الدرس الثالث والستون:من( باب ما جاء في التنجيم ... فيجب التفريق بين ما نهى عنه الشارع وحرمه وبين ما أباحه أو استحبه أو أوجبه فالأول هو المنافي للتوحيد دون الثاني ).
يناقش الشيخ التحذير من التنجيم وكيف يخالف التوحيد، موضحًا أن علم التأثير باطل وينافي التوحيد. كما يبين فساد هذا الفعل دينًا وعقلاً.
يشرح المقطع الفرق بين علم التأثير الباطل وعلم التسيير المباح، موضحًا أن علم التسيير مفيد لمعرفة الجهات والأوقات. يُستخدم لمعرفة أوقات العبادات والاهتداء.
التفاؤل بالنجوم دون اعتقاد تأثيرها جائز، بينما اعتقاد تأثيرها شرك. يُبين أهمية التفريق بين الأمرين وأن النجوم ليست أسبابًا لكشف الغيب.
القراءة في الأبراج منافية للشرع والعقل، وينصح بعدم إضاعة الوقت بها والانشغال بما ينفع. تعتبر هذه القراءة غير مفيدة وينبغي تجنبها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب التوحيد، قال: باب ما جاء في التنجيم. قال: التنجيم نوعان، نوع يسمى علم التأثير، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية، فهذا باطل، ودعوى لمشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به، أو تصديق لمن ادعى ذلك، يعني من الكهان والسحرة وغيرهم. وهذا ينافي التوحيد؛ لما فيه من هذه الدعوة الباطلة، ولما فيه من تعلق القلب بغير الله، ولما فيه من فساد العقل؛ ففيه فساد للدين وفساد للعقل. أما فساد الدين؛ لكونه يقع في الشرك الأكبر أو الأصغر مما ينافي التوحيد، ويتعلق قلبه بغير الله خوفًا ورجاء، وهذا ينافي التوحيد؛ أما ينقضه وأما ينقصه على حسب ما يقع من شرك أكبر أو أصغر. وقد علمنا أنه قد يكون بتعلق علم الغيب أو باعتقاد النفع والضر. وأما فساد العقل؛ لأنه لم يعرف لا بالتجربة ولا بالحس ولا بكل دليل يدركه العقل أن هذا من مضان الخير والشر أو به يعلم الغيب، فلم يسعف هذا المعتقد لا دليل شرعي ولا عرفي ولا عقلي ولا غير ذلك؛ فصار في هذا هدم وتعطيل للعقل وتسفيه له؛ إذ إن الإنسان عمومًا، حتى لو كان كافرًا، لو أنصف نفسه لم يجد بدًا إلا أن يكذب طريق المنجمين ومن سلك مسلكهم؛ فهو من السفه الذي لا يليق بالعقلاء التعامل به. ولكن أكثر من يقع في ذلك هو كونه من عوائد الناس ومما جرى عليه عملهم واعتقادهم؛ فتتابعوا عليه وعطلوا عقولهم؛ فصار بهذا تسفيه للعقل. فمثلًا هؤلاء الذين يتعاملون بما يسمى بالأبراج وحظ الإنسان فيه، تجدون اليوم في بعض المجلات والجرائد في الصفحات الأخيرة منه: ابحث عن برجك، ويبدأون يذكرون: أنت من مواليد متى، فإذا كان كذا فأنت من برج العقرب أو الأسد أو الدلو أو كذا وكذا، وإذا كان كذا فمعناه كذا وسيكون لك كذا وكذا، وأشياء العاقل لو قرأ مثل هذا الكلام يعرف أنه سفه وكلام فارغ. ولكن تتابع الناس عليه؛ لأجل أكثر ما يكون متابعة أكثر الناس فيما وقعوا فيه، وكذلك عدم اكتراث بكونه يخالف الشرع؛ فصار مثل التسلية لبعض الناس. وهذا الباب لا ينبغي التساهل