القواعد والأصول الجامعة 89

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 89، الدرس التاسع والثمانون : من : ( القاعدة الخمسون ... لكنه جاء تبعاً لقبول قولها في الرضاع وأمثلته كثيرة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في القواعد الفقهية وأمثلتها

يبدأ الدرس بشرح قاعدة فقهية هامة وهي أن بعض الأشياء لا تجوز استقلالا ولكن تجوز تبعا، مع تقديم أمثلة على ذلك. كما يتناول بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالصلاة وبيع الثمار والشراكة في الممتلكات.

تفاصيل فقهية في متابعة الإمام والشراكة والبيع

يتناول المقطع عدة أحكام فقهية، منها متابعة المأموم للإمام في سجود السهو، وجواز بيع الثمار عند بدء صلاحها، وإجبار الشريك على العمارة في الممتلكات المشتركة إذا كان ذلك ضرورياً لتجنب الضرر.

تطبيقات القواعد الشرعية في مسائل فقهية مختلفة

يناقش المقطع بعض التفاصيل الفقهية المتعلقة بالقواعد الشرعية مثل إجبار الشريك على البيع عند الضرر، وقبول قول المرأة في الرضاع، والفرق بين الطلاق والفسخ والخلع، مع تقديم أمثلة على القواعد الشرعية التي تثبت تبعا ولا تثبت استقلالا.

أهمية القواعد الشرعية في فهم الشرع وتطبيقه

القاعدة الشرعية تنص على عدم الجمع بين المتناقضين وعدم التفريق بين المتماثلين، وتعد قاعدة واسعة يستفيد منها طالب العلم والمفتي في مسألة الإفتاء، وتفتح أبوابا كثيرة في فهم الشرع وتطبيقه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: القاعدة الخمسون: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. هذه القاعدة هي قاعدة من القواعد الفرعية، وتعبر بتعابير، وأحيانا يقال فيها: يغتفر في الشيء ضمنا ما لا يغتفر فيه استقلالا. وأحيانا يقال فيها: الدفع أقوى من الرفع. وهي من معاني هذه القاعدة، وإن كان ببعض تلك القواعد شيء من الزيادات. وأشهرها هذه القاعدة التي ذكرها المؤلف رحمه الله: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. ولهذه القاعدة أمثلة وأدلة، وسيأتي الإشارة إليها إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: وذلك أن المسائل والصور التابعة لغيرها يشملها حكم متبوعها، فلا تفرد بحكم. فلو أفردت بحكم لثبت لها حكم آخر. يعني أن بعض الأشياء لوحدها يكون لها حكم، ومع غيرها يكون لها حكم ذلك الغير. وهذا هو معنى يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. فمثاله، مثلا وهو دليل في نفس الوقت: لا يجوز للمحرم استعمال الطيب ما دام محرما، ولكن إذا كان الطيب قد فعله في جسده أو في شعره قبل أن يدخل في الإحرام، فإبقاء الطيب على هيئته جائز. انظر الفرق: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. لما كان الطيب من قبل كان جائزا استمرار بقائه، ولو أراد أن يأتي بالطيب ويضعه الآن بعد أن دخل بالإحرام لا يجوز. والدليل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها من الحديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تطيب عند إحرامه، أي قبل الإحرام، وضُقِيَ أثر الطيب في مفرق رأسه عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على صحة هذه القاعدة، وهذا دليل من أدلتها. وهذا مثل آخر، وهو دليل آخر كذلك: نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصلى عند غروب الشمس، وعند شروقها. أي أن يبتدأ الصلاة ويتنفل بذلك. لكن لو صلى مثلا العصر في آخر وقت العصر فوافقت بعض ركعات العصر قبل الغروب، فإنه لا بأس من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. فحديث أبي هريرة مع حديث عائشة في هذا المعنى لا يعارض حديث «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» أخرجه مسلم وغيره بالصحيحين وغيرهما. فالجمع بينهما هذا يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. قال رحمه الله: وهذا هو الموجب لكون كثير من التوابع تخالف غيرها، ويقال فيها: إنها ثابتة على وجه التبع. ولهذا أمثلة كثيرة. ومعنى كلامه: أن هذا هو الذي كان لأجله التفريق بين المسائل. كثير من التوابع تخالف غيرها. يعني مثلا كيف الطيب الآن هنا باقي في المحرم وهو محرم، لا يجوز له أن يمس الطيب، بينما آخر يأتي إنسان آخر وعليه طيب ويقال له: اغسل الطيب من على جسدك. الفرق أن هذا فعل الطيب قبل الإحرام، فجاز له إبقاء الطيب في جسده، والثاني فعل الطيب بعد الإحرام أمر بغسله، ولا يجوز له أن يبقيه في جسده. هذا هو الفرق: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. ثم أشار إلى أن لها أمثلة كثيرة. قال: منها كثير من أفعال الصلاة وترتيبها، لو فعلها المصل وحده أبطلت صلاته، أو أبطلت الصلاة، فإذا كان مع الإمام وجب عليه متابعة إمامه، وسقط وجوب المذكورات لأجل المتابعة. وتحت هذا المعنى العام أمثلة كثيرة. قال: كالمسبوق بركعة في رباعية، محل تشهده الأول بعدما يصلي ركعتين، لكنه سيقوم مع إمامه في ذلك الموضع. كما أنه يتشهد تشهد الأول مع إمامه بعدما يصلي واحدة. واضح. يعني الآن الأصل لو أن الرجل صلى وحده، هل يجوز أن يتشهد في الركعة الأولى؟ ما يجوز. لكن إذا صلى الرجل الذي أدرك الإمام وقد فاتته ركعة، سيتشهد في الركعة الأولى. لماذا جاز له أن يتشهد في الركعة الأولى؟ لأنهم أموم: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. وهكذا كذلك قل في سائر ما هو بمعنى ذلك. قال: ولو سهى إمامه لزم المأموم متابعته في سجود السهو، ولو لم يسه المأموم. مثاله: الإمام سهى في الركعة الأولى، وجاء المأموم في الركعة الثانية. هل أدرك المأموم هذا السهو؟ الجواب: لا. ما أدرك هذا السهو ولا عرفه أصلا. بينما الإمام لما سلم وقبل أن يسلم مثلا سجد سجود السهو، لزم المأموم ما دام أن السهو كان قبل السلام أن يتابع الإمام بهذا أو في هذا السهو. إنما جعل الإمام ليؤتم به. قال رحمه الله تعالى: لكن وجب عليه تبعا لإمامه. وجب عليه هذا الأمر تبعا لإمامه، لأن الإمام فعل ذلك. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى فصلوا كما يصلي». قال: ومنها إذا بدأ صلاح الثمر جاز بيع الجميع. وبدو الصلاح ليس شرطه أن يكون للجميع. لفظ الحديث ولفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهم أعرف الناس بواقع العمل بهذه الأحاديث. وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع الثمر حتى يطيب، كما في الصحيحين عن جابر وعن أنس. وجاء كذلك عن زيد وعن جماعة من الصحابة. وجاء كذلك في حديث ابن عمر: نهى عن بيع النخل حتى يزهو، عن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. في رواية: حتى يحمار أو يصفار. ولاحظ قوله: يحمار أو يصفار. فهذه الصيغة تدل على أنه لا يشترط استكمال وصف الإحمرار ولا استكمال وصف الإصفرار. فهذه الصيغة عند العرب تدل على التدرج في وجود هذا الوصف، ليس على وجه الكمال. يعني: حتى يحمار يظهر فيه الحمار، ويصفار يظهر فيه الصفار بعد أن لم يكن. ولا يشترط أن يكون في جميع البستان على الصحيح. إذا كانت هذه المزرعة فيها مثلا مئة نخلة، فظهر في أكثر النخل هنا قليل وهنا قليل وهنا قليل بدأت تحمار وتصفار، هل يجوز بيع التمر؟ نعم يجوز أن تباع. ما دامت قد بدأت فيها الحمرة والصفرة. فقوله: منها إذا بدأ صلاح التمر جاز بيع الجميع. على هذه القاعدة. لكن إذا أردت أن تبيع النخلة التي لم يبدو صلاحها، هل يجوز؟ الجواب: لا. من يجوز أو أردت أن تبيع ذاك العذق الذي لم يبدو صلاحه، هل يجوز؟ الجواب: لا. لا يجوز ما دام في الشجرة. لا يجوز أن يباع قبل بدو صلاحه. مع ما سبق معنا في مسائل سابقة: أنه إذا وضع على الأرض فيه يجوز لأنه أمن من العاهة بقطعه. قال: لم يبدو وكان الذي لم يبدو صلاحه تبعا لما بدى صلاحه. لأنه قال بالحديث: حتى يحمار وليس شرق كله. قال: وكذلك لا يجوز بيع المجهولات التي لم توصف ولم يرها المشتري، لكنها إذا كانت تابعة لغيرها جاز ذلك. كأساسات الحيطان إذا بيعت الدار تدخل تبعا لبيع الدار المعلومة. لسببين: السبب الأول أنه تبع لغيره، والقاعدة: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. والسبب الثاني: أن هذا المجهول يعلم بذاك الظاهر الذي في الأعلى في الغالب. فالحاصل أن هذا مثال آخر لهذه القاعدة. فنهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع الغرر، وهو كل بيع فيه جهالة. لكن في هذا الموضع يجوز لأنه تبع لغيره. لو أراد أن يشتري أساس مخفي ما يظهر، يجوز؟ الجواب: لا. لكن لو أراد أن يشتري القطعة قطعة الأرض بما فيها هذا الساس المخفي، الجواب: يجوز ذلك. قال: ومنها إجبار الشريك مع شريكه. نعم. قال: ومنها إجبار الشريك مع شريكه على العمارة في الأشياء المشتركة، مع أن لو كان وحده لم يجبر على التعمير. مثاله: شريك تضرر وعنده شريك له. فالضرر يقضي إعمار هذا البناء. ربما يكون واحد ساكن والآخر غير ساكن. فيقال: ما دمت شريكا ولو لم تسكن، فأنا أريد أن أرفع لابد أن ترفع معي. بينما لو كان وحده هو غير متضرر ولا منتفع ولا يحتاج الآن إليه لا يلزم، ولا أحد يلزمه بالتعمير. قال: وكذلك إجباره على البيع إذا طلبه الشريك فيما تضر قسيمته إذا حصل الضرر في القسمة. وكذلك لزم البيع. فإن الشريك كذلك يبيع لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». لا يجوز لمسلم أن يضر بأخيه المسلم. مثاله: لو أن رجلا عنده شريك مثلا في دكان، فحصل لهذا الشريك إفلاس. أحد الشريكين فالآن يخير هذا الشريك بين أمرين: بين أن يشتري نصيبه أو يبيع. وإذا باع لن يباع لن يباع نصفه، لابد أن يباع كاملا. فإذا لابد أن يبيع حتى يدفع الضرر عن شريكه. لا ضرر ولا ضرار. قال: ومن ذلك نقبل قول المرأة الثقة في الرضاع، ويترتب على ذلك انفساخ النكاح. مع أن المرأة لا يقبل قولها في الطلاق. المرأة لا يقبل قولها في الطلاق لأنها ليست محل هذه الشهادة. واستدل على ذلك بأدلة من الكتاب ومن السنة. هو أن شهادة المرأة حصرت في الأموال، فعلم أن هذا الحصر يفيد أن ما سوى ذلك هو مما لا يجوز. أي أن تشهد أن تستشهد أو أن تشهد في ذلك. وأما ما كان من خصائص النساء فإنه يجوز مثل الرضاع. وقد ثبت دليله في حديث عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم يحيى بنتي أبي إيهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما. إني قد أرضعتكما. يعني: أنت وهذه البنت. وهذه المرأة فأتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كيف هو قد قيل؟ ففارقها عقبة حتى تزوجت رجلا آخر. والحديث في الصحيح. فهذا يدل على أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع. طيب إذا كان في الرضاع، ماذا يترتب على الرضاع؟ يترتب على الرضاع انفساخ النكاح. لأن هذه ستكون أخته من الرضاع. إذن لا يستمر النكاح. يفصل. ينفسخ النكاح. والفسخ هو أحد صور الفراق بين الزوجين. وكم صور الفراق بين الزوجين؟ الجوابان: عين. ها عند الفسخ والطلاق والخلع. فالخلع هو من المرأة، والطلاق من الرجل، والفسخ من القاضي أو الحاكم. فإن هذه ثلاث صور للفرقة بين الزوجين. قال رحمه الله تعالى: ويترتب على ذلك انفساخ النكاح، مع أن المرأة لا يقبل قولها في الطلاق، لكنه جاء تبعا لقبول قولها في الرضاع. وطبعا هناك تفاصيل في مسألة الطلاق فيما بين الزوجين، ليس هذا الموضع موضع ذكرها. قال: لكنه جاء تبعا لقبول قولها في الرضاع. وأمثلته كثيرة. يعني أمثلة هذه القاعدة كثيرة جدا. فمثلا على سبيل المثال من الأمثلة الواقعية التي يحتاجها الناس: لا يجوز أن تحرق حيوان بالنار بعينه. لا يجوز. لا يعذب بالنار إلا رب النار. لكن إذا أحرقت مزرعة لسبب شرعي أجازة لك ذلك. فيدخل إحراق هذه تبعا. مثل ما أحرق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نخل بني النضير. فإنه أحرق نخل بني النضير. ولا شك أن في إحراق نخل بني النضير إحراق لبعض ما فيها من مخلوقات. لكنه لما كان تبعا فيثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. والحديث الصحيح من حديث ابن عمر. وهكذا كذلك مثلا: لا تجوز النيابة في الصلاة. النيابة في الصلاة لا تجوز. الأصل بهذا الباب التوقف. لكن من حج عن غيره، هل سيصلي ركعتين طوافا؟ نعم سيصلي. وهذه لمن لذاك صاحب الحجة. لكن ما صلى الله منفردة. فيثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. وهكذا كذلك من أمثلته كذلك مثلا: لا يجوز للإنسان أن يضر بنفسه مباشرة. فإذا كان الإضرار بنفسه هذا تبعا لمصلحة وإصلاح شيء آخر فجاز ذلك. مثل عمليات الجراحة ونحوها. ومنه كذلك صنيع الخضر عليه السلام فيما فعل في السفينة، وما كان بمعناها. فهو تبع لغيره. فمثل هذا منفردا لا يجوز، وتبع لغيره يجوز. والشاهد أن هذه القاعدة قاعدة واسعة، ويستفيد منها طالب العلم وكذلك المفتي أبوابا كثيرة تفيده في مسألة الإفتاء. فالشرع لا يجمع بين المتناقضين، ولا يفرق بين المتماثلين. طيب. نفسه. انتهى إلى هنا. والله تعالى أعلم.