الدرس في حلية طالب العلم 16، الدرس السادس عشر:من( 11-الإعراض عن مجالس اللغو ... فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج.اهـ ملخصاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش أهمية ابتعاد طالب العلم عن مجالس اللغو والمنكر، ويشدد على أن حضور هذه المجالس يعتبر جناية على العلم وأهله. يُوضح أن اللغو يشمل كل قول أو فعل باطل.
يُنبّه على خطورة حضور مجالس اللغو والهيشات ويُشدد على أهمية تجنبها لأن الإنكار فيها قد يسبب مفسدة أكبر. كما ينبغي لطلبة العلم تجنب مجالس اللغط لأنها تنافي أدب العلم.
يشير إلى انتهاء الحديث والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر احترام المتحدث للنبي وتوجهه بالصلاة عليه. يُنهي كلامه بالتأكيد على علم الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة للآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم بنفسه، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحادي عشر، الإعراض عن مجالس اللغو. قال: «لا تطأ بصعط من يغشون في ناديهم المنكر، ويهتكون أستار الأدب، متغابيًا عن ذلك، فإن فعلت ذلك فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة». هذا الباب والأدب هو أدب يجب أن يتحلى به المسلم، فضلا عن طالب العلم. فإن من صفات المؤمنين عباد الرحمن أنهم عن اللغو معرضون. واللغو المراد به كل باطل، سواء كان قوليا أو فعليا، فيدخل فيه الغيبة والنميمة والسخرية والاستهزاء والهمز واللمز، وكل ما كان بمعنى من الباطل من الباطل القولي أو الفعلي. وكثيرا ما يكون ذلك في مجالس الغافلين من عوام الناس، ومن تنزل بمنزلتهم، ولو انتسب إلى العلم. ولهذا قال رحمه الله: «لا تطأ بصاط من يغشون في ناديهم المنكر». ومعنى لا يكون لك ورود، فضلا عن أن يكون لك جلوس. المراد ها هنا ليس الوطء الحسي، ولكن المعنوي، والحسي هو موصل للوطء المعنوي. ومعناه لا تكن ممن يرد هذه المجالس، فضلا عن أن يجلس فيها. ثم ذكر رحمه الله بعض صفات هذه المجالس، هم الذين يغشون في ناديهم المنكر. والنادي هو محل اجتماع الناس، ومنه تسمية النوادي الرياضية اليوم نوادي. فلا يليق بطالب العلم أن يكون له ورود على هذه المجالس التي تغشاها المنكرات. وقوله: «تغشاها المنكرات» أي ولو لم يكن متأصلا فيها، فضلا أن يكون المنكر متأصلا كمجالس مثلا عندنا في اليمن القات، فالمنكر فيه متأصل. لا يليق بطالب العلم أن يرد مثل هذه المجالس؛ لأنها من مجالس ونوادي المنكر، ليس فقط يغشاها المنكر، بل المنكر فيها متأصل. وهكذا كذلك مجالس الدشوش والتلفاز، سواء في الطرقات وفي المقاهي، أو كذلك في المطاعم. فينبغي لطالب العلم وحامل القرآن أن يتنزه ويترفع عن هذه المجالس، حتى ولو كان على وجه الورود النادر أو الفضول بعبوره بجانبه، فلا يطأ هذا المجلس. إن كانت له حاجة، فليرسل بحاجته مع غيره، ولا يرد هو هذا المجلس صيانة للعلم. قد يقول قائل: أنا لي حاجة ولا أبالي بهؤلاء، وقلبي بعيد عن أن يتضرر بأمثال هؤلاء. فالجواب أولا: الله عز وجل أعلم. ولذلك أمرنا أن نعرض عن مجالس اللغو. نعرض، والإعراض يقتضي عدم الورود. وكما قيل: القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، وكذلك الشهوات خطافة. ثم هب أنك صادق، يبقى أمر آخر، وهو أنك