فيه، بل الواجب أن يحفظ المسلم على عقيدته وعقيدة غيره من المسلمين، بل ويحرص على أن يبين لمن لم يتضح له ذلك، حتى من الكفار أن يدعوهم إلى التوحيد، وأن هذا ينافي ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان إن أراد طريق الاستقامة. قال: لأن سلوك الطرق الباطلة وتصديقها من مفسدات العقول والأديان، ولهذا يصير كما يقال: مناقضة؛ كون الرجل يدعي العقل وهو يفعل ما هو سفه، وهو يدعي أنه مسلم ومؤمن ويفعل ما ينافي الإسلام والإيمان. قال: النوع الثاني: علم التسيير، وهو الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات، فهذا النوع لا بأس به، بل كثير منه نافع. ومعنى أن بعضه غير نافع: كمن يتوسع فيه في أشياء لا حاجة لها؛ قد حث عليه الشارع إذا كان وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات أو إلى الاهتداء به في الجهات؛ فالمسلم يحتاج لمعرفة جهة القبلة وأوقات الصلوات، وكذلك في مصالحه الدينية وغيرها من الدنيوية في معرفة الجهات؛ لأجل أن يتجه إليها ونحو ذلك. وهذا قد يحتاج فيه إلى معرفة منازل الشمس والقمر والكواكب؛ بما يكون به معينًا له في هذا الخير الديني أو الدنيوي؛ فمثل هذا كما قال: لا بأس به، على ما تقدم تفصيله في كلام أهل العلم المشار. قال: فيجب التفريق بين ما نهى عنه الشارع وحرمه، وبين ما أباحه واستحبه أو أوجبه؛ فالأول هو المنافي للتوحيد دون الثاني. الأول الذي هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية. وأما أن يستدل بها في علم التسيير؛ بأن يعرف به الجهات، ويعرف به المكان، ويعرف به الزمان، ومنه كذلك تتبع المواسم؛ فيعرفون مثلًا متى يذرون حب كذا وكذا؛ لأنه يزرع في شهر كذا، بما تعودوا وجرت به التجربة، وهكذا. كذلك يعرفون مثلًا وقت الذهاب لصيد السمك الفلاني: أنه في الليل أو في النهار أو في غالبًا شهر كذا إلى كذا، وهذا بالتجربة. فما كان من هذا الباب مما له علاقة بالتسيير فهذا من المباحات، وما كان منه يفضي إلى شيء حث عليه الشرع فهو من المستحبات، وقد يكون من الواجبات؛ كمعرفة جهة القبلة إذا لم يستطع ليصل إلى ذلك إلا بهذا العلم؛ فهو واجب، وهو من الفروض الكفائية. وأما إذا كان المقصود به اعتقاد حصول خير أو شر بحركة هذه الأفلاك؛ فهذا ليس من علم التسيير، بل من علم التأثير. طيب، لو قال قائل: كون الفلاح أو الصياد يعتقد أن هذا الموسم هو موسم زراعة كذا، وأنه موسم مجيء وظهور الصيد الفلاني كذا؛ فهل هذا معناه أنه اعتقد أن النجم يجلب ذلك؟ الجواب: لا، ما يلزم؛ لأنه وقت قد جرب وعرف فيه أنه يكون فيه هذا الشيء؛ فكونه يجعله للتسيير على الوجه الأغلب، مع اعتقاده أن الأمر لله أولًا وآخرًا، فهو قادر سبحانه وتعالى أن يأتي بالشيء في غير وقته، وأن يمنع الشيء في وقته؛ فإذا كان كذلك فهذا لا يضر ولا ينافي ما يجب في هذا المقام. وأما إذا كان معه الفرح بورود هذه النجوم، وكذلك التفاؤل بها؛ فهذا من الشرك الأصغر، وقد يصل