الدرس في كتاب الصلاة 19، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع مشروعية تحية المسجد وأدلتها من السنة النبوية، واختلاف العلماء في وجوبها أو استحبابها. يُذكر حديث أنس بن مالك وأحاديث أخرى في هذا السياق.
يُناقش المقطع أهمية صلاة النافلة في البيت وفضلها، وفضل الدعاء بين الأذان والإقامة، ويُشير إلى أن صلاة النافلة في مكان خفي تعدل صلاة الجماعة بخمس وعشرين درجة.
يتناول المقطع فضل صلاة الليل وكيفيتها، ويشرح أهمية إيقاظ الأهل للصلاة، ويجيب على أسئلة حول صلاة الاستخارة يوميًا، والجلوس في المسجد، وصلاة التراويح، وتسليمة واحدة في الصلاة.
صلاة الليل توفر فرصة مثالية لمراجعة القرآن بتركيز وبدون انشغال، وتجعل المراجعة ممتعة وميسرة. يمكن خلالها قراءة كميات كبيرة من القرآن دون تعب أو ملل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي مجموعة من المسائل المتعلقة بصلاة التطوع، ومن ذلك ما مر معنا من كلام المؤلف رحمه الله على مشروعية ركعتي الفجر، وعلمنا فضلها. من يذكر شيئًا من فضلها؟ حديث: «نعم، ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». وكذلك حديث آخر: «نعم، كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركها في سفر ولا حضر». ومر معنا من المسائل ما ذكره رحمه الله من فضل صلاة الضحى، وعلمنا أن أقل صلاة الضحى كم؟ نعم، وأكثرها كما ذكر: «كم؟ ما في وتر في النهار». خذوها قاعدة: لا يوجد وتر في النهار، الوتر فقط في الليل، فبهذا لا يقع الخطأ ولا يتكرر. أكثرها ثمان، وجاء: «اثنتا عشرة ركعة». وبعضهم قال: «إنها صلاة الليل». قضاء صلاة الليل. نعم، وأفضل أوقاتها: «ترمض الفصال»، وهي صلاة الأوابين، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك في أول النهار أربع ركعات لمن تيسر، أو من جلس في المسجد. «فعلى تحسين الحديث: عمرة تامة تامة تامة». تقدم هذا. طيب، صلاة الليل علمنا أنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بكيفيات، فأقلها كم؟ ها، ثلاث ركعات. الركعة هذه ضرورة. ها، الصحيح أن الركعة لا تفرد إلا إذا خشي الفجر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن خشي أحدكم الفجر فليوتر بركعة». معناه: ليس ابتداءًا يصلي ركعة واحدة. ليس ابتداءًا يصلي ركعة واحدة. فأقلها ثلاث، وأكثرها فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة عشر ركعة». طيب، والصحيح أن أكثرها كم؟ أحد عشر ركعة. والركعتان ما هما؟ أفجر. نعم، افتتاح افتتاح الصلاة لمن قام من النوم، لحديث ابن عباس: «فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام من النوم افتتح بركعتين خفيفتين». وحديث أبي هريرة كذلك، من قوله عليه الصلاة والسلام: «فيمن استيقظ من نومه يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين». فهذا يفسر ما جاء بحديث عائشة، وأنه لا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها بالصحيحين: «ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا غير على إحدى عشرة ركعة». نعم، فإذن أقلها ثلاث، وأكثرها إحدى عشرة. وإذا قام من نوم فيستفتح بركعتين. وإذا خشي الفجر فليوتر بركعة. يوتر بركعة إذا خشي الفجر. نعم، وعلمنا أن لها كيفيات تصلى. كيفيات، مثل: مثل يوتر بثلاثة، أو يوتر بواحدة، عديد بن عمر، أو يوتر بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع. فهذه كيفيات كلها صحيحة. فكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فهو الأولى. طيب، هنا تأتي مسألة يكثر السؤال عنها، وهي: إذا ذهبت في مسجد يصلون أكثر من إحدى عشرة ركعة، مثلا ذهبت الحرم فيصلون أكثر من إحدى عشرة ركعة كما كان في السنوات الماضية، فكيف يصلي معهم؟ أم لا يصلي؟ من أهل العلم من يرى أنه يصلي معهم لعديم الفضل في رمضان، وصلاة الليل خصوصا. وما زاد عن إحدى عشرة فهو من النفل. ومن أهل العلم من قال: «يقتصر على إحدى عشرة ركعة». والأمر في هذا واسع، ولا ينبغي أن يكون الخلاف سببًا للإشقاط. وإن كان الأفضل والأكمل أن لا يختلف المسلمون، وأن يصلوا تحت إمام واحد لمن تيسر له ذلك، ولم يشق عليه. كون الناس يجتمعون تحت إمام واحد. وما ظلت كذلك ما يقرره ولي الأمر، هذا هو الأولى والأحرى. والله أعلم. ومن كان له رأي آخر فلا حرج يخرج، لكن بدون تشويش، بدون تشويش، بدون نزاعات وصراعات في مسائل يسع فيها الخلاف. وإن كان الراجح كما قلنا: أن الصلاة كم؟ إحدى عشرة ركعة. لكن إذا قد قرر ولي الأمر شيء فلا حاجة للنزاع. إن أردت أن تصلي صلي، وإن لم ترد فانصرف. والأمر سهل. الله أعلم. طيب، اليوم: مشروعية تحية المسجد. طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وأما مشروعية تحية المسجد فلحديثي: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». أخرجه الجماعة من حديث أنس بن مالك. وفي ذلك أحاديث كثيرة، من أحاديث جابر عند البخاري. ولما ذكر هذه الصلوات وكلها من التطوع، ذكر تحية المسجد. وإن كان بعض أهل العلم يرى أنه واجب كما سيأتي، إلا أنه ذكرها وأشار إلى حديث أنس بن مالك، وحديث جابر كذلك. فلفظه في مسلم: «في قصة الرجل الذي دخل فجلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصليت؟ قال: لا. فقال: قم فاركع ركعتين وتجوز بهما». وأصله كذلك البخاري. قال رحمه الله: «وقد وقع الاتفاق على مشروعية تحية المسجد». وذهب أهل الظاهر إلى أنهما واجبتان. وذلك غير بعيد. وقد حققت المقام في شرح المنتقى، وفي رسالة مستقلة. قولوا: وذهب أهل الظاهر -يعني كثير منهم- وليس جميع أهل الظاهر يقولون بالوجوب. فابن حزم أحد أئمة أهل الظاهر لا يرى الوجوب. لا يقول بالوجوب. وكذلك قوله: «وذلك غير بعيد»، للحديثين السابقين. والمسألة فيها خلاف. والأمر السهل، هذا مما يسع به الخلاف. ظاهر الأحاديث القول بالوجوب. وهو كما قال رحمه الله: القول بالوجوب ليس ببعيد. ولذلك لا ينبغي لمسلم أن يتساهل فيها إلا لسبب، مثل: أن يأتي في وقت كراهة، محرمة، فيتأخر. أو كان خطيبًا، فالخطيب استثنى لهذا الذين قالوا بالاستحباب. نظروا إلى بعض الأدلة، واستدلوا بها: «وأنها صلوات». بهذا الوجوب إلى الاستحباب. وبعض هذه الأدلة عند التأمل: إما أنها صريحة، لكنها ليست صحيحة. وإما أنها صحيحة، لكنها ليست صريحة. فمن: الصحيح ليس بصريح حديث الثلاثة الذين دخلوا المسجد، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بصلاة تحية المسجد. مع أن القاعدة عند الأصوليين: عدم النقل ليس نقلًا للعدم. عدم النقل ليس نقلًا للعدم. كونه لم ينقل أنهم صلوا ركعتين لا يعني أنهم ماذا؟ لم يصلوا. فقد يكون أنهم صلوا. ولذلك تركهم. بل يؤيد هذا حديث جابر المتقدم: «لما قعد الرجل وفي أثناء خطبة جمعة ولم يصلي، قال: أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصلي ركعتين وتجوز فيهما». فعلم أن هذا يؤيد ويؤكد أنه لو رأى الجماعة لم يصلوا لأمرهم، كما أمر ذلكم الرجل. وكونه قطع الخطبة بمثل هذا. استانس العلماء بمثل هذا على القول بالوجوب. ومن ذلك: جلوسه في الخطبة. فجلوسه في الخطبة عليه الصلاة والسلام لا يعني أن تحية المسجد ليست واجبة. بل الصحيح أن هذا مما يستثنى للخطيب. ومن كان بمعناه ممن تأخره عن الناس يشغلهم ويشغله، فيشرع في الخطبة يشرع في الخطبة. وكذلك: خمس صلوات، ونحوه من الأحاديث. ليست صريحة. وبعض مستدل بآثار، فيما روى سعيد بن منصور وغيره عن جماعة من الصحابة: «أنهم كانوا يدخلون المسجد ولا يصلون». وهذا فيه ضعف، لأنه من رواية شام من عمار، مختلف فيه. ثم قد روي عن بعض الصحابة غير ذلك. والخلاصة يقال: هي سنة مؤكدة قريبة من الوجوب. فالأحوط: لا يتركها الإنسان إلا لما ثبت في الشرع تركها لمثله. من ذلك: أنه إذا جاء وقت النهي المحرم، عند الغروب والشروق، فلا يجلس ولا يصلي حتى تغرب الشمس أو تشرق. وهو قدر ثلاث دقائق أو خمس دقائق. ليس شيء كثير. قال رحمه الله تعالى: «وأما مشروعية صلاة الاستخارة ففيها أحاديث كثيرة، منها حديث جابر عند البخاري وغيره: «بلغني كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن». يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في دين ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في دين ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرف عني، واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به». قال: «يسمي حاجته». وهذا حديث عظيم. من تأمل وتدبره علم عظمة هذا الدين، وعناية ورعايته بالمسلم. وكيف أنه ما فرط من أمر المسلم من شيء، حتى في الأمور التي تمر به فتشكل عليه، فإن الإسلام جعل له أدبًا، ودعاء. بل دعاء عظيم. من تأمل وتدبر ألفاظه علم أنه وحي من الله سبحانه وتعالى. ليس مثل هذا يأتي به البشر. وليس مثل هذه الرعاية والكلاءة والعناية تكون من اختلاق واصطناع البشر. بل هذا يدل على عظمة هذا الدين، وعظمة من أرسله إلى الخلق، وأرشد الخلق إليه. فهذه الرعاية والكلاءة العظيمة تدل على عظمة الرب الذي أرسل للناس بهذا الدين العظيم. فهذا الدعاء كما تأملنا ورأينا: دعاء عظيم شرعه الله سبحانه وتعالى بما أوحى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوله المسلم فيما إذا أشكل عليه شيء يقدم أو يحجم. ومعنى الاستخارة: أنك تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى بأن يلهمك رشدك فيما أشكل عليه. والاستخارة ليس معناها: أنك تختار. بل قد يكون لك اختيار، فيجعل الله لك فيه الخير والبركة. فأنت حين تستخير الله سبحانه وتعالى تسأل الله أولًا أن يسهل لك أسباب ما فيه الخير، فيقدره لك كما هو في الدعاء. وإن كان ليس كذلك أن يصرفه عنك. وثانيًا: أنه إذا أقدرت عليه زادك بأن أرضاك به وبارك لك فيه، وصرف عنك به كل سوء ومكروه. فكل الأمرين يطلبه المستخير في هذه الاستخارة. واستفتاح استخارة بهذه الأدعية العظيمة بأن يلتجئ إلى الله ويعترف بعلمه وجهله، علم الرب وجهل العبد. وقدرة الرب وعجز العبد. وهكذا أول الدعاء فيه هذه المعاني العظيمة. وفيه كذلك: تعليم للعبد كيف يلتجئ إلى الله في الدعاء. فكلما اختقر العبد إلى الله استجاب الله عز وجل دعاء. وهو سبحانه وتعالى الغني. فينبغي أن يستفيد المسلم من مثل هذه الأدعية من ألفاظها ومعانيها ما يدعو بها أو بمثلها ومعناها، ولو في غير هذا الدعاء. يعني: أنت تستفيد من هذه الألفاظ في أدعيتك تفتقر إلى الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «اللهم إني أعتلك هذه العصابة لا تعبث بهذه الأرض». ونحوه من الأدعية. معناه: أن الإنسان يفتقر إلى الله: «أنه ضعيف ولا ناصر له إلا هو، وأنه فقير لا مغني له إلا هو سبحانه». وهكذا. وقوله رحمه الله: «ففيه أحاديث كثيرة». يريد: أحاديث كثيرة في أصل الاستخارة. أما الدعاء فلم يرد إلا هذا الحديث الذي أشار إليه رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: «وأما مشروعية الركعتين بين كل أذان وإقامة فلحديث: بين كل أذانين صلاة». قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال: «لمن شاء». وهو حديث صحيح. وكما أشار هو بالصحيحين من حديث أبي هريرة. وقال: هو المراد بالأذانين الأذان والإقامة تغليبًا، كالقمرين والعمرين. والمعنى: بين كل أذان وإقامة صلاة. هل هي صلاة الراتبة؟ الصحيح: أنها شيء زائد عن الراتبة. فإذا أحب الإنسان أن يتنفل بنفل مطلق فله أن يتنفل بنفل المطلق. وأفضله بين الأذان والإقامة. ومن أهل العلم من قال: «المراد بالصلاة انتظار الصلاة، وعمل عمل صالح فيه». فلا يزال العبد في صلاة من انتظر الصلاة. ويؤيده ما جاء في عدة أحاديث، منها: في الدعاء في آخر ساعة يوم الجمعة، قال: «وهو قائم يصلي». فسأل الرجل الصحابي: «كيف؟ وهي وقت كراهة». فأخبره وأرشده لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال العبد في صلاة من انتظر الصلاة». فإذا كان في المسجد ينتظر الصلاة فهو كأنه يصلي. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم على فضيلة الدعاء بين الأذان والإقامة، فهو من مواضع إجابة الدعاء. فإذا صلى الإنسان راتبته أو نافلته، فينبغي أن لا يفرط في هذا الوقت الفاضل في الدعاء. فإذا صار يدعو الله فهو في صلاة من انتظر الصلاة. فهو في صلاة من انتظر الصلاة. ويؤيده الحديث الآخر: حديث أبي هريرة كما تقدم، وغيره في الدعاء في آخر ساعة. وهكذا أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى. وأفضل الصلاة: أن يصلي الرجل أي النافلة في بيته، كما تقدم معنا. وجاءت به أحاديث كثيرة: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تجعل وتشبه البيوت بالمقابر والقبور». فأمر أن يصلي المرء صلاته في بيته إلا المكتوبة. إلا المكتوبة. وجاءت فيه عدة أحاديث. وإذا صلى نفلًا مطلقًا أو تطوعًا فخير له أن يصلي في مكان لا يراه أحد، كما جاء عند البيهقي بإسناد صحيح من حديث صهيب رضي الله عنه وارضاه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الرجل تطوعًا حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس خمسًا وعشرين درجة». خمسًا وعشرين درجة. انظر: صلاة الفذ، صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بكم؟ بخمس وعشرين درجة. صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ في ماذا؟ في المكتوبة بخمس وعشرين درجة. بينما صلاة النافلة حيث يختفي الإنسان عن الناس فيصلي وحده تعدل على صلاة أمام الناس بكم؟ بخمس وعشرين درجة كذلك. وهذا يدل على فضيلة هذه الصلاة. ولما في هذه الصلاة كذلك إذا كانت كذلك من حسن المناجاة بين العبد وربه وخالقه سبحانه وتعالى، والانكسار بين يديه. فيجد للصلاة لذة لا يجدها إذا صلى أمام الناس. ثم هو بعيد عن العجب، الرياء، وغيرها من المعاني الأخرى التي قد ترد إلى قلبه. أما إذا كان وحده لا يراه إلا الله سبحانه وتعالى، فإنه يكون له فيه فضل. ولا ينافي ذلك ما جاءت في الأحاديث الأخرى في فضيلة أن يوقظ الرجل أهل بيته. فهنا نأتي لقاعدة أخرى. والشرع مليء بالقواعد التي فيها إيش؟ تغليب الوصول إلى الدرجة أو المصلحة العليا عما دونها. فلما كان صلاة الرجل مع أهله في الغالب لا يحصل فيها الرياء والعجب. وفيها كذلك إعانة لإصلاح أهله، وصلاح أهله صلاح لأسرته. فجاء الشرع بالحث على إيقاظ الرجل أهله في صلاة الليل. فجاءت عدة أحاديث في فضل ذلك. فمن ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرأ قام من الليل ثم أيقظ أهله، فإن أبت وإلا نفت عليها الماء». وهكذا كذلك جاءت أحاديث أخرى في فضيلة صلاة الرجل بأهله ليلًا. وكل هذا لا ينافي ما ورد في هذا الحديث. لأن فيه تغليب مصلحة