الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح ابن القيم كيف أن المعصية تؤثر على الإيمان وتسبب فوات الخير. المعصية تلوث الإيمان وتؤثر عليه بشكل سلبي.
الحسنات تمحو السيئات وفقًا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية. الذنوب لا يمحيها إلا الحسنات والإيمان يختلف باختلاف المعاصي.
الذنوب تسبب الشقاء في الدنيا والآخرة، بينما التوبة تجلب التيسير. الناس يتفاوتون في درجاتهم بحسب طاعاتهم وسيئاتهم.
المؤمن يحظى بحفظ الله حتى بعد الموت، بخلاف الكافر والفاجر. هذا الحفظ يعتبر عظة للمؤمنين.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الخامس مشهد الفواتي، وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا، وتزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعًا وعقلًا وعرفًا. ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى متقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافًا مضاعفة، فكيف يبيعه بشهوة تذهب لذتها وتبقى سوء معيشتها؟ تذهب الشهوة وتبقى الشقوة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». قال بعض الصحابة: ينزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة، فإن تاب رجع إليه. فقال بعض التابعين: ينزع عنه الإيمان كما ينزع عنه القميص، فإن تاب لبسه. ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري بصحيحه الزناة في التنور عراة؛ لأنهم تعروا من لباس الإيمان، وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنورًا ظاهرا يحمى عليه في النار. هذا مشهد آخر من مشاهد ما يكون عليه أحوال المؤمنين في أسباب تقوية الإيمان ومحاربة آثار المعاصي التي تغضب الرحمن. وهذا المشهد الخامس هو مشهد التفكر في فواتي ما يفوت الإنسان بسبب معصيته لربه سبحانه وتعالى الرحمن. فإنه لو تأمل وتفكر في هذا المشهد بقلبه وبصره وبصيرته تعاه ذلك للاتعاض والاعتبار. وذلك أن العاقل لن يؤثر الدنيا الفانية ويذهب ويزيل عن نفسه الآخرة الباقية، ولن يرضى بما تكون له به المدمة في الدين والدنيا وبالعقل والشرع والعرف، بل وآثار ذلك ستلحقه في الدنيا إلى أن يموت إلا أن يشاء الله، وتلحقه في الآخرة إلى أن يتغمده الله برحمته إلا أن يشاء الله. وغرب رحمه الله بعض الأمثلة التي تدل على بعض ذلك الفوات، وأعظم هذا الفوات فوات الإيمان. فمثل المؤمن الطائع لربه كمثل الرجل الذي لبس الثياب الطاهرة النقية الجميلة، فإذا عصى الله عز وجل دنس تلك الثياب الطاهرة ولوث وشوه تلك الثياب الجميلة. فإذا زادت معصيته لم يزل يلوث وينجس ويشوه حتى يكون عريانًا من دون ثياب. هذا المعنى الحسي هو مثال لذلك المعنى المعنوي الذي يكون عليه حال هذا الإنسان، وأول ذلك الإيمان. فإن الإيمان يخدش بالمعصية ولو صغرت. ففي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب العبد ذنبًا نُكث في قلبه نكتة سوداء». النكتة شيء يسير، والسواد معنى حسي لذلك المعنى المعنوي. الإيمان نور، والكفر والمعاصي ظلمة، فأثر هذه الذنوب نكتة في القلب. ثم هذه النكتة كما جاء في الحديث: إن تاب صاحبها واستعتب سُقلت تلك النكتة، ومعناه أزيلت وطهرت. وهذا التطهير يكون حسًا ومعنى. أما الحس بفعل الطهارات الحسية والطهارات المعنوية. أما الطهارات الحسية بما يكون من الوضوء والغسل وما يكون بمعناه، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إذا توضأ العبد تقاطر وضوؤه مع ذنوبه حتى إنها لتتساقط من أضفاره ومن أطراف وجهه وشعره وبشره». كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. وهكذا كذلك التطهير المعنوي، وذلك بفعل الحسنات المطهر لتلك السيئات والمنقي، كما قال الله عز وجل فيما جاء كذلك في الصحيح في حديث الرجل الذي باشر امرأة فأصاب منها كل شيء إلا أنه لم يقع في الزنا، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل من توبة يا رسول الله؟ جاء مستعتبًا تائبًا مستغفرًا يريد ما عند الله ولنابت إليه سبحانه، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجبه في ذلك بشيء حتى أنزل الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور وهو من حديث الأربعين: «أتبع السيئة الحسنة تمحها، أتبع السيئة الحسنة تمحها». السيئة لا يمحيها إلا الحسنة، فإذا لم تمحها الحسنة بقيت وأضرت. ومثلها كمثل النجاسة وأشد، فإنها لا تزال بصاحبها حتى تأكل طيبة وتخبث ما وقعت فيه. فالماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة كدرته وخبثته وصار نجسًا بعد أن كان طاهرًا، مع أن الواقع ربما تكون قطرة نجاسة ولكنها تضر وتؤثر. وهكذا ما أشار إليه في حديث أبي هريرة كذلك الصحيح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها وهو مؤمن». وجاء في مسند الإمام أحمد غيره بإسناد صحيح يحسنه ويصححه شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله والألباني: أن الإيمان يرتفع فوقه كالظلة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وتفسيره أن الإيمان يكون مع صاحبه كالعقل بالنسبة للسكران أو النائم. كالعقل بالنسبة للسكران أو النائم، فهو مؤمن لكنه لا ينتفع بهذا الإيمان؛ لأن الإيمان وجد من الانتفاع به حائل، إذ لا يجتمع طاعة ومعصية ولا إيمان وما يغضب الرحمن في وقت واحد. إن أغضبت ربك فارقك الإيمان وارتفع فوقك كالظلة. وهذه هي ظلمة الشهوة. ولهذا كان الذنوب جزاؤها من جنس العمل في الدنيا وفي الآخرة، وهذا عدل الله سبحانه وتعالى. فالزنا لما كان سببه حرقة الشهوة وعدم الصبر عليها وقلة الحياء وعدم كبته لها، عوقب في الدنيا بالرجم وبالجلد. الرجم المتناول لمعنى بين اثنين: المعنى الأول الذي يكون به تأديب تلك الشهوة الجامحة ورادع لمن كان مذنبًا ألا يقع في مثله. وهكذا كذلك عقوبة الجسد، كما أن الجسد تلذذ كاملًا بهذه المعصية لحقه هذا العذاب في كل الجسد بالرجم أو الجلد. وفي الآخرة بأن يوضعوا فيه تنانير من نار، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله وذكره في بعض كتبه الأخرى مفصلًا قال: ذلك أن حرقة شهوة هذا الزاني جوزي بجنسها بحرقة النار في التنور. التنور يكتم النار ولهذا يطبخ فيه ما يطبخ، لا يطبخ الخبز واللحم في الهواء الطلق، إنما إذا أرادوا أن يطبخوا شيئًا ويعدلوا بطبخه وضعوه في التنور ليكون أشد حرقة. كما كان صاحب هذه المعصية أشد حرقة فيما وقع فيه من فحش فلم يصبر، فكان له الجزاء من جنس العمل. وكذلك كما ذكر رحمه الله تعالى: تعرى عن الحياء في الدنيا فعري يوم القيامة، فإنهم يرمون في التنور عراة، يرمون في التنور عراة. وهذا بعض ما يردع لمن تفكر وتبصر وتدبر واعتبر. فإذا تدبر الإنسان مثل ما ذكر في هذا المشهد ونظائره في سائر الذنوب والمعاصي فإنه يكون رادعًا له وسببًا في تقوية إيمانه وحفظه من معصية ربه وخالقه سبحانه وتعالى. وهكذا قل في سائر الذنوب والمعاصي، فإنه لا يزال به حتى يخسر الكثير. ومن ذلك كما ذكر: يتحقق فيه المذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا. أما المذموم عقلًا بأن يؤثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، كما قال الله عز وجل: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وأما شرعًا بما جاء من العقوبات والتحذيرات الشرعية الكثيرة في نصوص الكتاب والسنة في الدنيا أو في الآخرة. وأما عرفًا بما يكون من حال صاحبه من الذل والصغار بعد أن جعل الله عز وجل له الرفعة والمحبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمر: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». كان بعض السلف يقول: إني لا أعرف أثر معصيتي في خلق أهلي ودابتي. الدابة تستعصي عليك، كانت سهلة لينة يجعلها الله عز وجل عصية. حتى شراك النعل يعني كل شيء في الدنيا يظلم عليك، والمصائب تأتيك من كل باب. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. فهذا الدمار الذي يقع سببه الذنوب المعاصي، وهذا النكد الذي يصيب الناس سببه الذنوب المعاصي، وهذا الشقاء سببه الذنوب المعاصي. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال: ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى. فإذا تأمل الإنسان هذه الآيات الكثيرة بما يراه في واقعه وما يشاهده في حياته، حتى الدعاء يرفع يديه فلا يستجيب الله له دعاءه بسبب ذنوبه ومعاصيه. فإذا تاب بحرقة وصدق فانسكبت دموعه في وجهه وانكب منكسرًا بين يدي ربه وخالقه فإنه سرعان ما يجيب دعاءه، وسرعان ما يجد تسهيل الأمور بين يديه وفي حياته. وهذا من صداق قول الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. التوحيد أول الأمان ومفتاحه وأسسه، والمعاصي والبعد عنها كذلك من أسباب الأمان. كذلك من أسباب الأمان. فالناس في درجات بحسب الطاعات، وهم في دركات بحسب الذنوب والسيئات. ولذلك تجد أشقى الناس شقاءً في الدنيا أكثرهم كفرًا وبعدًا ومعصية لله سبحانه وتعالى، وأكثرهم راحة وطمأنينة وعزة ورفعة أكثرهم لله سبحانه وتعالى إيمانًا وطاعة. وليس المقياس بالغنى والفقر؛ لأن الغنى والفقر والدنيا يعطيها الله لمن يحب ولمن لا يحب، ولكن المراد هو ما يكون من العقوبات وما يكون من الكرامات. وأما المصائب فيصاب بها المؤمن ويصاب بها الكافر والبر والتقي، ولكن كما قال العلماء: أن مصائب أهل الإيمان والتقوى يكون فيها من معنى الابتلاء واللطف ما تفارق مصائب أهل الكفر والمعاصي. هذا يصاب بحادث، وهذا يصاب بحادث، لكن يحفظ الله جسد المؤمن. يموت وهذا يموت، لكن المؤمن يحفظ الله له جسده، يحفظ الله عز وجل له كرامته بخلاف الكافر والفاجر. وهذا قليل من كثير مما تكون به العظة ومن مشاهد الاعتبار التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.