تهين العلم الذي تحمل. ولهذا قال: «فإن فعلت، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة». جناية عظيمة على العلم أن يكون حامل العلم والقرآن يرد مثل هذه المجالس التي فيها المنكر، وتهتك فيها أستار الأدب. أستار الأدب هتكها كثير، قد يكون للكلام الساقط الذي يقول بعض السقطة. بعض السقطة الذين يجلسون في تلك المجالس، ربما تسمع سبا فاحشا، أو حكاية ساقطة، أو وصفا ماجنا، أو همزا ولمزا بالمتدينين من قريب أو من بعيد. فوجودك في مثل هذه المجالس جناية على العلم وأهله؛ لأنك لن تستطيع أن تغير المنكر، والمجلس كله منكر، وأهله أهل الفساد والسقوط. فوجودك بين هؤلاء هو الغلط وهو الخطأ. قد يقول قائل: لماذا لا نغير المنكر؟ فيقال: يغير المنكر إذا أمكن تغييره، وإذا ترتب على تغييره، أو إذا لم يترتب على تغييره منكر أعظم منه. والغالب أن إنكار المنكر في مثل هذه المجالس التي يغلب عليها السقطة وسفلت الناس وسفهاؤهم، يكون ترتب المنكر ترتب المفسدة على إنكار هذا المنكر أعظم. ولهذا كان الأحرى بالمسلم، فضلا عن طالب العلم، أن يجنب نفسه من هذه المجالس. ويكفي أنها صفة المؤمنين الكمل الذين امتدحوا بإعراضهم عن مجالس اللغو. قال رحمه الله تعالى: الثاني عشر، الإعراض عن الهيشات. قال: «التصون من اللغط والهيشات، فإن الغلط تحت اللغط». وهذا ينافي أدب الطلب. ومن لطيف ما يستحضر هنا ما ذكره صاحب الوسيط في أدباء شنقيط، وعنه في معجم المعاجم، أنه وقع نزاع بين قبيلتين، فسعت بينهما قبيلة أخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا عالما، فاستظهر قتل أربعة من قبيلة بأربعة قتلوا من القبيلة الأخرى. فقال الشيخ باب بن أحمد: مثل هذا لا قصاص فيه. فقال القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب. فقال: بل لم يخلو منه كتاب. فقال القاضي: هذا القاموس. يعني أنه يدخل في عموم كتاب. فتناول صاحب الترجمة القاموس، وأول ما وقع نظره عليه: «والهيشة الفتنة وأم حبين، وليس في الهيشات قود». أي في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله. فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج. قال: انتهى ملخصا. هذا الأدب هو أدب آخر مما يجب أن يتحلى به المسلم، فضلا أو مما ينبغي أن يتحلى به المسلم، فضلا عن طالب العلم. وهو أن يصون المسلم نفسه من اللغط والهيشات. ومعنى اللغط: أي الصوت الصادر من كثرة الحديث. الصوت الصادر من كثرة الحديث، قد يكون بكثرة حديث، وقد يكون مع الحديث حركة. ولهذا يقرن كثيرا اللغط بالجلبة. فالمقصود ها هنا أن المسلم، فضلا عن طالب العلم، يجتنب كثرة الكلام وما يفضي إلى ما هو أعظم منه من ظهور هذه الأصوات المؤذية التي تدل على التعمق في القيل والقال. وقد نهينا عن القيل والقال. فالمقصود من هذا الأدب أن يترك طالب العلم القيل والقال والمبالغة فيه، حتى يصير مجلسه مجلس اللغط والهيشات. فإن ذلك ليس من صفات المؤمنين، فضلا عن طلبة العلم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم وهيشات الأسواق». يعني في المسجد ينبغي أن ينزه المسجد عن هيشات الأسواق. والمراد بالهيشات: اختلاط الأصوات المرتفعة، اختلاط الأصوات المرتفعة كحال الأسواق. فالمساجد تنزه عن ذلك، وكذلك طالب العلم ينزه نفسه عن أن يكون في مجلس كهذا. ولهذا أتبع هذا الأدب الأدب الذي قبله، الإعراض عن مجالس اللغو. وهذه مناسبة ترى الترتيب هذين الأدبين بعضهما ببعض؛ لأن مجالس اللغو فيها اللغط وفيها الهيشات. فلا ينبغي لطالب العلم أن يغشاها، فضلا ما تتضمنه من المنكر وهتك أستار الأدب. وكذلك لو لم يكن مجلس اللغو، وكان مجلس فيه طلبة علم مثلا، فلا ينبغي لطلبة العلم أن تكون مجالسهم مجالس لغط وهيشات. يعني إن تكلموا تكلموا بأدب العلم، أصوات منخفضة، ضحكات بتبسم، ليس ضحك بقهقهة، ولا كذلك كثرة كلام بما يكون به اللغط والهيش. الهيشة هي الهيشات، يعني ارتفاع الأصوات. بل ينبغي على المسلم، فضلا عن طالب العلم، أن يجتنب مثل هذا الأدب السيء، هذا الخلق السيء الذي ينافي أدب طالب العلم. وقوله: «وهذا ينافي أدب الطلب»؛ لأنه كما تقدم ليس من خلق المسلم، فضلا عن طالب العلم. وقوله في الباب الذي قبله، حين حذر من ورود مثل هذه المجالس متغابيا عن ذلك، أي ما فيها من المعاني الفاسدة المنكر، وهدك ستار الأدب. فهذا شيء واضح يعرف الإنسان بفطرته، فضلا عن العلم الذي يحمله. فكذلك اللغط والهيشة، كونه لا يليق بطالب العلم واضح. فلا ينبغي لطالب العلم أن يتغابى عن مثل هذا الخلق السيء، بل ينبغي بل ينبغي أن يكون فطنا مستحضرا لما لا يليق، كما يستحضر ما يجب أن يتحلى به. فتهميش وإهمال مثل هذا الباب كذلك في جناية للعلم الذي يحمله طالب العلم. ثم ذكر هذه القصة، والمقصود من إيرادها هو الوصول إلى هذه المعنى هذه الكلمة التي أشار إليها بقوله: «إن الغلط تحت اللغط». ومعنى «فإن الغلط تحت اللغط»: يعني إذا كثر الكلام كثر الخطأ. كثر الخطأ، وكما قيل كذلك: المجالس إذا طالت كان للشيطان منها نصيب. لو لم يكن إلا كثرة القيل والقال، وقد نهينا عن القيل والقال، فضلا عما تخترق تلك المجالس من غيبة أو نميمة أو همز أو لمز أو تعرض لإنسان من قريب أو بعيد، أو عجب بالنفس، أو كذلك أذية للغير، وغير ذلك كثير. فلذلك ينبغي للمسلم أن يجتنب مجالس القيل والقال، فضلا عن اللغط والهيشات. ثم قلنا ذكر هذه القصة، والمقصود منها أن يوضح كلمة الهيشة. فآخر القصة هو المقصود، والهيشة الفتنة وأم حبين، يعني يقال للفتنة هيشة، ويقال لدابة صغيرة أم حبين هيشة كذلك تسمى هيشة. وهو يريد أن يبين معنى هذه الكلمة. وكان من المناسب إيراد هذه القصة، إذ فيها شيء من الطرافة. كيف استطاع الرجل أو كيف وفق الرجل لإخراج ما أحرج به في المسألة من كتاب في اللغة، وليس كتاب في الفقه. ومع ذلك استطاع أن يخرج الحكم في ذلك. وهذه المسألة فيها حديث لم يصح، وليس في الهيشات قود. ورد فيه حديث لم يصح. ويترتب على هذا كذلك خلاف بين الفقهاء. والصحيح أنه أن في ذلك تفصيل. إذا علم القاتل فالقاتل قتل عمد يقتل. وأما قاتل قتل خطأ إذا علم وتبين وتأكد أنه خطأ فلا يقتل، لا يكون فيه القود. والمراد القود: أي القصاص. فأراد رحمه الله أن يبين معنى الكلمة، وكيف أن من شر الهيشات سميت بها الفتنة. وهذا يدل أن الهيشة فيها معنى فاسد، حتى أنهم سموا الفتنة بهيشة. وكفى بهذا وكفى بهذا عظة وعبرة أن طالب العلم يتنزه عن مجالس اللغط والهيشات، فضلا أن يكون هو محيي هذه المجالس، وهو كذلك متصدر هذه المجالس. فإن ذلك كما تقدم في جناية على العلم وأهله. طيب، لهنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.