الإيمان الأوسط  4

الإيمان الأوسط 4

الدرس في الإيمان الأوسط 4، الدرس الرابع:( ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق وشاعت في لسان الفقهاء ... فيكبه الله في النار على وجهه وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الزنديق وتوبة الزنديق

الزنديق هو من يظهر الإسلام ويبطن الكفر أو الإلحاد أو البدعة، واختلف العلماء في قبول توبته بحسب حاله والقرائن الدالة عليه. يوجد تفصيل في حكم قبول توبته.

تفاوت الإيمان والكفر ودرجاتهما

الكفر والإيمان يتفاوتان ولهما درجات، فالإيمان درجات والكفر دركات، وبعض أهل الأهواء قد يكون مؤمنا مخطئا أو منافقا زنديقا. يوجد فرق بين الإسلام والإيمان.

التفريق بين الإسلام والإيمان في القرآن والسنة

الإسلام والإيمان قد يجتمعان وقد يفترقان في بعض المواضع، وهناك أدلة قرآنية ونبوية على التفريق بينهما. يناقش المقطع هذه القضية باستفاضة.

حكم المسلم الذي تجتمع فيه صفات المنافقين

الرجل المسلم الذي تجتمع فيه صفات المنافقين قد يكون منافقا نفاقا أكبر أو مؤمنا ناقص الإيمان، والحكم يعتمد على نواياه ودرجة إيمانه. لا يمكن الجزم بالنفاق الأكبر دون معرفة النوايا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: ولما كثرت الأعاجم في المسلمين، تكلموا بلفظ الزنديق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق: هل تقبل توبته بالظاهر إذا عرف بالزندقة، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ ولفظ الزنديق لفظ يطلق، ويراد به في اصطلاح أهل العلم قديما وحديثا: من كان له ظاهر خلاف باطنه، وعلم ذلك بما كان من حاله، وعدم صدقه في توبته، فهل تقبل توبة الزنديق؟ اختلف أهل العلم في هذا. ومعنى الزنديق العام هو هذا، ولكن هو يختلف بحال زندقة هذا الزنديق، بحسب كل زمان ومكان يكون فيه الضلال، فقد تكون الزندقة إلحاد إنسان يبطن الإلحاد وعدم الإيمان بالخالق، ويظهر الإيمان، أو قد تكون الزندقة كفرا وشركا، كأن يكون من أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام نفاقا، أو من أهل الشرك والوثنية الذين دخلوا في الإسلام كذلك نفاقا، وقد يكونوا بدعة، سواء بدعة مكفرة أو بدعة غير مكفرة. وقد صح عن بعض أهل العلم تسمية مثل ذلك زندقة، فهي تختلف بحسب حال صاحبها من زمان إلى زمان، ومن وقت إلى آخر. قال رحمه الله تعالى: فمذهب مالك، وأحمد في أشهر الروايتين عنه -يعني أن هناك رواية أخرى-، وطائف من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة: أن توبته لا تقبل. والمشهور من مذهب الشافعي قبولها. وسبب الخلاف أنه قد ثبت عليه التلاعب بالتوبة، فخشية مفسدته وما قد يترتب على ذلك من تلاعبه، قال من قال: أن توبة الزنديق لا تقبل. قال: والمشهور من مذهب الشافعي قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وبعضها. وللعلماء حمل المروي عن أحمد: أنه ليس اختلافا بل هو تفصيل، وهذا هو الصواب في هذه المسألة -يعني قد يكون من أحوال بعض الزنادقة قبول توبتهم، وقد يكون من أحوال بعض الزنادقة عدم قبول توبتهم-، فينظر إلى القرائن والدلائل، فما كانت فيه المصلحة وتندرى به المفسدة، يقضى به، سواء قبول توبته أو عدم قبول توبته. وعلى هذا توجه الروايتان المرويتان في هذا الباب عن الإمام أحمد، وهو كذلك ينبغي أن يحمل في كلام أهل العلم، ويكون به -إن شاء الله- حصول المقصود. قال: وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصل، والتفصيل هو الأجود في هذا الباب كما تقدم. قال: والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلا جاحدا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة -يعني كالدهريين ونحوهم ممن لا يعترف بالخالق-، فبعض الدهريين والفلاسفة هم من الملاحدة، ومنه فكر الشيوعية، فهو في الحقيقة لم يأت من فراغ، إنما أتى من مذاهب سابقة من مذاهب الدهريين وبعض الفلاسفة. كما تقدم: المعنى العام هو كل من أظهر خلاف ما يبطن، سواء أبطن دينا باطلا كفريا أو أبطن إلحادا أو حتى أبطن بدعة. قال: ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة ونقلة مقالات الناس -يعني الذين ينقلون أخبار ومقولات الفرق-، قال: ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول -يعني هذا هو المشهور لأنه هو الذي كان في زمانهم في زمان أحمد وقبله مالك والشافعي-، فهذا كان المشهور في معنى الزنديق، ولا يعني ذلك عدم وجود معنى آخر، بل وجد من يقال فيه الزنديق وهو عنده بعض ما سبقت الإشارة إليه. قال رحمه الله: قال: لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك وأسره -يعني من الكفر أو النفاق-، قال: وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت الدرجات في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان. ومعنى أن الكفار والمرتدين يشتركون في أصل الكفر ويختلفون في درجته ومرتبته، قال: كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] -يعني الإيمان يزيد وينقص، والكفر يزيد وينقص، فالإيمان درجات والكفر دركات-. قال رحمه الله: وتارك الصلاة، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكب الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة، بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل:٨٨]. ومعنى أن الله سمى النفاق -وهو التلاعب بالأديان- على ما كان عليه الكفار كفرا، وسمى تارك الصلاة كفرا، وتارك بعض الأركان كفرا، ولكنه ليس كله كفرا واحدا بل يتفاوت. ولهذا بعض ما سمى الشرع كفرا اختلف العلماء: هل هو كفر مخرج عن الملة أم هو كفر دون كفر؟ مثل خلافهم في تارك الصلاة، وكذلك ما أشار إليه من مرتكبي الكبائر، فهو إما أنه يريد أن بعض الكبائر سميت كفرا -فسباب المسلم فسوق وقتاله كفر-، فسمي كفرا، وإما مراده أن الكبائر نفسها تتفاوت، وكل المعنيين صحيح. وكما أن المسمى في الدنيا يختلف، فالعذاب في الآخرة يختلف، حتى الكفار الذين هم أهل النار يتفاوت عذابهم بتفاوت كفرهم، ومنه هذه الآية: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل:٨٨] -يعني لما كان من زيادة كفرهم عن غيرهم من الكفار في الدنيا-. قال رحمه الله: فهذا أصل ينبغي معرفته، فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيرا ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب، ولم يفرقوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالإضطرار من دين الإسلام. ومعنى هذا أصل ثاني وقد تقدم معنى الأصل الأول الذي أشار إليه: وهو انقسام الناس لثلاثة أقسام. والأصل الثاني هو ما أشار إليه هنا: من أن الكفر يتفاوت والإيمان يتفاوت، فالإيمان درجات والكفر دركات، فإذا كان كذلك يزول الإشكال في كثير من المسائل التي أطلق الشرع فيها مسمى الإيمان ومسمى الكفر، فلا يعني ذلك إثبات الإيمان المطلق على كل حال وفي كل لفظ، كما لا يعني ذلك إطلاق الكفر المطلق في كل لفظ وفي كل حال كذلك. والصحيح: التفصيل بما تجتمع به الأدلة، فلا يكون التعارض في هذا الباب. ولعدم التنبه لهذا الأصل حصل الإشكال كما ذكر رحمه الله وأشار، وسيأتي معنا -إن شاء الله- زيادة التفصيل. قال: عند بعض الناس ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر. وأما قوله: «بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام» -يعني عند عامة أهل العلم-، وقد يخفى هذا المعلوم بالاضطرار عند بعضهم لمعنى من المعاني، فضلا عن من دونهم ممن ليس له معرفة بالعلم، فالمعلوم بالاضطرار في دين الإسلام ليس هو شيئا واحدا في كل زمان ومكان ومع كل شخص وفرد، بل يختلف وكذلك يتفاوت. قال: ومن تدبر هذا علم أن كثيرا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنا مخطئا جاهلا ضالا عن بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يكون منافقا زنديقا يظهر خلاف ما يبطن. وهذا موضع من المواضع التي وقع فيها الخلاف -أي أن بعض أهل الأهواء والبدع بدعهم لا تصل بهم إلى الكفر-، وقد يكون فيهم من هو كذلك. على سبيل المثال: الخوارج، فهل الخوارج كفار كفرا يخرجهم عن دين الإسلام الصحيح؟ في هذا التفصيل: فمنهم من هو عنده من البدعة ما أنقص إيمانه وجعله من أهل الجهل والضلال والبدعة والزيغ، ولكنه لا يخرج عن مسمى الإيمان الذي يبقى به أصل الإسلام، فهو ليس كافرا كفرا أكبر مع عظيم ضلاله. ومنهم من هو كافر كفرا أكبر. قال: وهنا أصل آخر، وهو أنه قد جاء بالكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان، فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وقال تعالى في قصة قوم لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥]، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦]. وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد، وعارضوا بين الآيتين، وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى -يعني أن آية سورة الذاريات توافق آية سورة الحجرات-، فآية سورة الحجرات فرقت بين الإسلام والإيمان، فالله عز وجل نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام -أي هؤلاء الأعراب-، فحصل بهذا التفريق بين الإيمان والإسلام. وآية سورة الذاريات ذكرت الإيمان والإسلام، فظن -كما ذكر رحمه الله- بعض أهل العلم، أو كما قال على وجه أدق: بعض الناس ممن ينتسب إلى العلم: أن مسمى الإيمان والإسلام واحد، وهذا ليس بصحيح، بل هو سبب الخطأ في هذا الباب. فأصل ضلال من ضل من الوعيدية والمرجئة في باب الإيمان: هو جعلهم الإيمان والإسلام شيئا واحدا، إذا ذهب بعضه ذهب كله، إذا ذهب بعضه ذهب كله، فاستلزم عند هذا عند الوعيدية: نفي الإيمان عن المسلم، واستلزم عند هذا عند المرجئة: إثبات الإيمان لكل مسلم، وكلا القولين خطأ. فلا يثبت الإيمان لكل مسلم كما لا ينزع الإيمان عن كل مسلم، لأن الإيمان أرفع من الإسلام، فكل مسلم مؤمن وليس كل