إلى الشرك الأكبر؛ لأن هذه النجوم لا تجلب خيرًا ولا تدفع شرًا، كما أنها ليست علامات لكشف الغيب؛ لم يجعلها الله عز وجل أسبابًا لذلك. فنفرق بين الأمرين؛ فالثاني من علم التأثير المنهي عنه، والأول من علم التسيير المباح والجائز. وهذا هو قوله: فيجب التفريق بين ما نهى عنه الشارع وحرمه، يعني مما له علاقة بعلم التأثير؛ بأن يعتقد أن لحركة الأحوال الفلكية تأثير على الحوادث الكونية. مثل كذلك أمر المطر والرياح؛ فكما قال في حديث زيد بن خالد: «من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب». ومثل ذلك إذا هبت الرياح؛ فيقال مثلًا: طلع النجم الفلاني؛ فهذا كذلك يكره؛ لأنها قد تهب بغير النجم الفلاني؛ لأن هذا اعتقاد أنه أن للنجوم تأثير، وفي الحقيقة ليست النجوم تأثير؛ لكن النجوم علامات قد يحصل المقصود الذي جرب الناس وقوع ذلك معه؛ كأن يكون مثلًا في الأشهر الفلانية تأتي رياح الخريف، وفي الأشهر الفلانية يأتي وقت الشتاء، وفي أشهر كذا وكذا يأتي حر الصيف؛ فمثل هذا أوقات، وهو كذلك ليس على وجه اليقين، ولكنه أغلب. وقد ذكر أهل المعرفة من أهل العلم أن منازل القمر، بل منازل النجوم عمومًا، في الغالب أنها منضبطة؛ أي في منازلها، ولكنه غير مضطرد؛ فهذه المنازل تقريبية وليست طردية. ومن أراد أن يعرف برهان ذلك يقرأ في جداول المنازل؛ النجوم تعرفون في بعض القرى، تجدون عندنا هنا وهكذا في بعض البلاد المجاورة؛ يعلقون في المساجد جداول المنازل؛ النجوم فيجعلون كما قلنا كل ثلاثة عشر يومًا يعني لموسم خاص؛ فهي أنجم وتدخل هذه الأنجم فيما هو أكبر منها، ثم يذكرون أنه في نجم كذا يكون كذا وكذا وكذا من الصفات التي يذكرونها، وهي تقريبية وليست طردية. فمثلًا كون الخريف يبدأ بشهر ستة وسبعة مثلًا؛ هل هذا مضطرد أنه يبتدأ في أول الشهر إذا دخل أول يوم، كأن أحدًا فتح الباب بالمفتاح وظهر الخريف؟ هل هذا صحيح؟ ليس بصحيح، بل هو تقريبي؛ قد يأتي قبله بعشرة أيام، بخمسة أيام، يومًا، بل أحيانًا بشهر، وقد يتأخر، بل قد يحصل ببعض السنوات أنه لا يكاد يعرف الناس الخريف الذي اعتادوه، وغير ذلك مما هو أدق من باب أولئك؛ فمنازل النجوم تقريبية وليست طردية؛ فلذلك ليس من الشرع ولا من العقل اعتقاد التأثير في تلك الأحوال الفلكية؛ أن لتلك الأحوال الفلكية وتغيراتها تأثيرًا على الحوادث الأرضية أو الكونية عمومًا؛ فهذا ليس يدل عليه لا شرع ولا عقل، بل حتى ولا العرف والتجربة. فلهذا كان كما قال رحمه الله: التفريق بين ما نهى عنه الشارع وحرمه، وبين ما أباحه أو استحبه وأوجبه؛ فالأول هو المنافي للتوحيد دون الثاني الذي هو علم التسيير؛ فهذا من المباح. طيب، هنا والله تعالى أعلم. يقول: ما حكم القراءة في الأبراج التي في الجرائد؟ كما قلنا: هذا أيش شيء نافٍ للشرع والعقل؛ فلا، فلا يضيع الإنسان وقته، حتى ولو قال: أنا أقرأ من باب الفضول؛ يقال: لا تكثر ماذا باطل أهل الباطل، وانشغل بما ينفعك، والله أعلم.