متعدية لا تدخل فيها المفسدة غالبًا. يعني: الغالب الإنسان ما يرائي مع أهل بيته، ولا يدخل الشيطان عليه في الرياء مع أهل بيته. بخلاف الغرباء، فإن الشيطان قد يدخل عليه. فلهذا قلع غلب مثل هذا الباب. هذا خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله من أنواع الصلوات التي فيها معنى التطوع. وهناك أشياء أخرى، لكن هذا بحسب ما ذكره المؤلف رحمه الله مختصرًا بهذا المختصر. طيب، نكتفي بهذا القدر. والله تعالى أعلم. يقول السائل: هل يشرع للمسلم أن يصلي صلاة الاستخارة بشكل يومي عند ذهاب إلى العمل، ويكون باستخارة دعاء شامل في كل عمله الذي يواجه يوميًا؟ لا، لا يشرع. إلا إذا نابه شيء. أما هكذا يوميًا لم يكن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته. وربما فتح على صاحبه شيء من الوسواس، فتصير حياته كلها شكوك. حياته كلها شكوك وأوهام. وهذا خطأ. يقول بعض الناس: إذا دخل المسجد يجلس على كرسي ويقول: هو ليس بجلوس. فما الحكم؟ إذا كان سيلقي درس فربما له وجه. أما إذا كان سيجلس ليصلي فليصلي، ولا يبخل على نفسه بصلاة. لا يبخل على نفسه بصلاة. يقول: إذا صلى الإمام بصلاة التراويح أربعًا أربعًا، فدخل معه بعض المأمومين بنية صلاة العشاء، فهل يسقط عنه التشهد الأول؟ في هذا خلاف من أهل العلم. من أهل العلم من يقول: لا ينبغي له أن يصلي أربعًا على هذا الوصف. إذا كان سيصلي أربعًا ليس فيها التشهد الأول. ولذلك الأولى في حقه أن لا يصلي معه على هذه الصلاة. والمسألة فيها خلاف من أهل العلم. من يقول: يسقط عنه. لأن الإمام يحمل عن المأموم. لكن كما نرى: هي صلاة تطوع. فلذلك ينبغي له أن لا يوافق بهذه الكيفية، حتى لا تتغير كيفية هيئة صلاة العشاء. فمثلًا يدخل معه في ركعتين، فيسلم الإمام وهو يقول: وقد تشهد. فيقول: ويزيد ركعتين. يقول: هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سلم في الصلاة تسليمة واحدة؟ جاءت فيه أحاديث بعضها للعلم ضعفها، وبعضها للعلم يصححها ويحسنها. والأمر واسع. فهذا مما يسع فيه الخلاف. والصحيح أن الأحاديث ثبتت. فلا بأس أن يسلم أحيانًا تسليمة واحدة. كيفيات التسليم. ونسينا النوع على هذا. والكتاب مختصر لم يذكر كل ما يتعلق بكيفية الصلاة. وتعرفون الأحاديث والمسائل فيه كثيرة. وقد ألف الشيخ الألباني رحمه الله رسالة نافعة فيها شيء من المسائل المتوسطة في الأحاديث المروية في صفة الصلاة. وقد ذكر مسائل كثيرة نافعة مفيدة. وله رسالة أوسع من هذا. وهكذا كتب الفقه المطولة تذكر مسائل كثيرة. فالحاصل: الصفة السلام الذي أشار إليها هي أحد كيفيات السلام. والذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم بأربع كيفيات. الكيفية الأولى وهي الغالب والأعم من فعله عليه الصلاة والسلام، وتعليمه لأصحابه: أن يسلم عن يمينه فيقول: «السلام عليكم ورحمة الله». وعن يساره مثلها: «السلام عليكم ورحمة الله». والكيفية الثانية: أن يسلم عن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله». وعن شماله فيزيد: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته». والكيفية الثالثة: عن يمينه للمعتاد، وعن يساره فينقص. فيقول في اليمين: «السلام عليكم ورحمة الله». وعن يساره: «السلام عليكم». وهاتان الكيفيتان أقل. يعني: فعلًا من الكيفية الأولى. والكيفية الثالثة: أن يسلم بتسليم واحدة فقط. يلتفت التفاتًا يسيرًا إلى جهة اليمين. بخلاف إذا سلم تسليمتين، فإنه يبالغ في الالتفات حتى يرى خده من خلفه. يعني: «سلام عليكم ورحمة الله». يبالغ بلف عنقه إلى اليمين ولف عنقه إلى الشمال حتى من خلفه يرى خده. وليس معناه من خلفه بالضبط، ولكن من خلفه يرى. بخلاف إذا سلم تسليمة واحدة ما يكلف الخد. لأنها التفاتة يسيرة فقط إلى اليمين. تقول: «السلام عليكم». تسليمة واحدة. وهذا قليل نادر. ولهذا لم يروى إلا في أحاديث يسيرة. وبعض أهل العلم لم يصحح هذا الوارد. وهذا يدل أنه لم يكن يفعله إلا أو فعله مرة فقط كما قال بعضهم للعلم. لكن الصحيح أن الحديث ثبت. فتكون كم كيفيات؟ أربع. لكن ننتبه لشيء يخطئ فيه بعض طلبة العلم: أنهم يغلبون القليل على الكثير. يعني: تجد أكثر صلواته كما رأيت بعض إخواننا في اندونيسيا ونحوها في آسيا. أكثرهم إذا سلم: «سلام عليكم ورحمة الله». «سلام عليكم ورحمة الله وبركاته». نادرًا ما تسمع: «سلام عليكم ورحمة الله». «سلام عليكم ورحمة الله». كذا صليت في مساجد إخوانك أهل السنة. تجدهم تسعين بالمئة يصلون ويسلمون بهذا التسليم. وهذا خلاف طريقة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم. هذا أقل. الغالب الأعم هو الأول: «سلام عليكم ورحمة الله». «سلام عليكم ورحمة الله». أحيانًا نعم. تضيف في الثانية: «وبركاته». أو تنقص: «سلام عليكم». أما أنك تأتي بهذا أكثر من الأول فهذا خلاف السنة. والله تعالى أعلم. يقول: ما العلاج لمن لا يستطيع قيام الليل من الطلاب بسبب الإرهاق من الدروس؟ فنرجو النصيحة. النصيحة: أن ينام مبكرًا. إذا نام مبكرًا سيقوم بإذن الله سبحانه وتعالى في آخر الليل. ومن لم يستطع فيأخذ بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لمن؟ لأبي هريرة. قد بوّب بعض أهل العلم: «باب صلاة الليل لطالب العلم». يعني: طالب العلم إذا كان يتأخر ويخاف أن لا يقوم آخر الليل ماذا يفعل؟ يصلي أول الليل. وقد أوصى نبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة. وقد بيّن أبو هريرة رضي الله عنه السبب في هذه الوصية: «لأنه كان يطلب العلم». ومعناه: يتأخر في النوم. فلأجل خشية أن يفوته صلاة الليل أوصاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصلي في أول الليل. فمن خشي أن لا يصلي في آخر الليل؟ عنده الحل. الحل: أن يصلي إيش؟ في أول الليل. فلا يبخل على نفسه أن يصلي ولو ثلاث ركعات. ولو ثلاث ركعات أقل شيء. ومع الوقت ستجد لهذه الصلاة لذة إن شاء الله. وستزيد. ولن تتركها. خصوصًا إذا جعلتها وقتًا لمراجعة القرآن. ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أهل القرآن بصلاة الليل. وأمرهم بالوتر. لأنها من أحسن المواضع التي يراجع فيها حافظ القرآن قرآنه. يتعاهد قرآنه بصلاة الليل. صلاة الليل تستطيع أن تراجع فيها ما لا تستطيع أن تراجعه في سائر يوم. يعني: ربما في اليوم يأخذ منك التلاوة بسبب الشواغل والعوارض الكثيرة وقتًا طويلًا. تقرأ قليل. شغلك هذا بسلام. وذاك بكلام. وهذا بالتفات. وهذا بكذا وكذا. لكن في صلاة الليل بينك وبين الله سبحانه وتعالى. تجد لذة لهذه الصلاة. ولذة في هذه التلاوة والمراجعة. فيعين كذلك على أولًا: تعهد القرآن ومراجعته. وأن تجد للصلاة لذة في هذا الوقت الطيب المبارك. وحتى أنك تستطيع أن تراجع الكثير. يعني: ربما في جلسة واحدة ما تستطيع أن تقرأ ثلاثة أجزاء. لكن إذا تعودت على صلاة الليل تستطيع أن تقرأ ثلاثة أجزاء دون تعب. دون كلل. دون ملل. ولا أدل على ذلك: صلاة الناس عوام الناس في ليالي رمضان. ما شاء الله يصبرون على إيش؟ على صلاة الليل. وربما في البيت ما يصلون عشر هذه الصلاة. لكن بالعشر الأواخر كيف يصبرون بسماعهم للقرآن ونشاطهم مع صلاة الناس. فكذلك طالب العلم لا يبخل على نفسه. ونسأل الله لنا ولجميع التوفيق والسداد. إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله.