كتاب الصلاة 16

كتاب الصلاة 16

الدرس في كتاب الصلاة 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الصلاة على أهل الأعذار

يناقش أحكام الصلاة على أهل الأعذار مثل المرضى، وعدم وجوب الصلاة على غير المكلف مثل الأطفال والمجانين. يستدل على ذلك بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية.

تعليم الصبيان العبادات والطاعة

يجب تعليم الصبيان العبادات والطاعة من سن سبع سنوات على وجه التعليم والاستحباب، ومن سن عشر سنوات على وجه الإيجاب والإلزام على وليه. كما يجب تعليمهم الكف عن الحرام.

التيسير في الصلاة للمريض وكبار السن

يشرح التيسير في أداء الصلاة للمريض وكبار السن، حيث يمكنهم أداء الصلاة حسب استطاعتهم، سواء قياما أو قعودا أو على جنب. كما يشرح جواز الجمع بين الصلاتين للمريض مع مراعاة الترتيب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: فصلٌ، قال: ولا تجيب على غير مكلفٍ، وتسقط عن من عجز عن الإشارة، يا وغمي عليه حتى خرج وقتها، ويصلي المريض قائما ثم قاعدا ثم على جنبٍ. قال أقول: أي الشارح رحمه الله، أما سقوطها على من ليس بمكلفٍ، فلأن خطاب التكليف لا يتناول غير مكلفٍ، ولا خلاف بذلك، ولا خلاف بذلك بالواجبات الشرعية. وأما ما ورد من تعويذ الصبيان وتمرينهم، فالخطاب بذلك للمكلفين، والوجوب عليهم لا على الصغار. وأما سقوط الصلاة بالعجز عن الإشارة، فلأن إجابة على المريض مع بلوغ إلى ذلك الحد هو من تكليف ما لا يطاق، ولم يكلف الله سبحانه أحدا فوق طاقته. وكذلك من أغمي عليه حتى خرج وقتها، فلا وجوب عليه؛ لأنه غير مكلفٍ في الوقت. وأما كون المريض يصلي قائما ثم قاعدا ثم على جنبٍ، فلحديث عمران بن حسين عند البخاري وأهل السنن وغيرهم، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ». وقد نطق بمضة بمضمون ذلك القرآن. أورد المؤلف رحمه الله مجموعة من المسائل على وجه الاختصار في هذا الفصل. وكما تقدم معنا، الفصل هو ما كان من الباب، لكنه في بعض المسائل المجتمعة التي تفترق عما قبله. فلما كان هذا الفصل والذي قبله يتعلق بالصلاة، أدخل في هذا الباب. فقد مر معنا في الباب الذي قبله وهو ما يتعلق بكيفية الصلاة، ومرت معنا مسائل كثيرة في كيفية الصلاة. وناسب في آخر ذكر كيفية الصلاة أن يذكر بعد أن ذكر باب كيفية الصلاة بعض المسائل التي تتعلق بكيفية الصلاة، لكنها ليست من مسائل صفة الصلاة. فالفصل الذي قبل هذا كان في مبطلات الصلاة، وعلى وجه الاختصار. وقد ذكرنا ومضى معنا ذكر البعض الآخر. ولعلنا نراجع في وقت لاحق. وهنا ذكر شيئا يتعلق بصلاة أهل الأعذار، صلاة أهل الأعذار. فقال أولا: ولا تجيب على غير مكلف. وقد تقدم معنا أن المكلف يريد به الفقهاء البالغ العاقل. وأن لفظ التكليف الأولى تركه؛ لأنه لم يذكر في الشرع إلا على وجه النفي لا على وجه الإثبات. قال الله عز وجل: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، «لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها». فما ذكر التكليف إلا على وجه النفي لا على وجه الإثبات. ونبه على هذا شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، وجماعة من أهل العلم. فليس في الشرع تكاليف. والله عز وجل لم يشرع لعباده من العبادات إلا دون ما يطيقون، إلا دون ما يطيقون. فرض الصلاة كم في البداية؟ خمسين. وهل يطيق الصلاة خمسين؟ يطيق الصلاة خمسين الناس يطيقون خمسين، ولكن الله عز وجل برحمته وفضله خففها إلى خمس. من خمسين إلى خمس صلوات، رحمة وتخفيف منه سبحانه وتعالى. اليوم لو حسبت الصلوات مع النوافل، كم الصلوات مع النوافل؟ في رمضان؟ الذي يصلي ثلاثة وعشرين، ودها كم؟ فدها وصلت خمسين وزيادة، أكثر من خمسين. معناها أن الناس يطيقون خمسين، ليس لا يطيقون خمسين. ومع ذلك، معناه خفف الله عز وجل عنهم أضعاف التخفيف. كم الخمس من الخمسين؟ العشر. الخمس من الخمسين العشر. معناه خفف عنهم الخمسين يطيقونها، وهو تخفيف. ومع ذلك خفف عنهم عشر ما كان قد خفف عنهم، خفف عنهم عشر ما كان خفف عنهم. المقصود من هذا أن نصل إلى شيء، إذا كان هذا بالصلاة، فكيف بغيرها من الطاعات التي لا تساوي عشر ما فرض في الصلاة؟ يعني كم فرض الصيام؟ شهر في السنة، أقل من العشر. شهر في السنة أقل من العشر. وهكذا تجد العبادات التي فرضت. ونريد بهذا أن نرجع على بعض العلمانيين والعقلانيين وغيرهم الذين يقولون: العبادات فيها أثقال وأحمال على الإنسان، ويقولون: تكاليف، وهي ليست كذلك. فالله عز وجل ما فرضها إلا لحكمة؛ وذلك لتطهر وتزكو نفوسهم، وتستقيم جوارحهم على ما فيه الخير لهم في الظاهر والباطن، وفي الحياة وفي الدنيا أو في الآخرة، بشيء من التشريعات اليسيرة. فما فرض عليهم إلا ما هو أقل من عشر طاقتهم، ما هو أقل من عشر طاقتهم. وهذا من رحمة الله. وإذا تأملنا أكثر الشريعة، فإنها تدور حول هذا. تدور حول هذا. ونريد أن نصل بهذا أولا: أن تعبير بالتشريعات لتكاليف، تعبير ليس سليم، بل ليس في التشريع شيء مما هو كلفة. لم يكن في التشريع كلفة، بل الكلفة نفيت في الشريعة، نفيت الكلفة في الشريعة. ما في الشريعة إلا رفع الحرج، ورفع كلفة، وفقط من الطاعات ما يطيقون، وما يكون به الخير العاجل والآجل، والظاهر والباطل. ثم نرجع إلى المسألة من الناحية الفقهية. قال: أما سقوطها على من ليس مكلفا، وعلمنا أن من ليس مكلفا هو المقصود به العاقل البالغ. قال: فلأن خطاب التكليف لا يتناول غير مكلف. وقد مر معنا أدلة ذلك الكثير من الكتاب، ومن السنة، ومن أصرح الأدلة بهذا الباب حديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور الذي تكرر معنا: «وضع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». فهؤلاء الثلاثة رفع عنهم القلم. كما جاء عند أحمد، وفي داود، والنسائي، ونماج، والحاكم، بأسانيد صحيحة وحسنة ترتقي بمجموعها إلى الصحة، عن عدد من الصحابة، منهم عمر، وعلي، وعائشة، وغير هؤلاء الثلاثة، رضي الله عنهم أرضاهم. فهذه الأحاديث تدل على أن هؤلاء الثلاثة، والصحيح أنه يلحق بهم من كان بمعنى هؤلاء، وضع عنهم القلم، أي يسقط عنهم ما يسميه الفقهاء بالتكليف، فيسقط عنهم ذلك لوجود مانع. فالصبي قبل أن يحتلم، وضع عنه التكليف، والمجنون حتى يفيق، أو إذا كان ممن لا يفيق؛ لأن هناك مجنونا جنونه ليس مستمرا وملازما، فمثل هؤلاء يتعلق الحكم حتى يفيق. وهكذا كذلك المعتوه المجنون الذي فقد عقله، والمعتوه الذي فقد بعض العقل، المعتوه الذي فقد بعض العقل، ولكنه مع ذلك لا يحسن، ولا يعقل العقل الكامل، فالتخاطب معه صعب، فمثل هذا يكلف أو يؤمر بما تيسر. فتجده مثل الصبي غير المحتلم، تارة يحسن وتارة يسيء، ولا يحسن ولا يضبط العبادة أو الطاعة، فهذا هو المعتوه. وكذلك النائم، ويدخل في النائم المغمى عليه كما سيأتي معنا؛ فإنه رفع عنه القلم حتى يستيقظ، حتى يستيقظ؛ لأن من الناس من نومه ثقيل، ويصعب حتى في وقت الخطاب أن توقظه. وهنا تأتي مسألة يكثر السؤال عنها، يسأل كثير من الأمهات: ماذا نصنع بأولادنا الصغار الذين بلغوا سبع سنوات، سن التعليم؟ نسألهم بالصلاة، لكن الهجر ما هي فائدته؟ إذا وقظنا الصبي في وقت الصلاة حتى عشر سنين، بعض الأحيان عشر سنين، فيوقظون الصبي، خرقة ترفعه، يسقط، توقظه لا يستيقظ، حتى لو وقظوه بالصراخ، بالبكاء، بعض الصبيان. وإذا صلى، ربما يصلي لك الفجر ركعة أو ثلاث أو أربع، المهم هو يريد أن يتخلص، ليكمل نومه. مثل هذا الصبي، كيف تصنع معه؟ فهل يصلي صلاة غير مقبولة؟ أو الأولى أن يترك إلى الوقت الذي تظن الأم أنه سيستيقظ، وسيعقل الخطاب؟ الجواب: الثاني، لا شك أنه الثاني؛ لأن المقصود أن يؤدي العبادة على وجه تقبل، هذه العبادة على وجه تقبل. ويحصل هذا كثيرا في الأوقات التي يسهر فيها هذا الصبي، ويحصل أحيانا في أواخر رمضان، يسهر الصبي إلى قبل الفجر، ينام، يوقظونه للصلاة، خرقة ما يقوم، يحاول، يربطونه، صلاة يا ولد، صلاة، صلاة، صلاة يا بنت، صلاة، ما في الفائدة. فمثل هذا، خلاص يترك. فالآن يستيقظ، يقول: انتبه اليوم ما صليت، قم الآن توضأ وصلي، فيتوضأ ويصلي. طيب للحديث: «والنائم حتى يستفيق أو حتى يستيقظ». بقي هنا تنبيهان، التنبيه الأول فيما يتعلق بالصبي. الصبي رفع عنه التكليف كما ذكر رحمه الله، وأشار إليه، وهذا معنى كلامه، والأحاديث تدل على ذلك صريحا. لكن لا يعني ذلك ألا يعلم قبل البلوغ، ألا يعلم قبل البلوغ؟ فقبل البلوغ يعلم. كم سن البلوغ؟ سن البلوغ كم؟ سن البلوغ، ويعلم البلوغ بأحد أربع علامات، من يعيدها؟ لأننا ذكرناها بدروس سابقة: فضل الاحتلام، إنبات شعر العانة، الشعر الخشن، طبعا يقول العلماء: الشعر الخشن الذي تظهر به معاني البلوغ. نعم، الثالث: بلوغ خمسة عشر، ويزاد للمرأة شيء رابع، هذه الثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، والمرأة تزيد بشيء رابع، وهو نزول دم الحيض. فهذه هي علامات البلوغ. طيب، ومن لم يبلغ، ليس معناه أن لا يؤمر بالعبادات والطاعة. الصحيح أنه يؤمر بالصلاة والطاعة من سن سبع سنوات، على وجه التعليم والاستحباب، ومن سن عشر سنوات على وجه الإيجاب والإلزام على وليه لا على الصبي، على وليه؛ لأنه يأمره حتى لا يصل سن البلوغ إلا وهو قد تعود على هذه العبادات والطاعة، وصارت خفيفة عليه، وصارت خلقا ودينا يخالط قلبه وجوارحه. ولذلك يخطئ الكثير من الآباء والأمهات حين يتأخرون بأمر أبنائهم وبناتهم بالصلاة إلى أن يبلغ، إذا بدأ خمسة عشر، قالوا: يا الله، صلي، صل الصلاة عليه، قيل هو طول الوقت الماضي ما كان يصلي. وفي هذا الوقت