الدرس في كتاب الصلاة 18، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
استعرض الشيخ مسائل صلاة التطوع والرواتب، موضحًا أن النوافل تجبر الفريضة وأن الرواتب ثبتت بثلاث صور مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم. جميع هذه الكيفيات صحيحة وثابتة.
أوضح الشيخ أن صلاة الضحى سنة مؤكدة، وأقلها ركعتان وأكثرها اثنتا عشرة ركعة، وأفضل وقتها حين ترمض الفصال بعد ارتفاع الشمس. كان النبي يصليها أحيانًا ويتركها أحيانًا أخرى.
شرح الشيخ أن صلاة الليل تكون مثنى مثنى ويمكن أن يصلي أكثر من ركعتين، وقد ثبتت كيفيات مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يصليها في الثلث الأخير من الليل.
تناول المقطع توجيهات شرعية حول التعامل مع حالات خاصة في الصلاة والطهارة، مثل صلاة النافلة بطرق مختلفة وعدم ترك الصلاة بسبب التعب أو المرض، مع مراعاة الحالة النفسية والعقلية للأفراد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، طيب، مراجعة يسيرة قبل الشروع في المراجعة، تنبيه مر معنا في مراجعة الأمس ذكر مسألة التبسم في الصلاة، وكنت شاكًا في ثبوت لفظ التبسم في حديث الكسوف، وكان الأمر كما لم أظن، فقد توهمت أنه موجود في حديث الكسوف، ولكنه خطأ، والصواب أنه جاء خارج الصحيح من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث جابر بن سمرة، ومن حديث ابن عمر، جاء عن ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم، ولكن بأسانيد ضعيفة، وصح موقوفًا من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وجماعة، وهو فتوى جماعة من التابعين، واتباع التابعين، ولهذا نقل غير واحد من أهل العلم كابن المنذر وغيره أن الضحك بإجماع يبطل الصلاة، وأما التبسم، فأكثر أهل العلم على أنه لا يبطل الصلاة، ومنهم من يراه رواية مرفوعًا، وكما قلنا به ضعف، وفي تلك الأسانيد شيء من الشدة بالضعف، خصوصًا حديث جابر بن عبد الله؛ لأنه من رواية الوازع، فالوازع هذا يعني فيه ضعف شديد، جابر بن عبد الله، وكذلك في بعض أسانيده ما هو أشد من ذلك، وجاء من حديث عبد الرحمن بن سلمة كذلك، وحديث ابن عمر، فتوى وموقوف، لا بأس بالتبسم في الصلاة، وربما تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحتمل التحسين؛ لأن في سنده مجهول، ومن في حفظه شيء، فهو إن جاءت أسانيده أخرى يرتقي إلى الحسن، وقد رويت موقوفات كثيرة عن عدد من الصحابة، ما يدل أن هذا الحكم ثابت، ولا شك أن الأولى والأكمل أن الإنسان يتمالك نفسه، والخشوع، في الصلاة مطلوب، وهو من صفات المؤمنين. طيب، من المسائل التي مرت معنا في الدرس السابق في باب صلاة التطوع، قلنا أن العلماء يذكرون باب صلاة التطوع بعد الكلام على أحكام الصلاة، لماذا؟ لما جاء في حديث أبي هريرة وغيره في جبر الفريضة بالنافلة، فالنافلة تجبر الفريضة إذا كان فيها نقص، فإنه يؤخذ من نافلتها ليكمل ما حصل من تقصير فيها فريضتها، ولهذا من أول ما يذكر، والإشكال لماذا ينبه العلماء على مثل هذا في بعض شروحهم؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا لا تذكر الفرائض كلها ثم تذكر النوافل؟ الجواب الصحيح: أن نوافل كل صلاة تجبر فريضتها، نوافل كل صلاة تجبر فريضتها، فالصلوات الخمس الرواتب والنوافل قبلها وبعدها تجبرها، وهكذا كل صلاة نافلتها تجبرها، وفي الغالب ما تجد عبادة الصلاة أو غيرها إلا ولها نافلة، فنافلتها تجبرها، حتى العمرة والحج فريضتان، ومع ذلك جعل لهما نافلة، هي مرة في العمر، ولكن لها نافلة حتى تجبر تلك الفريضة، وكذلك لافتقار العباد إلى المصالح الكثيرة التي تؤثرها هذه العبادات والطاعات والقربات، في الدنيا والآخرة. طيب، من المسائل التي مرت معنا، ما ذكره رحمه الله تعالى في الرواتب، وعلمنا أن الرواتب على ثلاث صور رواية، فما هي هذه الصورة الثلاث؟ أحدها: فضل أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وركعتان بعد المغرب، وبعد العشاء كذلك ركعتان، وركعتان قبل الفجر، طيب، وبهذا تكون كم صلاة؟ أربع عشرة ركعة، وفي حديث حفصة اثنتا عشرة ركعة، ما هي؟ منها: أربع قبل الظهر، وركعتين بعدها، نعم، بعد المغرب، بعد العشاء، قبل الفجر، هذه اثنتا عشرة، أو عشر كما جاء بحديث ابن عمر، نعم، نعم، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وبعد المغرب، وبعد العشاء، وقبل الفجر، فهذه عشر ركعات، وكل هذه الكيفيات صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا، وفي حديث عائشة وحفصة ما يدل ويشعر أنه كان يفعل هذا كثيرًا، وفي حديث ابن عمر ما يدل كذلك أنه كان يفعل ذلك، ومر معنا من المسائل راتبة الجمعة، ما هي راتبة الجمعة؟ إن كان في المسجد فأربع، وإن كان في البيت فركعتين، نعم، أحسن، أحسنتم جميعًا، طيب، تقريبًا هذا الذي وقفنا عليه آخر شيء. طيب، قرأنا وأخرج نحوه مسلم في الصحيحة اليوم، طيب، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: وأخرج نحوه مسلم في الصحيح، وأحمد، والترمذي، وصححه من حديث عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها، وأخرج نحوه مسلم، وأهل السنن من حديث أم حبيبة، ولا ينافي هذا ما تقدم من الدليل الدال على مشروعية أربع قبل الظهر، وأربع بعده؛ لأن هذا زيادة مقبولة، وثبت بالصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل يشد تعاهده إلا ركعتي الفجر، وثبت بالصحيح مسلم وغيره من حديثها أن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها، وفيهما حديث كثيرة، وهاهنا ثلاث مسائل، المسألة الأولى: في الصفات التي رويت في الرواتب، وقد علمنا أنها رويت على هذه الكيفيات الثلاث: إما على أربع عشرة ركعة، وإما على اثنتي عشرة ركعة، وإما على عشر ركعات، وكله جائز، وفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ومن استطاع أن يفعل هذا وهذا وهذا أحيانًا، وأكمله الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وهناك نفل مطلق كما تقدم معنا فيما سبق، وسيأتي إن شاء الله كذلك، مر معنا في الدرس السابق، ونبهنا على هذا أن بعضها كان يصليها في البيت، وبعضها كان يصليها في المسجد، فمن استطاع أن يفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل الصحابة رضي الله عنهم اقتداءً واتباعًا به عليه الصلاة والسلام فليفعل، ولكن بما لا يعارض ما هو أفضل منه، مثلًا: المحافظة على الصف الأول، لا شك أنه مرغب فيه، فلا يكون صلاته في البيت على حساب تقوية هذا الفضل، فضلًا أن يكون قد يفوت صلاة الجماعة، وتكبيرة الإحرام فيها، فهاهنا يصلي النافلة في المسجد، ولو كان الأمر كذلك، والأمر الثاني الذي نبَّه عليه في هذا الكلام، ما أشار إليه رحمه الله تعالى أنه لا منافاة بين تلك الكيفيات الثلاث؛ لأن من ذكر الزيادة فعنده زيادة علم، وهي زيادة مقبولة لا تنافي الأقل، فالأكثر أثبت شيئًا زائدًا، فلا منافاة، وحديث ابن عمر رضي الله عنه فيه الأقل، وحديث عائشة وحفصة كما نرى فيهما: الأكثر، وهذا مع ما جاء بحديث عائشة، وحديث حفصة أنه كان يصلي الأربع في البيت، يدل أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي الأربع في البيت، وأحيانًا يصلي في المسجد ركعتين، فمعنى أن ابن عمر نقل ما يرى، وعائشة رضي الله عنها، وحفصة نقلتا ما رأتا، فلا منافاة حتى في هذا العدد، ولكن مع ذلك يقال: لا بأس أن يفعل هذا بحسب ما روي تارة هذا وتارة هذا، وإلا فلو صلى مثلًا في البيت ركعتين، ثم مشى إلى المسجد لأجل أن يبكر فصلى في المسجد ركعتين، صار صلى قبل الظهر كم؟ أربعًا، صلى قبل الظهر أربعًا، فإذا صلى في المسجد صلى كم؟ بعد الظهر صلى ركعتين، وإذا رجع إلى البيت وأراد أن يصلي صلى ركعتين أخرين، فصارت بعد الظهر كذلك كم؟ أربعًا، صارت بعد الظهر أربعًا، وهكذا كذلك قبل الظهر أربعًا، فإذا شغل ولم يصل في البيت، فقد صلى في المسجد كم؟ ركعتين، صلى في المسجد ركعتين، فتغني الركعتين، وهو أحد الكيفيات التي سبقت الإشارة إليه، ويؤكده فعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله في الركعات بعد الجمعة؛ فإنه إن كان في المسجد صلاها أربعًا، وإن كان في البيت صلاها ركعتين، فهذا على هذا النحو، والله تعالى أعلم. الأمر الثالث: أشار رحمه الله إلى فضل ركعتي الفجر، وذكر هذه الأحاديث، ومرت معنا بعض الأحاديث كذلك في جملة الحديث، عائشة وغيرها رضي الله عنهن وعن سائر الصحابة، ما يدل على أهمية هذه الصلاة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعها في حضر ولا في سفر، يعني يتعاهدها في الحضر والسفر، فصلاة ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر، وفيه مسألة أخرى: وهي أن بعض النوافل الأخرى ربما كانت تفوته، يعني ركعتي الفجر لا يكاد يتركها، ولا كذلك يؤخرها عن وقتها، وذلك أولًا لعظيم فضلها، وثانيًا لأنه غالبًا لا يوجد ما يشغله عنها؛ لأنه في وقت خاص، وقت قصوصية، وهو في بيته عند أهله، أما بقية الصلوات فهي ليست في الفضل أولًا مثلها، وثانيًا في الغالب أنها تكون في أوقات وهو خلطة بالناس، فقد يشغل عن بعضها أحيانًا، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنه ربما جاءه بعض الضيوف فشغلوه عن راتبة الظهر، أي البعدية، فيصليها إما بعد العصر، وإما قبل العصر، يعني ولو دخل وقت العصر، فكان يصليها عليه الصلاة والسلام، وفي هذا دليل على أن النوافل تقضى ولا تترك إذا فات وقتها، بل يصليها حتى ولو خرج وقتها، حتى صلاة الليل كما جاء في حديث عمر وغيره أن من فاتته صلاة النهار شفعًا صلاها من النهار شفعًا. طيب، إذا نسي أن يصليها في النهار، فتذكر ثاني يوم في الليل، ماذا يصليها شفعًا أو وترًا؟ الصحيح: يصليها شفعًا؛ لأنه لا وتر في الليل، فيصلي ما فاته في الليل السابق، ومن نام عن صلاة ونسيها في وقتها إذا ذكرها ويصلي معها أو قبلها أو بعدها على المتيسر له صلاة تلك الليلة، لكن لا يوتِر إلا بالنسبة للليلة الحاضرة، والليلة الماضية يصلي صلاتها شفعًا، لا وترًا. قال رحمه الله تعالى: وأما صلاة الضحى، فالأحاديث فيها متواترة عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وأقلها ركعتان كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بالصحيحين وغيرهما، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة كما دلت على ذلك الأدلة، صلاة الضحى كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها تارة وطورًا، حتى ربما صلى حتى يقول: لا يدعها، ويدعها حتى يقول: لا يصليها، ولكن الغالب العام من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصليها تارة وتارة، وبجمع الأدلة الواردة يعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يحافظ عليها أو لا يكاد يتركها، لكن لم يكن يصليها في وقت واحد، فأحيانًا يصليها في أول النهار، وأحيانًا يصليها في وسط النهار، وأحيانًا يصليها في آخر النهار، وكله قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث، فمن