الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 92، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مفهوم الصراط المستقيم في الإسلام ويبين أنه الطريق الواضح والمعتدل. كما يفسر قوله تعالى 'صراط الذين أنعمت عليهم' ويبين أن المنعم عليهم هم المؤمنون.
يشرح المقطع من هم المنعم عليهم والمغضوب عليهم والضالين، موضحًا أن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون بعد تحريف دينهم. كما يبين أن اتباع الأهواء والبدع يؤدي إلى الضلال.
يتناول المقطع مفهوم الرهبانية والبدع في الدين، ويشرح كيف أن اتباع الأهواء والبدع يؤدي إلى الضلال عن الصراط المستقيم. كما يبين أن أهل الإسلام هم أهل الصراط المستقيم.
المقطع يشير إلى وضوح باقي الكلام وعدم الحاجة لتفصيله، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم بكل شيء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أن يسر الهداية إلى الصراط المستقيم الذي أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فإنه عنا بقوله: ﴿الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ﴾. الثلاث أمم الذين كانوا في عصره، وهم النصارى واليهود وعباد الأصنام، ولم يكن في زمانه غير هؤلاء الثلاث الأمم. فالمنعم عليهم نحن النصارى، والمغضوب عليهم فلا يشك أنهم اليهود الذين غضب الله عليهم في كتب التوراة والأنبياء وهذا الكتاب، والضالين فهم عباد الأصنام الذين ضلوا عن الله. فهذا أمر واضح بين ظاهر عند كل أحد، ولا سيما عند ذوي العقول والمعرفة. والصراط هو المذهب، أي الطريق. وهذه اللفظة رومية، لأن الطريق بالرومية أصطراط. قال: «والجواب: أما قولهم: المنعم عليهم نحن النصارى، فمن العجائب التي تدل على فرط جهل صاحبها. وأعجب من ذلك قولهم: إن هذا شيء بيّن واضح عند كل أحد، سيما عند ذوي العقول والمعرفة». فيا سبحان الله، ألم يعرف العام والخاص علمًا ضروريًا لا تمكن المنازعة فيه من دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين أمته الذي تلقوه عنه من تكفير النصارى وتجهيلهم وتضليلهم واستحلال جهادهم وسبي حريمهم وأخذ أموالهم، ما يناقض كل المناقضة أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في كل صلاة يقولون: «اللهم اهدنا صراط النصارى». وهل ينسب محمد صلى الله عليه وسلم وأمته إلى أنهم في كل صلاة يطلبون من الله يهديهم صراط النصارى إلا من هو من أكذب الكذابين وأعظم الخلق افتراءً ووقاحة وجهلًا وضلالًا؟ ولو كانوا يسألون الله هداية طريق النصارى لدخلوا في دين النصارى ولم يكفروهم ويقاتلوهم ويضعوا عليهم الجزية التي يؤدونها عن يد وهم صاغرون، ولم يشهدوا عليهم بأنهم من أهل النار. وأمته أخذوا ذلك جميعهم عنه منقولًا عنه بالنقل المتواتر بإجماعهم، لم يبتدعوا ذلك كما ابتدعت النصارى من العقائد والشرائع ما لم يأذن به الله. فلا يلام المسلمون في اتباعهم للرسول الله الذي جاء بالبينات والهدى. ومحمد إن كان رسولًا صادقًا فقد كفر النصارى وأمر بجهادهم وتبرأ منهم ومن دينهم، وإن كان كاذبًا لم يقبل شيء مما نقله عن الله عز وجل. وقد تقدم غير مرة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فمن يقول عن النصارى مثل هذه الأقوال، هل يأمر أمته في كل صلاة أن يقول: «اهدنا طريقهم»؟ ثم يقال: أي شيء في الآية مما يدل على أن قوله «صراط الذين أنعمت عليهم» هم النصارى؟ وإنما المنعم عليهم هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فهؤلاء هم الذين أمر الله عباده أن يسألوا. وأما النصارى الذين كانوا على دين المسيح قبل النسخ والتبديل، فهم من المنعم عليهم، كما أن اليهود الذين كانوا على دين موسى قبل النسخ والتبديل كانوا من المنعم عليهم. وأما النصارى بعد النسخ والتبديل، فهم من الضالين لا من المنعم عليهم عند الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وعباد الأصنام من الظالمين المغضوب عليهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون». رواه الإمام أحمد والترمذي عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وسبب ذلك أن اليهود يعرفون الحق ولا يعملون به، والنصارى يعبدون بلا علم. وقد وصف الله اليهود بأعمال والنصارى بأعمال، فوصف اليهود بالكبر والبخل والجحود والقسوة وكتمان العلم وسلوك سبيل الغي وهو سبيل الشهوات والعدوان. وذكر عن النصارى الغلو والبدع في العبادات والشرك والضلال واستحلال المحارم. الله فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ليسنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون. ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابًا أليمًا ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا. وقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. أي: لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، لم نكتب عليهم الرهبانية، بل هم ابتدعوها. ومع ابتداعهم إياها فما رعوها حق رعايتها. وكل بدعة ضلالة، وهم مذمومون على ابتداع الرهبانية وعلى أنهم لم يرعوها حق رعايتها. وأما ما كتب عليهم من ابتغاء رضوان الله فيحصل بفعل ما شرعه الله لهم من واجب ومستحب، فإن ذلك هو الذي يرضاه. ومن فعل ما يرضاه الله فقد فعل ما كتب عليه. ويحصل رضوان الله أيضًا بمجرد فعل الواجبات، وهذا هو الذي كتب على العباد. فإذا لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، كان ابتغاء رضوانه واجبًا. فما ليس بواجب لا يشترط في حصول ما كتب عليهم. ولهذا ضعف أحمد بن حنبل وغيره الحديث المروي: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله». فإن من صلى في آخر الوقت كما أمر فقد فعل الواجب، وبذلك يرضى الله عنه. وإن كان فعل المستحبات والمسابقة إلى الطاعات أبلغ في إرضاء الله. ويحصل له بذلك من رضوان الله ومحبته ما لا يحصل بمجرد الواجبات، كما قال موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: من عاد لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة. وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي. فلئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبد المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه». فقوله: «حتى أحبه» يريد المحبة المطلقة الكاملة. وأما أصل المحبة فهي حاصل بفعل الواجبات، فإن الله يحب المتقين والمقسطين. ومن أدى الواجبات فهو من المتقين المقتسطين. وقال تعالى فيهم: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. بل ما وضعه لهم أكابرهم من القوانين الدينية والنواميس الشرعية، بعضها ينقلونه عن الأنبياء، وبعضها عن الحواري، وكثير من ذلك ليس منقولًا لا عن الأنبياء ولا عن الحواريين، بل من وضع أكابرهم وابتداعهم. كما ابتدعوا لهم الأمانة التي هي أصل عقيدتهم، وابتدعوا لهم الصلاة إلى الشرق، وابتدعوا لهم تحليل لحم الخنزير وسائر المحرمات، وابتدعوا لهم الصوم وقتًا الربيع وجعلوه خمسين يومًا، وابتدعوا لهم أعيادهم: عيد الصليب وغيرهم من الأعياد. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما سمعه يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فقال: «لم يعبدوهم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحرام فأطاعوهم. فكانت تلك عبادتهم». ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِتَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. فإنهم اتبعوا أهواء أكابرهم الذين مضوا من قبلهم. وأولئك ضلوا من قبل هؤلاء الذين مضوا من قبلهم. وأولئك ضلوا من قبل هؤلاء، وأضلوا أتباعهم، وهم كثيرون. وظلوا عن سواء السبيل، وهو وسط السبيل، وهو الصراط المستقيم. فكيف يجوز أن يأمر الله عباده أن يسألوه أن يهديهم الصراط المستقيم، ويعني به صراط هؤلاء الضالين المضلين عن سواء السبيل، وهو الصراط المستقيم؟ وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ هَؤُلَاءِ﴾. لأن أصل ابتداعهم هذه البدعة من أنفسهم، مع ظن كاذب، فكانوا ممن قيل فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾. وممن قيل فيه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾. وسبب ذلك أن المسيح صلى الله عليه وسلم لما رفع إلى السماء، وعاداه اليهود وعادوا أتباعه عداوة شديدة، وبالغوا في أذاهم وإذلالهم وطلب قتلهم ونفيهم، صار في قلوبهم من بغض اليهود وطلب الانتقام منهم ما لا يوصف. فلما صار لهم دولة وملك مثل ما صار لهم في دولة قسطنطين، صاروا يريدون مقابلة اليهود كما جرت العادة في مثل ذلك بين الطوائف المتقابلة المتنازعين في الملك والمتنازعين في البدع، كالخوارج والروافض والجبرية مع القدرية، والمعطلة مع الممثلة، وكالدولتين المتنازعتين على الملك والأهواء. بمنزلة قيس ويمن وأمثال ذلك، إذا ظهرت طائفة على الأخرى بعدما آذتها الأخرى وانتقمت منها، تريد أن تأخذ بثأرها، ولا تقف عند