أمره بالصلاة، تحصل له أخطاء وتخلف أحكام وأشياء كثيرة. لكن إذا علم عليها من قبل، فما يصل إلى هذا السن إلا وقد أحسنها. ودليله ما جاء عند أحمد، والحاكم، وأبوداود وغيرهم، من حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في الحديث المشهور الذي تكرر معنا، قوله عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». فجعل سن التعليم سبع، والسن التشديد عشر، وسن التشديد عشر. فهذا هو فيما يتعلق بالواجبات. بقي سؤال يرد: ما هو السن الذي يؤمر به الصغار بالكف عن الحرام والتشديد عليه في ذلك؟ يقال: الصبي يؤمر من أول عمره، من حين يبدأ يتناول بيده، ويتلفظ بلسانه، فأنت مأمور أن تعلمه على الكف عن الحرام قولا وفعلا. ودليله ما جاء في الصحيحين، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه، في أن الحسن أو الحسين أخذ تمرا من تمر الصدقة، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ منه، قال له: «كخ كخ»، كررها عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «ألم تشعر أو ألم تعلم إنا لا تحل لنا»، وفي رواية: «لا تصلح لنا الصدقة». فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال: «لا نأكل الصدقة». عن أكل هذا التمر، وهو صغير، وهو صغير. وفي هذا دليل أن الصبي ولو كان صغيرا، مهما كان في السن، فإنه ينهى عن تناول المحرم. ما أحد يقول: الصغير إذا كان الصغير يحل أن يأكل لحم الخنزير، ولا أن يتساهل معه في الخمر أو غير من المحرمات، لا أبدا، ولو كان صغيرا، فإنه يمنع من ذلك. والمجنون، المجنون كما قلنا: إذا كان الجنون مستمرا، بالنسبة للواجبات تسقط عنه، بالنسبة للمحرمات يجب على وليه أن يمنعه، ويحفظه من فعل المحرمات قولا وفعلا، يمنعه من قول المحرمات. فإذا وقع من الصبي سب أو شتم أو كلام قبيح، يجب أن ينهى عن ذلك، ولا يتساهل بهذا، ولا يقول: صبي. والمجنون ينهى عن هذا، ويعلم. قد يقول: قال كيف يتعلم المجنون؟ قال: شدد عليه، المجنون يعي، يعي بعض الخطاب الذي فيه طلب كف. حتى ولو أنك شددت عليه بالكلام، أو عبست بالوجه، أو اضطر الأمر أن تضرب، ضرب غير مبرح، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يجرح لحما، ضرب التأديب، هو الضرب غير المبرح الذي لا يكسر عظما ولا يجرح لحما، قد يجعل أثر خفيف على الجلد، لا بأس. وكلما كان أخف، كان هو الأولى. ولا تنتقل إلى الأشد إلا إذا احتاج، ولكن بما لا يتعدى هذا الوصف، وبما لا يصل إلى الحد أو أقل الحد. وقوله رحمه الله تعالى: «فلأن خطاب التكليف لا يتناول غير المكلف»، كما تقدم معنى، وهذا واضح وظاهر من الأدلة والمسائل التي سبقت الإشارة إليها. قال رحمه الله: «ولا خلاف في ذلك في الواجبات الشرعية». يعني الواجبات ما فيها خلاف أنه على هذا الوصف، لكن بالتفصيل الذي سبقت الإشارة إليه. قال: «وأما ما ورد من تعويذ الصبيان وتمرينهم، فالخطاب في ذلك للمكلفين». التعويذ، سواء تعويذ من العود وهو التعليم، فإن ذلك يدخل في عموم ما يعلم فيه الصبيان من سن سبع إلى سن البلوغ، وأنه إلى سن عشر وما بعد العشر يشدد عليهم، كما تقدم في حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده. وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه ما يدل على ذلك: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع»، ... إلى آخره. وإن أراد التعويذ بالذال الذي يقصد به التعويذ بالأذكار، فهذا يكون لمن يحسن من الصبيان أن يعلم على وجه التعليم الذي يدخل في عموم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع». فمثلا إذا أراد أن يخرج من البيت، تعلمه ما دام يستطيع أن ينطق: «قل بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، ونحو ذلك. إذا أراد أن ينام، اقرأ آية الكرسي. فأنت تلقنه تلقنه كل يوم حتى يصير الصبي يحفظ آية الكرسي، فما ينام الصبي إلا وقد قرأ آية الكرسي. وإذا كان لا يحسن الترديد، ولا يحسن التلقين، فأنت ترقي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الحسن والحسين. وهكذا كذلك يقال فيما إذا بلغ عشر سنوات، فإنه يشدد عليه في الواجب، ويؤكد عليه في المستحب. وهكذا إذا بلغ سن البلوغ، يكون مخاطبا مباشرة بهذا الخطاب، وقبل البلوغ يكون على وليه. كما ذكر رحمه الله: «والوجوب عليهم»، يعني على أولياء الصغار، إذا كانوا صغارا، فالوجوب على أولياء الصغار فيما هو واجب، وفيما هو واجب نعم، وفي غير الواجب مستحب على أولياء الصغار. قال رحمه الله: «أما سقوط الصلاة بالعجز عن الإشارة، فلأن إيجابها على المريض مع بلوغه إلى ذلك الحد هو من تكليف ما لا يطاق، ولم يكلف الله سبحانه أحدا فوق طاقته». هذه مسألة سلف فيها الفقهاء، وهو من كانت استطاعته توقفت عن الإشارة، أي ما يستطيع الأفعال، فهل تجب عليه الأقوال دون الأفعال؟ في هذا خلاف من أهل العلم. مثلا إنسان لا يستطيع أن يصلي بالحركة، صار هامدا على الفراش، لكنه يتكلم ويعقل الزمان والمكان والأوقات، فإذا أراد أن يصلي، كيف يصلي؟ ما يستطيع تحرك، لا برأسه ولا بيديه ولا بشيء، ولا حتى بحركة كتفيه. فهل تسقط عنه العبادة؟ اختلف العلماء إلى عدة أقوال، أشهرها ثلاثة أقوال. جمهور أهل العلم يقولون: تجب عليه الأقوال والأفعال بحسب الاستطاعة، فما كان من الأفعال لا يستطيع، فلا يفعلها، وما يستطيع بالعينين، يفعلها بالعينين، والأقوال ما دام يستطيعها، يفعلها، وما لا يستطيع، يسقط عنه. أخذوا بعموم قول الله عز وجل: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها». قالوا: هناك وسع، ولو كان قليلا، يعمل بقدر هذا الوسع. وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». قالوا: يفعل ما استطاع، ما دام يستطيع يحرك عينين، يحرك عينين. هذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بمثل هذه الأحاديث والآيات، ونحوها من عمومات الأدلة. فعلى هذا عندهم، الذي لا يستطيع أن يتحرك بجسده، ويستطيع أن يحرك العينين، فيجعل حركة العينين على قدر ما يحتاج في القيام أعلى، وفي الركوع وسط، وفي السجود تحت. هذا حركة العين، يعني عنده ثلاث حركات للعين: أعلى، وسط، تحت. يقول: خلاص يستطيع على هذا، يفعل هذا. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أنه تسقط عنه الأفعال، وتبقى عليه الأقوال. قال: لأن حركة العين ليس من الأفعال، ولم يأت في الشرع التعبد بحركة العينين، لم يأت بالشرع التعبد بحركة العينين، والأمر بذلك من التكليف بما هو فوق طاقة الإنسان، وفيه مشقة. وذهب إلى هذا بعض أهل العلم المعاصرين، ومنهم شيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وهكذا في أحد أقوال شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وجماعة من أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم من الظاهرية وغيرهم، ومنهم هنا الشوكاني، ما يشير إلى أن مثل هذا تسقط عنه الأقوال، وتسقط عنه الأفعال؛ لأنه يقول: مثل هذا، حتى لو أتى بالأفعال، سيأتي بها بإثم بمشقة شديدة، بمشقة. فماذا موصل حاله إلى هذا؟ فلا يفعل. والصحيح، والله أعلم، أن صاحب هذه الحال يفعل ما يطيق، لقدر ما يطيق. فبالنسبة للأقوال، يفعل ما يطيق، ما يطيقه يفعله، وما لا يطيقه، يسقط عنه. والأفعال، يبقى: هل حركة العينين تلزمه؟ إن كان يستطيع حركة العينين بدون كذلك مشقة، ولا كلفة، ولا تكليف، فيفعل ذلك. لحديث سلمان، وعمر رضي الله عنهما، وغيرها مما هو بمعناها: «نهينا عن التكلف»، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التكلف. ويفعل الذي يستطيعه بغير مشقة. ومن باب أولى الطهارة، فالطهارة لا يطيقها، فيفعل ما يطيق. إن كان أحد سيساعده، فطهره، فذاك. أو لم يجد، فيصلي على حاله، فيصلي على حاله. «فاتقوا الله ما استطعتم». طيب، قال: «وكذلك من أغمي عليه حتى خرج وقتها، فلا وجوب عليه؛ لأنه غير مكلف في الوقت». وهذه المسألة كذلك فيها خلاف، من أغمي عليه حتى خرج وقتها. الآن إنسان وقع عليه الخطاب، وهو في حال إغماء، هل المغمى عليه يلحق بالنائم أو يلحق بالمجنون؟ اختلف أهل العلم في هذا. والصحيح بهذا التفصيل: فما كان من إغماء فوق النوم المعتاد، فوق النوم المعتاد، فيلحق بالجنون. وما كان بمعنى النوم المعتاد، فإنه يلحق بالنوم. مثلا إنسان أغمي عليه بعض اليوم، أو ما لا يزيد عن اليوم، هذا يلحق بالنوم. قد ينام الإنسان ثمان ساعات، عشرين ساعة، لتعب وإرهاق، قد يحصل هذا. لكن أن ينام الإنسان يومين، هذا يحصل ما يحصل. الذي ينام يومين، هذا يلحق بالمجنون. هذا النوع من الإغماء يرفع عنه القلم، فهو يلحق بالمجنون. وأما النائم، فإنه تجب عليه العبادة متى استيقظ. لهذا قال: «والنائم حتى يستيقظ». وبالحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها»، هل تسقط عنه؟ فوقتها؟ إذا ذكرها، يعني النائم، والناس سواء، النائم والناس سواء، فذهاب الوقت لا يسقط الصلاة. ومثله المغمى عليه الذي في حكم النائم، بالتفصيل الذي سمعناه. الله تعالى أعلم، هذا هو الراجح. والمسألة فيها كلام كثير، لكن هذا باختصار. وقوله: «لأنه غير مكلف في الوقت»، هذا الكلام يصح في الحالة الثانية. أما في الحالة الأولى، فهو مثل النائم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة، فليصلها إذا ذكرها». وأما قوله أخيرا: «وأما كون المريض يصلي قائما ثم قاعدا إلى آخره، فلحديث عمران بن حسين». وأشار إلى حديث عمران الذي سمعناه، تقدم معنا معناه في عدة أبواب سابقة. فكذلك لعموم الأدلة الواردة في هذا الباب، وهذا الوصف. الصحيح أنه ليس المقصود التعبد به لغضا، ولكن التعبد به معنا، يعني أن المريض أعلم بالأيسر له، المقصود أن يفعل الأيسر، لا يضر بنفسه. فلا يتكلف القيام إذا كان في القيام مشقة كل. فإن استطاع أن يقوم بعض القيام، ويجلس بعض، نقول له: قم. أو لا؟ لا. هل يجب عليه هنا؟ يوجد خلاف بين أهل العلم. من يستطيع بعض القيام، ولا يستطيع البعض الآخر، فهنا ينظر المصلي إلى ما هو أيسر له. فإن استطاع أن يقوم، قام. وإن لم يستطع، فلا يقوم. ومن صلى قاعدا، هل يجب عليه أن يكبر قائما؟ كذلك بهذا خلاف. والصحيح أنه إن استطاع أن يكبر قائما، فعل. وإن كان فيه مشقة، فلا بأس إن كبر قاعدا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشدد في تكبيرة الإحرام لمن أراد أن يصلي قاعدا، قال: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا». ولو كان هذا مشدد فيه، لقال: «إلا تكبيرة الإحرام قاعدا»، «إلا تكبيرة الإحرام، إن كنت تطيقها قائمة، فأديها قائمة». كما يشدد بعض الفقهاء. ولكن الصحيح أن تكبيرة الإحرام على حسب كذلك الاستطاعة، وعدم المشقة. فالذي عنده شيء من الاستطاعة، فالأحوط في حقه أن يؤدي تكبيرة الإحرام قائما، احتياطا، ما دام أنه سيصلي قاعدا. مسألة فيها خلاف، فلذلك نقول: الأحوط من استطاع أن يكبر قائما، كبر قائما، ثم قاعد. كبر قائما، ثم قاعد. ومن لا يستطيع، لا نكلف عليه، بل التكليف عليه ربما يكون إثم؛ لأنك تدخله في الحرج. إنسان يصلي على الأرض، تقول له: قد قعد في الأرض، وهو جالس على الأرض، ينتظر الصلاة، تقول له: قم، كبر قائما، هذا مشقة. وإذا كان يحتاج إلى إعانة في القيام، تزيد المشقة. ولا شك أن هذا ليس من سماحة الشريعة. وهكذا يقال في القعود، وعلى جنب، فإنه يفعل الأيسر والأصلح. فإذا كان الإنسان في بعض الأحوال يكون الأيسر له نائما، وفي بعض الأحوال الأيسر له قاعدا، ليس هذا من التلاعب في العبادة. بعض الناس يقول: أنت متلاعب، مرة تصلي قاعد، ومرة تصلي نائم، إيش فيك؟ قل له: لا، أنا أفعل الأيسر. يوم ما أكون على الفراش، وأنا في سريري على مرضي، أيسر لي أصلي على الفراش. يوم ما أقعد، وقعدوني وقت أحتاج لأن أحرك إلى الحمام أو شيء، قعدوني على الكرسي، فالأيسر لي أن أصلي على الكرسي، فلا حرج في هذا، لا حرج في هذا، إذا كان أحيانا وأحيانا. وكذلك في الصلاة، بعض الناس الصلاة طويلة، فما يستطيع بعض كبار في السن والمرضى أن يصلي خلف هذا الإنسان قائما، فيصلي قاعدا، أحرج. صلى خلف إنسان آخر، يعرف أن صلاته قصيرة، فاستطاع أن يقوم بشيء من التحمل والتكلف، لا بأس، لا بأس. وليس هذا من التلاعب بالدين كما يقول بعض الناس، لا، بل يفعل الإنسان طاقته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم من الأعمال ما تطيقون». وكما في الحديث الآخر: «ما أمرت به فأتوا منه ما استطعتم». والأمر في هذا متسع. وهناك مسائل كثيرة تتعلق بهذا الباب، لكن هذا أهم ما يذكر في هذا الباب. ولعلنا نذكر بعضا آخر إن شاء الله في درس لاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على النبي محمد وآله. يقول: مريض دخل وقت الصلاة وهو مريض، ودخلت الصلاة التالية، ولم يستطع القيام إلا