مؤمن مسلم، فإذا علمنا ذلك علمنا أن الآيتين لا تعارض بينهما كما سيوضح ويجليه رحمه الله. وهذا أصل ثالث تلت به في هذا الكتاب وفي أوله، فالأصل الأول: انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام كما تقدم. والثاني: تفاوة الكفر والإيمان. والثالث هو ما أشار إليه هنا: من أن الإسلام والإيمان لفظان قد يجتمعان في موضع ويفترقان في موضع، وهو ما عبر به بعض أهل العلم: أنه إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. قال رحمه الله تعالى: وعارض بين الآيتين وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى، لأن الله أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنا، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين، فإذا هناك من هو مسلم وليس بمؤمن. قال: وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، والله أخبر أن الذي نجى هو من؟ المؤمن، وأن الذي كان في البيت المسلم، ففرقا. قال: «بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب، وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، وفي الباطن مع قومها على دينهم، خائنة لزوجها تدل قومها على أضيافه، كما قال الله تعالى فيها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠]»، وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنهما لم يكن بغي، امرأة نبي قط، وهذا هو المروي عن سلف الأمة من الصحابة ومن بعدهم. فإن المقصود بالخيانة في هذه الآية: هي الخيانة في الإيمان، وما كان من إعانة الكفار. قال: «إذ نكاح الكافر قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع وهن الكتابيات -يعني الكتابيات خاصة-، وأما نكاح البغي فهو دياثة، وقد صان الله النبي -يعني مطلق النبي- فليس هناك نبي على الإطلاق كانت له زوجة بغي أبدا. قال: صان الله النبي عن أن يكون ديوثا، والديوث هو الذي يرضى بالفحش في أهله. قال: ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب، وهذا هو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، والزانية لا ينكح إلا زان أو مشرك» [النور:٣]، «وهكذا كذلك العكس، وحرم ذلك عن المؤمنين». قال: «والمقصود أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥]، وكانت من أهل البيت المسلمين وممن وجد فيه. ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦]». وبهذا تظهر حكمة القرآن حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود، وفيه كذلك فصاحة وبيان القرآن. فانظر إلى هذا التفريق الدقيق الذي لم يعرفه إلا الراسخون في العلم. قال: «وأيضا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، ففرق بين هذا وهذا، فهذه ثلاثة مواضع في القرآن -يعني في التفريق بين الإسلام والإيمان-، الآية الأولى آية الحجرات، والثانية آية الذاريات، والثالثة آية الأحزاب، فهذه ثلاثة مواضع». قال: «وأيضا فقد ثبت بالصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ولم يعط رجلا، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن. فقال: «أو مسلما» -عندي مسلم-، الصواب: «أو مسلما». قال: «أو مسلما» -يعني لو قال: «مؤمنا» فيكون مسلما-، المهم يجوز هذا ويجوز هذا. قال: وذكر في تمام الحديث: أنه يعطى رجلا، أنه يعطي رجالا ويدع من هو أحب إليه منهم خشية أن يكبهم الله في النار على مناقرهم. قال: الزهري: «فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل»، وهذا هو الشاهد، إذ فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين معنى الإيمان والإسلام. قال رحمه الله: فأجاب سعدا بجوابين: أحدهما: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلما لا مؤمنا، والإيمان أرفع من الإسلام، ومعنى فرقت في العطاء لتفريقي أو لفرقي حالهم. قال: الثاني -يعني الجواب الثاني-: إن كان مؤمنا -يعني كما قلت وهو أفضل من أولئك-، فأنا قد أعطي من هو أضعف إيمانا؛ لألا يحمله الحرمان على الردة، فهو من باب التأليف. قال: «فيكبه الله في النار على وجهه»، وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم، فعلم بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق في هذا الحديث بين معنى الإيمان والإسلام، وهذا يعني ما تقدم: أن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن. قال: الثاني: إن كان مؤمنا -لا هذا أخذنا-. قال: وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام دون الإيمان: هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ هذه مسألة سيأتي -إن شاء الله- الكلام فيها، وهي طويلة، والوقت قد قارب على الانتهاء، فنقف لهنا. والله تعالى أعلم. يقول: إذا اجتمعت في الرجل المسلم صفات المنافقين المذكورة في الحديث -يعني ماذا؟ هل نحكم عليه بالنفاق الأكبر؟ الجواب: لا، قد يكون منافقا نفاقا أكبر، وقد يكون مؤمنا ناقصا في إيمانه. نعم، والله أعلم.