حد العدل، بل تعتدي على تلك كما اعتدت تلك عليها. فصار النصارى يريدون مناقضة اليهود، فأحلوا ما يحرم اليهود كالخنزير وغيره. وصاروا يمتحنون من دخل في دينهم بأكل الخنزير، فإن أكله وإلا لم يجعلوه نصرانيًا. وتركوا الختان، وقالوا: إن المعمودية عوضًا عنه. وصلوا إلى قبلة غير قبلة اليهود. وكان اليهود قد أسرفوا في ذنب المسيح عليه السلام، وزعموا أنه ولد زنا وأنه كذاب ساحر. فغلوا هؤلاء في تعظيم المسيح، وقالوا: إنه الله وابن الله وأمثال ذلك. وصار من يطلب أن يقول فيه القول العدل، مثل كثير من علمائهم وعبادهم، يجمعون له مجمعًا ويلعنونه فيه على وجه التعصب واتباع الهوى والغلو فيمن يعظمونه. كما يجري مثل ذلك لأهل الأهواء، كالغلات في بعض المشايخ وبعض أهل البيت وبعض العلماء وبعض الملوك وبعض القبائل وبعض المذاهب وبعض الطرائق. فإنما كان مصدر ضلالهم أهواء أنفسهم. قال تعالى للنصارى الذين كانوا في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُ' عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وأما قولهم: «إن الصراط هو المذهب، أي الطريق. وهذه لفظة الرومية، لأن الطريق بالرومية استراطة». يقال لهم: الصراط في لغة العرب هو الطريق. يقال: هو الطريق الواضح. ويقال: هو الطريق المحدود بجانبين الذي لا يخرج عنه. ومنه الصراط المنصوب على جهنم، وهو الجسر الذي يعبر عليه المؤمنون إلى الجنة. وإذا عبر عليه الكفار سقطوا في جهنم. ويقال: فيه معنى الاستواء والاعتدال الذي يوجب سرعة العبور عليه. وفيه ثلاث لغات، هي ثلاث قراءات: الصراط، والسراط، والزراط. وهي لغة عربية عرباء، ليست من المعرب، ولا مأخوذة من لغة الروم كما زعموا. ويقال: أصله من قولهم: «سرط الشيء أسرطه سرطًا إذا ابتلعته. واسترطته: ابتلعته». فإن الممتلع يجري بسرعة في مجرى محدود. ومن أمثال العرب: «لا تكن حلوًا فتسترط، ولا مرًا فتعفى». من قولهم: «أعفيت الشيء إذا أزلته من فيك لمرارته». ويقال: «قوم يسترطون أو يسترط ما يأخذون من الدين». وحكى يعقوب بن السكيت: «الأخذ سريط، والقضاء سريط». والسرطان أو السرطات: الفالوذج، لأنه يسترط استراطًا. وسيف سراطي: أي قاطع، فإنه ماض سريع المذهب في مضربه. فالصراط هو الطريق المحدود المعتدل الذي يصل سالكه إلى مطلبه بسرعة. وقد ذكر الله لفظ الصراط في كتابه في غير موضع، ولم يسمِ الله سبيل الشيطان صراطًا، بل سماها سبلًا. وخص طريقه باسم الصراط، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وفي السنن عن عبد الله بن مسعود قال: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله. ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه السبل. على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. من أجابه قذفه في النار. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. فسمى سبحانه طريقه صراطًا، وسمى تلك سبلًا، ولم يسمها صراطًا كما سماها سبيلًا وطريقًا. وسميه سبيلًا كما يسميه صراطًا. وقال تعالى عن موسى وهارون: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. وهذه الهداية الخاصة التي أعطاها إياها بعد فتح الحديبية أخص مما تقدم، فإن السالك إلى الله لا يزال يتقرب إليه بشيء بعد شيء، ويزيده الله هدى بعد هدى، وأقوم الطريق وأكملها الطريق التي بعث الله بها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. هذا الفصل كما ترون ظاهر في الرد على شبهتهم الباطلة التي كما قال رحمه الله هي من أعظم الكذب والإفتراء والوقاحة والجهل والضلال. وما ذكره من أحاديث كما قال رحمه الله كلها صحيحة مما استدل بها. وما أشار إليه من الحديث الذي ضعفه الإمام أحمد كما قال وأشار المعلب. وهكذا ما ذكره من غلوهم وبيان الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة، وواقع حالهم أنهم أهل كفر وشرك وضلال. فكيف يمكن أن يكون هم الذين أنعم الله عليهم؟ فهذا أمر ظاهر. وحالهم كذلك فيما ابتدعوه من بدع وشركيات وضلالات وغير ذلك يؤكد هذا المعنى. والغلو الذي هم فيه وما ذكره من الأمثلة في نزاع الطوائف المتقابلة المتنازعة يريد أن يمثل أن أهل الإسلام وسط بين غلو الغالين وإفراط المفرطين الظالمين. وقوله: «منزلة قيس ويمن» إشارة إلى مراجع من مراجع العرب الكبيرة تذكر فيها قصص وأخبار من القتال والنزاع فيمن لكل من سكن جهة اليمن من قبائل، وقيس لكل من كان خارج ذلك. وباقي الكلام ظاهر طيب. والله تعالى أعلم.