الحذر من العجلة في باب التأليف والترجمة

المحاضرة بعنوان الحذر من العجلة في باب التأليف والترجمة، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التأني في التأليف والكتابة

يُنصح بالابتعاد عن الاستعجال في التأليف والكتابة لتجنب الأخطاء والفتن. التأنّي يمنع نشر الأفكار غير الناضجة التي قد تُسبب شرًا في المجتمع.

استشارة العلماء في الترجمة

ينبغي استشارة العلماء في الترجمة لضمان دقتها وتجنب المفاسد. ليس كل أحد مؤهلاً للترجمة لما يتطلبه من فهم دقيق للغة والسياق.

تحذير من أخطاء المترجمين وسرقة المؤلفات

يجب التحذير من أخطاء المترجمين وعدم الأمانة العلمية في النقل وسرقة المؤلفات. هذا يؤدي إلى فقدان بركة العلم وفضيحة في الدنيا والآخرة.

  • 27 جمادى الأولى 1440هـ - 02/02/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

نجد أن بعض إخواننا يستعجل في باب التأليف، والعجلة في باب التأليف لم يكن من طريقة علمائنا وأمتنا. ولهذا روي عن عدد من العلماء أنه لم يؤلف ولم يكتب ولم يرَ ذلك إلا بعد الأربعين. لماذا بعد الأربعين؟ لأن حامل العلم إذا بلغ الأربعين في الغالب نضج علمه؛ العلم ينضج، المسائل التي كان مترددًا فيها كان يقول: هذا لا يجوز، ثم تعرف على أدلة ووقف على أقوال فصار يجوز؛ كان يرى هذا يجوز، وتعرف على أدلة وأقوال فصار لا يجوز؛ ووقف على كتاب، ولكن خلال سيره العلمي تعرف على كتب تخالف ذاك الكتاب، وهكذا لا يزال حامل العلم ينضج نضوجًا علميًا عمليًا، فيكبر ويكبر عنده العلم. وهكذا كذلك تزداد فيه التزكية. ولهذا يكثر في كتابات الشباب تلك الاختراقات التي تنافي أدب العلم والعلماء، فربما سببت فتنًا نفرت الناس عن الدعوة إلى الله وعن طريق أهل السنة. فما أحسن أن يتأنى الإنسان في الكتابة، وأن كذلك يحرص على حجز نفسه عن الاستعجال في التصدر؛ لأن هذا له عواقب سيئة. فأنت إذا كتبت وأخرجت ربما تندم وتتراجع، لكن ما قد خرجت من الذي يرده من المجتمع؟ هذا الذي قد كتبته وأخرجته للناس ربما صار حجة، صار حجة عليك وحجة على غيرك. أنت ربما تتراجع، تراجعك غير مقبول عند بعض من يتلقف السوء، حتى لو تراجعت تراجعك إنما ينفع المنصفين، أما أهل الباطل الذين لا يريدون الإنصاف ما يأخذون تراجعك، وإنما يأخذون ماذا؟ ما أخرجت قبل التراجع. وهذا يسبب شرًا في المجتمع، فلذلك ينبغي للإنسان أن يتأنى في هذا الباب. وهكذا كذلك باب الترجمة، وهذا يرجع لما سبق: أنه ينبغي للدعاة لله أن يكونوا على صلة كاملة بالعلماء، ومن ذلك أنك تستشيرهم حتى في الترجمة: ماذا تترجم؟ مثلًا قبل سنوات وجدت كتابًا لشيخنا الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في «أجوج ومأجوج» مترجمًا باللغة الإندونيسية، فتعجبت كيف وصل هذا الكتاب؟ ترجم هذا الكتاب؟ قلت لإخوة: من ترجم هذا الكتاب؟ قالوا: فلان. قلت: أتدرون أن هذا الكتاب لا يأذن مؤلفه أن ينشر؟ قالوا: كيف؟ قلت: هذا الكتاب له قصة؛ ألف هذا الكتاب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وله رأي في قضية «أجوج ومأجوج»، فرد عليه العلماء وأمروا بإيقاف الكتاب، فاستجاب رحمه الله وأوقف الكتاب. وذكرت لهم ما ذكر لنا شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله حين استشاره بعض طلابه أن يطبع الكتاب، فقال: «لا تطبع الكتاب». قالوا: يا شيخ، هل كان الشيخ عبد الرحمن يرى ما في الكتاب أو تراجع عنه؟ قال: «سواء رجع أو لم يرجع، فهو أوقف الكتاب، وهو لم يرضَ بنشر الكتاب، فكيف بعد ذلك في هذا الزمان نأتي وننشر الكتاب ونترجم الكتاب؟». هذا مثال فقط، فكيف ببعض الكتب التي ربما يستحسن بعض إخواننا العناوين فيترجمها، ويكون بترجمتها مفاسد كثيرة؟ فلذلك ينبغي أن يستشار العلماء فيما تترجم الكتب. وقبل ذلك ليس كل أحد ينصب نفسه للترجمة. فمثلًا سألني بعض الإخوة في بعض العبارات في الترجمة. تعرفون بعض الكلمات العربية لها أكثر من مدلول بحسب سياقها في الكلام؛ لها أكثر من مدلول بحسب سياقها في الكلام. فربما بعض الإخوة المترجمين إذا ترجم نظر إلى المعنى المشهور لهذه الكلمة، يفتح القاموس وينظر ما معنى هذه الكلمة، فترجم بظاهر معنى هذه الكلمة فيختلف المعنى. لكن إذا كان المترجم من طلبة العلم الأقوياء الناضجين العارفين بالمدلولات الدعوية والعلمية والمسائل الفقهية، فإن ترجمته ستكون متقنة وخالية من مثل تلك الأخطاء. وهكذا أعظم من ذلك أن يكون المترجم قليل المعرفة بدعوة أهل السنة. وقد ذكر لي بعض الإخوة بعض أولئك في بلاد ماليزيا ترجم كتبًا لأهل السنة وترجم كتبًا لغيرهم، وهو يظن أن الجميع أهل سنة. وهذا مثل يعني حال بعض المكثرين من التأليف الذين كانت بعض مؤلفاتهم معتمدة على غيرهم، وممن ذكر من هذا الباب السيوطي رحمه الله؛ السيوطي ممن أكثر في التأليف، لكنه لما كان يعتمد على غيره أتى بالمتناقضات في مؤلفاته؛ أتى بالمتناقضات في مؤلفاته، بعض مؤلفاته -ما شاء الله- كأن الذي أمامك شيخ الإسلام تيمية، وبعض مؤلفاته -رحمه الله- كأن الذي أمامك يعني بعض رؤوس المتصوفة؛ تناقضات. وهذا الحال من لم يفتش في العلم. وهكذا باب آخر في هذا الباب: قضية عدم الأمانة العلمية في النقل. هذا باب آخر يأتي بسبب قلة العلم وقلة الدين. ربما بعضهم يأخذ كتابًا كاملًا لبعض المشايخ ويغير العنوان ويغير اسم الشيخ فينسبه لنفسه، وهذا خطأ. والإنسان إذا سلك هذا المسلك حرم بركة العلم؛ حرم بركة العلم، ثم فضيحة في الدنيا قبل الآخرة. اليوم الدنيا صارت صغيرة بسبب كثرة التواصل وتنقل الناس، لا تظن أن هذا الذي تخفيه سيبقى خافيًا؛ مشكلة كبيرة حين يعرف الناس أن هذا الكتاب هو ليس لك، وأنك أخذته بكامله، ما غيرت إلا الغلاف والعنوان هو اسم الشيخ، حتى بعض الفهرس ما هم غير نفس الفهرس، ثم تنسبه: فلان. حتى بعض الإخوان قال: كتابة قوية، استغربنا كيف هذا الكتاب القوية! فإذا ببعض الإخوة الذين عندهم شيء من العلم بيّن لهم أن هذا الكتاب هو حقيقة لفلان. فمثل هذه الأمور ينبغي أن تجتنب، وهي تأتي من ماذا؟ من قلة العلم. وهكذا ربما معه قلة الدين.