استطاع أن يحافظ عليها اقتداءً واتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه القولية والفعلية فليفعل ذلك، وأفضلها إذا صلاها في أول النهار أن يصلي أربعًا؛ كما جاء وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من صلى أربعًا كانت له حرزًا من النار، سببًا لدخول الجنة، وإن كان في المسجد وقعد حتى تشرق الشمس وترتفع ويخرج وقت الكراهة فهو أفضل، وكونه يصليها بعد ارتفاع بعد صلاة الفجر هذا أفضل وأكمل، وقد جاءت أحاديث يحسنها بعض أهل العلم أن فيها أجرًا كأجر عمرة تامة تامة، وهذا لمن تيسر له ذلك، وهذا من هيئات وكيفيات صلاة هذه الصلاة، والصحيح أنها من صلاة الضحى، وليست صلاة الإشراق، فليست هناك صلاة تسمى صلاة الإشراق، وما اشتهر على ألسنة بعض الناس أنها صلاة الإشراق فهذا خطأ، بل هي من صلاة الضحى، فأول وقتها بعد ارتفاع الشمس وخروج وقت الكراهة، وهذا الوقت هو الأفضل، وكذلك من وقتها الأفضل أو الفاضل أن يصليها حين ترمض الفصال، يعني حين يشتد الحر، وقبل أن يدخل وقت الكراهة، حين يشتد الحر فترمض الفصال، يعني تبحث صغار الإبل عن الضل، تستضل به، يعني الحر يكون شديد عليها، بخلاف الكبار، كبار الإبل ما يضرها الحر، أما الصغار فإنها تبحث عن الضل حتى أنك ترى مناظر عجيبة في الصحراء إذا لم يكن هناك شجر ولا ظل، فصغار الإبل تدخل تحت أمها، تدخل في ظل الأم تحتها ترمض حتى يخف حرارة الشمس، وبعد ذلك تخرج تخرج من تحت أمهاتها، وهكذا كذلك هذه الصلاة تصلى كما ذكر رحمه الله على هذه الركعات، أقلها أن يصليها ركعتين، وأكثرها اثنتي عشرة ركعة، واختلف أهل العلم: هل أكثرها على هذا العدد أم ثمان ركعات؟ وأكثر أهل العلم على أنها ثمان ركعات، على أنها ثمان ركعات، وهذا أكثر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته الضحى، وقد صلى كذلك في يوم الفتح، وما جاء أنها ثماني عشرة ركعة، قال بعض العلماء: لعلها كانت لقضاء الوتر، ولم يثبت من قوله ومن فعله مثل ذلك، يعني أنها تلحق بصلاة الضحى، تلحق بصلاة الضحى، والأمر واسع، فقد صح صلاته في هذا الوقت بهذا العدد، ولكن يعني في كونه من الضحى شيء، وأشار في التعليق إلى ضعف الرواية والكلام عليها، وأنه كذلك قد انتقده بعض أهل العلم، وهذا يرجح ما ذكر سابقًا من أن الأولى أن تصلى أربعًا، أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني ثمانًا. قال رحمه الله: وأما صلاة الليل، فليس فيها حديث صحيح متواتر، لا يتسع المقام لبسطها، وأكثرها ثلاث عشرة ركعة، وهذا ما جاء في حديث ابن عباس كما في الصحيحين، وجاء معناه كما جاء في التعليق عن زيد بن ثابت، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، والغالب لعن من فعله عليه الصلاة والسلام إحدى عشرة ركعة، وفي حديث ابن عباس ما يدل أنه يصليها ثلاث عشرة ركعة، بصلاة ركعتين خفيفتين يستفتح بهما الصلاة، كما جاء بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الرجل إذا قام من نومه يستحب أن يصلي ركعتين خفيفتين حتى تنفك العقد كلها، فيدخل إلى الصلاة بنشاط، يدخل إلى الصلاة بنشاط، فمن أراد أن يصلي صلاة الليل بعد نوم، فيستحب بعد نومه أن يستفتح الصلاة بركعتين خفيفتين، كما جاء بحديث أبي هريرة، وهاتان الركعتان الخفيفتان تكونان دون صلاة الليل، فيكون على هذا صلاة الليل كم؟ إحدى عشرة، وهاتان تكمل لها، وعلى هذا يجمع بين الروايات، فقول عائشة: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، لا ينافي حديث ابن عباس، وحديث زيد بن ثابت؛ لأن حديثها وحديث ابن عباس، وزيد بن ثابت محمول أنهما ركعتان خفيفتان لمن استيقظ من نومه، من استيقظ من نومه يستحب له أن يصلي ركعتين خفيفتين لينشط، وتنفك عنه العقد، وينشط بالصلاة، فتكون الصلاة إحدى عشرة ركعة كما جاء بحديث عائشة، وهذا الغالب العام من فعله عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: يوتِر في آخرها بركعة، إما منفردة أو منظمة إلى شفع قبلها، وقد روي أنه ختم بركعة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع، فأكثر ما روي تسع، وأقل ما روي ركعة، وأفضل صلاة الليل ركعتين ركعتين، كما جاء بحديث عمر وغيره، صلاة الليل مثنى مثنى، يعني ركعتين ركعتين، يعني هذا الأصل، ولا ينافي أنه أحيانًا يصلي أكثر من ركعتين فيجمعها، فقد جاء بحديث عائشة وغيرها أنه صلى أربعًا، قالت: لا تسأل عن حسنه، وهكذا صلى أربعًا ثم أوتر بثلاث، وصح أنه أوتر كما قلنا بتسع، وبسبع، وبخمس، وبثلاث، وبركعة، فكلها كيفيات صحيحة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ألف غير واحد من أهل العلم في صلاة الليل كتبًا ورسائل، فالإمام المروزي رحمه الله تعالى له كتاب عظيم في صلاة الليل، وأحكامه ومسائله، والآثار المروية فيه، وهكذا كذلك قبله وبعده ألف العلماء في صلاة الليل كتبًا، إما من ضمن كتب الحديث، وإما منفردة، وللشيخ الألباني رحمه الله رسالتان لطيفتان مختصرتان ومتوسطة في صلاة الليل وقيام الليل، فيها فوائد نافعة، فينبغي لطالب العلم أن يستفيد منها، خصوصًا أنه اعتنى بمسائلها حديثيًّا وفقهيًّا، رحمه الله رحمة واسعة. قال رحمه الله تعالى: وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل على أنحاء مختلفة، وتارة يصلي ركعتين ركعتين ثم يؤتر بركعة، وتارة يصلي أربعًا أربعًا، وتارة يجمع بين زيادة على الأربع، وذلك كلها سنة ثابتة، والضابط بهذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأصل أننا نقتدى به عليه الصلاة والسلام في الكيفيات التي رويت عنه عليه الصلاة والسلام، وجاء عن عائشة رضي الله عنها هذا بالنسبة لكيفياتها، وبالنسبة لعددها، وبقية، وبالنسبة لزمنها، الغالب العام من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصليها من آخر الليل، فكان يصليها عليه الصلاة والسلام غالبًا في الثلث الأخير من الليل، وقد أوصى بذلك عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله، وهذا كان غالب فعله عليه الصلاة والسلام كما تدل عليه عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة، ففي حديث عائشة، وحفصة، وكذلك ابن عباس، وجماعة أنه كان ينام أول الليل ثم يقوم آخره، وأحيانًا يقوم وسطه فيصلي، وإذا قام وسط الليل فإنه كان ينام سدسه، كما أوصى في حديث عبد الله بن عمر أن ينام نصف الليل ثم يقوم ثلثه ثم ينام سدسه، وبهذا يكون قد قام كم؟ ثلث الليل، قام ثلث الليل، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بحديث عبد الله بن عمر أن هذا هدي صلاة نبي الله داود، وكان أعبد الناس عليه الصلاة والسلام، بل سأل عبد الله بن عمر شيئًا أفضل من ذلك، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا أفضل من ذلك، وهذا هو الغالب العام أنه يصلي بمقدار ثلث الليل، وأحيانًا قد يصلي أقل، وأحيانًا قد يصلي أكثر، وقد ثبت أنه قام ليلة كاملة بآية واحدة يرددها في كل ليلته عليه الصلاة والسلام، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَ﴾، وهكذا كذلك ثبت أنه صلى مرة في ركعة واحدة بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة، فضلًا عن بقية الركعات، وهذا يدل أنه كان أحيانًا يصلي بأكثر من ثلث الليل، ومعناه: وهذا الذي يفهم أن المسلم ينبغي، وحامل القرآن خصوصًا