأهم لكتاب الله»: أي أعلمهم بكتاب الله حفظًا وفقها، حفظًا وفقها. «فإن كانوا في القراءة سواء»: أي في الحفظ والفقه، «فأعلمهم بالسنة»، كذلك أعلمهم بالسنة، ليس حفظًا فقط، وإنما حفظًا وماذا؟ وفقها، حفظًا وفقها. «فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة»: أقدمهم هجرة، معناه: أسبقهم إلى الفضل، أسبقهم إلى الفضل. فلذلك إذا استووا في الهجرة: «فأقدمهم سنا»؛ لأن الأكبر سنًا أسبق إلى الفضل، وأكثر في الفضل ممن هو أقل سنًا، هذا هو الغالب، هذا هو الغالب. طيب. كيف عرفنا؟ عرفنا بأنه في حال عدم الاستواء: يقدم من الأعلم، ليس الأسنَّ في عدم الاستواء. يوجد إنسان كبير في السن، وإنسان صغير في السن، لكن الصغير في السن أقرأ للكتاب والسنة، والكبير في السن ليس أقرأ للكتاب والسنة، فمن الذي يقدم؟ الصغير ولو كان في السن أصغر؛ لأنه أقرأ، لأنه أقرأ. طيب. إذا كانوا في الفقه سواء، فمن الذي يقدم؟ يقدم الأحفظ، ولو كان في الفقه أقل. فإذا هناك اعتبارات ينبغي مراعاتها، فإذا تساوت هذه الاعتبارات: فينظر من الذي اجتمع معه أكثر هذه المعاني. وبه نعرف خطأ تقديم بعض الشباب المبتدئين بسبب حسن القراءة فحسن القراءة والتلاوة: ليس هو المعيار للإمامة، بل هذا مما قد تكون به الفتنة. بعض الناس يقول: متذبذب عنده قراءة جميلة، ولكنه ضعيف تدينه، وهذا يؤثر. لما يأتي إنسان يصلي بالناس، وبعد أشهر إذا به منتكس منحرف، ثم ينحرف بانحرافه جماعة من أمثاله ونظائره، وهذا خطأ. ينبغي أن يكون واجهة الناس وقدوة الناس: من عرفوا بالرسوخ، ومن يصلحوا للإمامة والقدوة، ولا يكون فتنة للمجتمع، لا يكون فتنة للمجتمع. وبسبب مثل هذه الأخطاء بعدم ترتيب هذه الأولويات: تسلط السفهاء على هذه الأماكن الدينية شرعية، فيأتي من يتشدق بالكلام، ولو لم يكن عنده علم شرعي، بمجرد أنه يحسن الخطابة أو يحسن الكلام، ويتشدق بالكلام، فيضل الناس. وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم: أن يتسلط أمثال هؤلاء السفهاء يضلون الناس. والأمر الثاني: أنه أشار رحمه الله تعالى إلى أن تخلف بعض الصفات الخلقية: لا تنقص من الأهلية للإمامة. فقول بعض الفقهاء: «لا يأم الأعمى»: هذا غير صحيح، بل الأعمى: صح أن النبي صلى الله عليه وسلم رضيه أن يكون إمامًا. صحيح أن إمامة الأعمى لن تكون مثل إمامة البصير إذا استووا في العلم؛ لأن الأعمى قد تفوته بعض الأشياء التي يراها من يبصر. ولكن إذا كانت القضية قضية علم وفقه، فإنه يقدم الأعمى على المبصر. وليست العيوب الخلقية معيارًا للتقديم إلا في حال الاستواء، يعني: لو استوى إمامان في العلم والفقه، أحدهم يبصر وأحدهم لا يبصر، من نقدم؟ الذي يبصر، نقدم الذي يبصر؛ لأن الذي يبصر: سيكون عنده من المعرفة والتفرس في أحوال الناس ونصحهم وتعليمهم والقيام بما يحتاجونه: ما لا يقوم به ذاك الأعمى. وليس هذا مضطردًا، بل بعض من هو أعمى: عنده من الذكاء وحسن التفرس بسماع الأصوات وصيغ الكلام: ما هو أحسن من بعض من هو ليس بأعمى. لكن العبرة كما قلنا: العلم والدين. والمسألة الثالثة: ما أشار إليه رحمه الله تعالى: أنه لا ينبغي للمفضول أن يتقدم مع وجود الأفضل والفاضل. فإذا وجد الفاضل: فلا ينبغي أن يتقدم، بل ينبغي أن يتأدب بالأدب الشرعي، إلا إذا كان عند المفضول مزية تجعله له الأولوية، مثل أن يكون إمامًا راتبًا، أو يكون رب البيت، أو ذو سلطان، أو نحو ذلك، فإنه ينبغي أن يراعى مثل هذا الباب. ومن المسائل الدقيقة التي ينبني عليها: أنه ينبغي في المساجد التي لها إمام راتب: أن يثبت الإمام الراتب على إمامته، ولا يجعل الإمامة محلًا للتنقل بسبب زيارات من يزوره ممن هو أعلم منه أو أولى منه. ولهذا جعل الشرع من الأحكام الشرعية: أنه لا يأم الزائر المزور. فثبت في مسند الإمام أحمد، وعند الترمذي وغيره، وبعض أهل السنن، من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، بإسناد حسن أو صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زار الرجل قومًا فلا يصلي بهم، وليصل بهم رجل منهم». «وليصل بهم رجل منهم». والسبب: حتى أولًا لا تحصل الفوضى، ويضيع انضباط الناس مع إمامهم. والثاني: أن هذه الزيارة إذا كانت ستتكرر، وسيتغير عليهم الإمام، قد يكون ذلك كذلك سببًا في تقديم من ليس أهلًا للتقديم. وهذا يحصل في بعض المناطق: يقدمون دائمًا الضيف إذا جاء ضيف، قدمه، إذا جاء ضيف، قدمه، فيحصل في هذا اضطراب في الصلاة، وفي كذلك العلم والتوجيه، وفي أشياء أخرى كثيرة. وهذا لهذا ولغيره: جاء النهي عن مثل هذا الفعل. ولا مانع من أن يرشد ويعلم وينصح، لكن تبقى الإمامة منضبطة، تبقى الإمامة منضبطة. بخلاف إذا ما استُضيف إنسان في رمضان أو بغيره لشهر، يصلي بالناس، أو إمام سيسافر، فنوب إمامًا آخر: هذا شيء آخر، حسنًا. نتكلم على زيارة قد تتكرر، فيحصل بذلك اضطراب الإمامة، اضطراب في عدة أشياء: حتى في كيفية الصلاة، وفي مراعاة أوقات الصلاة، وفي مراعاة أحوال الناس، وغير ذلك من الأمور الأخرى التي قد لا يدركها الزائر، وإنما يدركها من هو من أهل المكان وأهل المسجد. طيب. نقتفي بهذا الحد، أو نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت، ونكمل الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم. نعم، هذه طريقة محدثة: أن كل شهر يجعلون إمامًا جديدًا، هذه طريقة محدثة. أن كل شهر يجعلون إمامًا جديدًا، هو نخشى من هذا. هذا الشباب الذي يشجع الناس، اليوم غدًا إذا انتكس أخرج معه مجموعة، فينظر في الأمر. هذا حسب المصلحة، إذا كان المسجد معروفًا بأنه فيه قرَّاء حفاظ، فيصلون أحيانًا في حال غياب الإمام. نعم، أما الإمام موجود، ويجعل الإمامة يعني للتناوب، ها؟ خلاص. الاستقرار الذي عليه العلماء: أن الإمام يثبت، يستقر، يعلم المسجد الاستقرار في الإمامة في الصلاة وفي غيرها. أذكر في أحد المرات: كان أحد مشايخنا من طلبة الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، والشيخ الصالح من كبار طلبة الشيخ، إذا سافر الشيخ -من عثيمين رحمه الله- كان الشيخ ينيب في الصلاة، فأحيانًا لا يكون المناب هذا رجل تقيل في العلم، وفي كذلك الحلم، فكان شيخنا رحمه الله -الشيخ الصالح- يخرج ولا يصلي في المسجد. كنا نقول له: يا شيخ، لماذا ما تصلي معنا؟ يقول: صارت الإمامة لعبة. الذي عهدنا عن مشايخنا وعلمائنا: أن تكون للإمامة هيبة، فإذا أنيب: يستناب من هو أهل للاقتداء والتوجيه، ليس صلاة الظهر واحد، صلاة العصر واحد، صلاة المغرب واحد، تجارب يجي صلاة المغرب يقرأ واحد قراءة، صلاة العشاء واحد يقرأ قراءة، ويلا، خذ، إما يخطئ في القراءة، أو كذلك يكون أول مرة يصلي بالناس، يمطط، فتأتي للإنسان نفرة، ويعني أشعر نفرة من هذه التصرفات المستهجنة التي يعبث فيها بعض الشباب بسبب قلة العلم والحلم، فتصير الإمامة ليس لها هيبة، بسبب هذا التنويع، بسبب هذا التنويع. ولهذا نص العلماء في الإمامة على هذه المسألة، فينبغي أن تبقى الإمامة بهيبتها. إذا تريد أن تعلم الشباب: علمهم في صلاة جانبية. الشباب يعلمون في صلاة جانبية، لا، بس، كان في أزمنة متقدمة، ويجعل الشباب صلاة العشاء لوحدهم يصلون، ويصلي بهم كل واحد حتى يتعلم الصلاة، وينظر المدرس كيف قراءته، كيف صلاته، يعني. بعض الناس على خلاف ما تعرفه، على خلاف ما تعرفه: إما عنده شيء من العلم، عنده شيء من الحفظ، لكن أخلاقه وآدابه غير منضبطة، أو كبير في السن، فيه خفة، لا يصلح أمثال هؤلاء أن يكونوا أئمة، خصوصًا إذا كان المنبر والإمامة لمسجد وجامع له ثقله ووجاهته في المجتمع، فننتبه لمثل هذه الأمور. بارك الله فيكم. طيب، يقول السائل: إذا كان ما حكم الإمام إذا كان لابسًا للبنطال ويكشف عورته؟ سيأتي معنا الكلام على مسألة بطلان صلاة الإمام: متى تصح إمامة الإمام، ومتى لا تصح؟ الضابط في هذا: أن الإمام ما دامت صلاته صحيحة، فإنه يصلى خلفه إذا كان إمامًا ماذا؟ راتبًا. وإذا كانت صلاته غير صحيحة، ولا فتنة في ترك الصلاة خلفه: فيترك الصلاة خلفه، صلِّ في مسجد آخر. لكن إذا كان سيؤدي إلى فتنة: فهنا نقول: صلِّ خلفه وأعد الصلاة، صلِّ خلفه وأعد الصلاة، تدرأ المفسدة الكبرى بماذا؟ بالصورة. وسيأتي معنا الكلام على هذا وأدلته إن شاء الله تعالى. يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يتصدق على هذا؟» فأيهما يكون الإمام: المتأخر صاحب الفريضة أم المتنفل؟ سيأتي معنا: أنه الصحيح يجوز صلاة المفترض خلف المتنفل، والمتنفل خلف المفترض. ومن الذي يصلي: الأقرأ. كما قلنا: الأولى بالإمامة هيش؟ الأقرأ والأعلم والأديان، فمن كان أجمع للصفات صفات الإمامة، فهو الذي يقدم. طيب. يقول: هل يجوز بلع اللعاب أثناء الصلاة؟ الصحيح: أنه إذا كان بغير تكلف، فهذا جائز، بل مدافعته من التكلف، مدافعة اللعاب من التكلف، وتجميعه كذلك تكلف، فلا تجمع ولا تدافع. الأمر سهل، جاء شيء يصير ابلع عادي، لا تجمع، وكذلك لا تدافع، فتبالغ، فالأمر وصب والمشقة تجلب التيسير، ونهينا عن التكلف، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التكلف. نحو ذلك. طيب. ثلاث تنبيهات وباقي الأسئلة نتركها في درس لاحق إن شاء الله. التنبيه الأول: نبهنا أكثر من مرة على موضوع الزحام الشديد الموجود في المسجد والمدرسة، وأن الطلاب خصوصًا بعد فتح الدراسة لحلقات تحفيظ القرآن الكريم التي هي بمستويات، كما تقدم معنا: زاد عدد الطلاب، ولم نستطع أن نستوعب الكثير، ورددنا الكثير. وقد حاولنا حلولًا كثيرة، ولكن لا يزال الطلاب في ضيق، والمدرسون يشتاقون من هذا الضيق واستيعاب العدد، وكذلك إمكانية تعليم الطلاب مع هذا الزحام. فلذلك عزمنا إن شاء الله أننا نبدأ ببناء: يعني ما تيسر، السقف في السطوح هذا المسجد، وعمل السقف من الهنجر، ونتعاون بما تيسر، ولو استلفنا في البداية إلى أن يسر الله، حتى يكون تخفيفًا من هذا الضغط الموجود في المسجد. وأنتم ترون الضغط موجود، سواء في جهة قسم الرجال أو حتى في قسم النساء. وترون كذلك: أننا قد حاولنا أن يخفف هذا الضغط بالمساجد المجاورة، ومع ذلك لم يخف هذا الضغط من إقبال الناس. فلذلك أحث نفسي وأبائي وإخواني على أن نبذل في هذا الباب: كل من جهته، من استطاع بنفسه، أو كان دالًا على الخير. وكما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الدال على الخير كفاعله». «كفاعله». «ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». وتعليم القرآن والعلم من أعظم أبواب القربات، والمعين عليه له أجر مثله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فمن أعانى معلم ومتعلم القرآن: كان له مثل أجره. وفي حديث به ريرا في الصحيح: «إذا مات الإنسان قطع عمله إلا من ثلاث: ومنها صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وهذا من أعظم الصدقات الجارية. والعلم الذي ينتفع به: سواء علمه أو أعان على من يعلمه، فضلًا أن هذه المدرسة في بيت من بيوت الله، هذه المدرسة في بيت من بيوت الله. وفي حديث عثمان وغيره في فضل بناء المساجد والمشاركة فيها: «من بنى مسجدًا لله بنى الله له به بيتًا في الجنة». «ولو كانك مفحص قطاة»، يعني: ولو شارك في البناء بمثل بيضة القطاة. والقطاة: الصغير، الطير الذي هو أصغر من الحمام، يعني: ولو كانت المشاركة يسيرة، فإن الله يعطيه الأجر العظيم بأن يجعل له بيتًا في الجنة بمثل هذه المشاركة اليسيرة. والنبي صلى الله عليه وسلم حتى على الصدقة: «وأن لا يبخل، ولا يزهد الإنسان من المشاركة فيها ولو كان مثل شق تمرة»، يعني: نص تمرة، جزء من تمرة، لا تبخل على نفسك. «والمرء في ظل صدقته يوم القيامة». لذلك إن شاء الله سن