بعد خروج وقت الصلاة الأولى. إذا كان الأمر كذلك، فمعدور. والمريض يجوز له أن يجمع بين الصلاتين كما سيأتي معنا إن شاء الله من صلاة أهل الأعذار، أنه يجوز الجمع بين الصلاتين للمريض، لكن جمع بدون قصر، جمع بدون قصر. يصلي صلاة أهل الأعذار، يجمع بين الصلاتين، لا حرج. فإن كانت الصلاتان مما لا يجمع بينهما كالعصر والمغرب مثلا، فلا حرج، يبدأ بالصلاة العصر، ثم يصلي صلاة المغرب بعدها، يرتب الصلوات، وهو إنما فعل ذلك لعذر، فعل ذلك لعذر. بعض الناس مثلا يحتاج إلى طهارة، وهنا تأتي مسألة مهمة جدا. أولا يجب على أولياء المرضى كبار السن أن يؤدوا ما يجب عليهم في رعاية هؤلاء، وعونهم على أداء الطاعات، من تجهيزهم للصلاة بوقت كاف حتى لا يفوتهم وقت الصلاة، سواء الطهارة والتنجية أو كذلك التهيئة للصلاة. وحرام عليهم أن يؤخروهم حتى يتأذوا بالنجاسات التي عليهم، أو كذلك تفوتهم أوقات الصلوات. وتقدم معنا في أوائل الكتاب الطهارة: ما يجب على أولياء الصبيان والمجانين وكبار السن في هذا الباب، حتى ما يتعلق بالغسل، أنه يجب عليهم أن يغسلوهم في الأسبوع يوما نعم، ولو لم يذهبوا إلى صلاة الجمعة. طيب، فالحاصل: إذا كان مثلا الوقت ضاق، فما استطاع أن يتوضأ، وعلم أن ليس أحد حوله يستطيع أن يعينه. أحيانا يكون هناك في البيت نساء، والرجل لا يرضى أحد ينجيه من النساء، فينتظر الولد أن يأتي حتى ينجيه، ثم يتوضأ ويصلي، فتأخر الإبن، ورأى المغرب سيظهر، وهو على نجاسة، ولا يستطيع أن يتوضأ، فكيف يفعل؟ يقال: صلي على حالك، وعلى ما أنت عليه، ما دام أن وقت الصلاة سيذهب. أما إذا كان ظهر وعصر، لا بأس أن يؤخر الظهر إلى العصر، حين يأتي الولد يطهره، ينجيه، ثم يصلي الظهر والعصر معا. لكن سيصلي العصر، ولا أحد جاء يساعده في تطهير نفسه، وينظر الوقت، الوقت ضيق، ماذا يصنع؟ بعض الناس مساكين يبكون، يقولون: كيف يفعل؟ لا يصلي، يأخر الصلاة إلى المغرب، لا، لا تؤخر الصلاة إلى المغرب. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. هذه الصلاة ما تجمع مع المغرب، إذن أدها على الوجه الذي تستطيع. «فاتق الله ما استطعت». لا يخليها تفوت، يصليها على ما هو عليه، على قدر ما يستطيع، ولا يجمعها مع المغرب أبدا. نعم. يقول: هل يضرب الولد قبل العشر إذا لم ينفع معه الأمر بالصلاة؟ لا يضرب قبل العشر، بل يعلم ويشدد عليه، يعبس في وجهه، يعاقب بأشياء أخرى. تعاقبه بأنك لا تعطيه ما يفرحه، ولكن لا تجعل دائما عقوبات، اجعل مع العقوبات جائزات، يعني ترغيب وترهيب، وقدم الترغيب قبل الترهيب. فقل له: إذا صليت، ستكون لك جائزة، سيصلي هذا صغير، يفرح بمثل هذه الأشياء. ولا تفكر دائما بالترهيب، فكر دائما كيف تجعله يؤدي ما تحب وما فيه الخير له بالترغيب قبل الترهيب. يقول: من هي المرأة التي تقطع الصلاة؟ هل يشمل المحارم؟ إذا خرج الإمام، أكمل كل واحد لنفسه، هل تصح صلاتهم؟ هذا سؤال ثاني. المرأة، أي مرأة بالغ، تمر بينك وبين موضع السترة الحقيقي أو المقدر، فإنها تبطل الصلاة نعم؛ لأن الشيطان يمر معها، ليس شرط أن تكون مرأة أجنبية. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم على يدي محمد وآله.