أن يعمر ليله بصلاة الليل ومراجعة القرآن، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، والصحابة رضي الله عنهم، وكان يحث الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، وتقدم معنا حث النبي صلى الله عليه وسلم أهل القرآن على صلاة الليل وعلى الوتر، وأنه الأفضل أن يصلي ثلث الليل، وثلث الليل يقسم بعضهم قال: من غروب الشمس، ويقسم الليل ثلاثة أثلاث، ثلثه هو ثلث هذا الوقت، وبعضهم قال: ثلث الليل من حين وقت النوم، من حين وقت النوم، والقولان مشهوران، هذه هي أشهر الأقوال، والأمر واسع، وهذا مما يسع فيه الخلاف، فمن استطاع أن يفعل الأول أو الثاني فلا حرج، فالإنسان يفعل استطاعته ونشاطه، المهم يحرص على الثلث، سواء ثلث كل الليل أو ثلث الليل من حين أن ينام إلى وقت الفجر، مثلًا: نام الساعة العاشرة، والفجر الساعة الرابعة، صار الليل عنده كم ساعة؟ ست ساعات، إذن ينام ثلاث ساعات، ويقوم في وسط الليل، ويصلي كم؟ ساعتين، ثم ينام ساعة حتى يقوم لصلاة الفجر نشيطًا، وهذه أحد كيفيات صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ينام أربع ساعات، ويقوم قبل الفجر بساعتين، ويقوم قبل الفجر بساعتين، فيكون هذا بلوغ الثلث، فيصلي حتى يؤذن مؤذن الفجر، وهو في هذا الوقت الفضيل العظيم، يناجي ربه سبحانه وتعالى، بين الصلاة والدعاء، وهي أشرف أفضل الأوقات، كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره أن ينزل الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا، ويقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الحديث، وهذه فضيلة عظيمة، لا ينبغي لمسلم، فضلًا عن طالب علم، أو حامل للقرآن أن يفوته هذا، وقد كان بعض السلف يتعجبون أن يكون مسلم، فضلًا عن حافظ القرآن، يفوته هذا الفضل في هذا الوقت الفاضل، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هذا وهذا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا استطاع الإنسان كما قلنا يحافظ على هذا الوقت، وهو الثلث الأخير، فعل، وإن وجد نشاطًا صلى أكثر، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، وكما قالت عائشة رضي الله عنها: كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وأحيانًا يصلي ليلًا طويلًا قاعدًا، وجاء في بعض الروايات أنه كان في آخر عمره حين أخذته اللحمة، كبر سنه، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته ظهر عليه آثار الثقل، فلذلك كان يصلي أحيانًا النوافل قاعدًا، بدلًا من أن كان يصليها قائمًا، ومن ذلك صلاة الليل، أحيانًا كان يصليها قاعدًا، وهكذا المسلم اليوم الذي تشعر فيه بالبعض، بدلًا من أن يترك الصلاة بالكلية، صلى قاعدًا، وصلاة القاعد كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث على نصف أجر صلاة القائم، كونك تجد نصف أجر، يعني هذا في النافلة طبعًا، أما الفريضة فحديث أبي موسى: يكتب للرجل ما كان يعمل من الطاعات والعبادات، كما جاء معناه صحيحًا مقيمًا، فمعناه: إذا مرض وصلى قاعدًا، فيكتب له أجر القائم، يكتب له أجر القائم، لكن إذا كان يستطيع، لكن ما قعد وخشي أن يفوته الفضل، فكونه يصلي قاعدًا أفضل من أن يترك الصلاة، أفضل من أن يترك الصلاة، فإذا فتر المسلم، حتى طالب العلم، وشعر بثقل لإعياء أو شيء من التعب أو المرض أو نحو ذلك، فلا يترك الصلاة، فليصل ولو قاعدًا حتى لا يفوته هذا الفضل، وهذا الوقت الفاضل، وقد صح كما ذكر معنا في حديث عائشة. قال رحمه الله تعالى: ثم يوتر بركعة، وتارة يصلي أربعًا أربعًا، وتارة يجمع بين زيادة على الأربع، وذلك كله سنة ثابتة، وقد تقدمت معنا بعض الكيفيات، والعبرة بما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، مع التنبيه، وهذا التنبيه المهم، لابد أن يراعيه طلبة العلم، وأئمة المساجد، أنه ينبغي أن نحدث الناس بما نعرف، كما جاء أن عليًا ومسعودًا حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة، بعض مساجد العوام ما تعودوا إلا ركعتين ركعتين، فإذا أتيت وصلت بهم أربعًا، كان لهم فتنة، وربما سببت زوبعة وخروج بعض الناس من الصلاة، ونحو ذلك، لابد أن نراعي مثل هذه الأمور، قد يقول قائل: متى يتعلم الناس السنة؟ الجواب: علمهم السنة أولًا، وحببهم إليها، حتى هم يطالبوك بها، هم سيطالبونك إذا أنت بثث العلم، وعلمت الناس العلم، سيقول لك الناس: متى سنطبق هذه السنة؟ عند ذلك أنت ستطبق السنة، والناس في رغبة وفي حب، أما تأتي لهم بالغرائب، وهم ما عرفوا السنة، ولا كذلك سمعوا هذه الأحاديث، فيكون لهم فتنة، وسبب لحصول الفوضى في المساجد، وهذا خطأ، فلابد أن يراعى مثل هذه الأمور. قال رحمه الله تعالى: وأما مشروعية تحية المسجد... نترك هذا إن شاء الله في الدرس اللاحق، ما إن شاء الله بقي والوقت قد انتهى إلى هنا إن شاء الله. يقول السائل: أحسن الله إليك، وأنت كذلك، كيف الجمع بين الكيفيات في صلاة نافلة الظهر التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أربعًا قبل الظهر وبعدها، وبين حديث: «من صلى ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتًا في الجنة»؟ كما تقدم معنا أنه لا منافاة إذا فعل هذا، أكثر يعني أفضل الكيفيات هو هذا الحديث، أفضلها هذا الحديث، وإذا صلى أحيانًا بما في حديث ابن عمر فلا منافاة، ولكن يحرص أكثر شيء على هذا الحديث، وإذا زاد أحيانًا فلا منافاة، ولا حرج، والزيادة لا تنافي الأقل. يقول السائل: بارك الله فيك، وأنت بارك الله فيك، هل الدم نجس؟ وكذلك المدين الذي يخرج بعد البول؟ تقدم الكلام على هذا في كتابه: الطهارة، وعلمنا أن المسألة فيها خلاف، والصحيح: التفصيل بين دم ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه، وأن دم الإنسان الصحيح كذلك فيه عدم النجاسة؛ لعدم وجود حديث أو دليل صحيح صريح يدل على ذلك، بل دلت الأدلة على خلاف هذا. تقول السائلة: زوجي أعمى، ولا يعقل لكبر سنه، فأقوم أنا بتغسيله وتنظيفه من النجاسات، وربما خلع الملابس التي عليه، فهل علي محذور شرعي بهذا؟ مع العلم أن ولده الذي هو أبو أولادي إذا قام بذلك يضربه ويعنفه، من الذي يضرب؟ من هكذا؟ حسبنا الله ونعم الوكيل، يقول: فأرجو الإفادة في هذا؛ لكوني متحرجة أن أكون واقعة في مخالفة. ينبغي أن ينصح هذا الابن أن يقوم هو بهذا الواجب، وأن يصبر نفسه على هذا، فإن كان عاجزًا ولم يستطع القيام بهذا ولم يستجب، فهي تؤدي هذا الواجب بحسب الاستطاعة، طبعًا إذا ما وجد غيرها من الرجال، وكان الأمر بين أمرين: إما أن يبقى الرجل على نجاسته، فهنا تجتهد بفعل ما يطهره، بما يخفف الشر، فمثلًا: تستخدم الحفائض إذا كان في مجال استخدام الحفائض، الحفائض الكبار، حتى تكون التنجية يعني أخف وأقل، وكذلك تعمل التنجية من خلف ستار، مثلًا: إذا في أحد من أولادها سيساعدها، يستر الأب بشيء من سترة، وتنظف من تحت السترة، لا تكشف العورة، تحاول قدر المستطاع، فاتق الله ما استطعتم، وكذلك بالنسبة للأوقات، المهم تجتهد تخفف الشر قدر المستطاع، ومدام أنه لا يعقل، فلا صلاة عليه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لها الأجر، ونعينها وإياها، وتجتهد أن كذلك تنصح هذا الابن، ونسأل الله لنا وله الهداية. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله، صلى الله وسلم.