جواهر البلاغة 69

جواهر البلاغة 69

الدرس في جواهر البلاغة 69، الدرس التاسع والستون:من( المبحث الثالث عشر:في تأخير المسند إليه ... وقدم لأن الأصل فيه ذلك وعرف بالعلمية عن كونه جهنمياً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التقديم والتأخير في الجملة الاسمية

يناقش تأخير المسند إليه في الجملة الاسمية وأحوال تقديم المسند إليه وتأخيره مع الإشارة إلى الفروق بين الخبر في علم البلاغة وعلم النحو. يقدم أمثلة وتطبيقات عملية لتوضيح أغراض التقديم والتأخير.

مطابقة الجملة لمقتضى الحال

يشرح مفهوم مطابقة الجملة لمقتضى الحال في البلاغة، ويبين كيفية تقديم المسند إليه أو حذفه لتحقيق التقرير والإيضاح وتقوية الحكم. يقدم أمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي.

التقديم والتأخير وأغراضهما البلاغية

يتناول شرحًا مفصلاً لأساليب التقديم والتأخير في الجمل الاسمية والفعلية، ويوضح الأغراض البلاغية مثل التخصيص ونفي العموم وعموم النفي. يشرح استخدام أدوات النفي والعموم في تغيير معنى الجملة.

أصل تسمية أبي لهب ودلالتها

يناقش سبب تسمية أبي لهب بهذا الاسم، ويبين احتمال كونه مدحًا أو ذمًا، مع الإشارة إلى دلالة الاسم على الشجاعة والقوة أو الحرمان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الملف، رحمه الله تعالى: المبحث الثالث عشر في تأخير المسند إليه. قال: يؤخر المسند إليه إن اكتظى المقام تقديم المسند، كما سيجيء. ولا نلتمس دواعي التقديم والتأخير إلا إذا كان الاستعمال يبيح كليهما. مر معنا أن لأهل العلم في هذا الفن طرق في ذكر مباحث هذا الفن، وهذه المباحث على وجه الخصوص. ولما كانت طريقة المؤلف، رحمه الله، جمع باب كل نوع في موضع، لم يذكر هنا تفصيل مبحث المسند إليه، وأشار بهذه الجملة أو هذه الكلمات المختصرة؛ لأنه سيأتي الكلام عليه -أي تأخير المسند إليه- في موضعه، سيأتي الكلام عليه في موضع إن شاء الله، عند الكلام على المسند إليه، أي مباحث المسند إليه. فلذلك ترك، ولكن لأن له تعلق قوي مع المسند في باب التقديم والتأخير، احتاج، رحمه الله، أن يشير إشارة ما فيه غرض. قلنا: احتاج أن يشير إشارة إلى هذا المبحث حتى يبقى في ذهن القارئ والسامع والمتعلم أنه لم يغفله المؤلف، رحمه الله، أي لم يغفل عن هذا المبحث ولم ينسه. وليس في الكتاب خطأ -يعني في الترتيب- وإنما سيأتي ذكره إن شاء الله في موضعه، وهناك يأتي تفصيل الكلام عليه إن شاء الله. والكلام الذي ذكره ظاهر. قال، رحمه الله: تطبيق عام على أحوال المسند إليه وما قبله، يريد: وما قبله مما يتعلق بهذا الباب، أي الباب الثالث، وفيه مباحث كثيرة مرت معنا. قال: «أمير المؤمنين يأمرك بكذا»، جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث. ومر معنا في هذا الباب -الباب الثالث- أضرب الجملة الاسمية. قال: المراد بالخبر بيان سبب داعي الامتثال؛ يعني لأن الأمير المؤمنين يأمر. قال: المسند إليه «أمير المؤمنين» يكرى للتعظيم، وقدم لذلك -يعني ابتدأ به- ما قيل: «يأمرك أمير المؤمنين بكذا»، قيل: «أمير المؤمنين يأمرك». أمير المؤمنين، ولاحظوا، ويكون هذا في الذهن مستحضرا دائما في بابي أو في الخوف، في هذا العلم -علم البلاغة- أن الخبر في علم البلاغة ليس كالخبر في علم النحو؛ لأن الخبر في علم البلاغة المقصود منه حصول معنى الخبر، لا الجملة الاسمية. فحصول معنى الخبر قد يكون بالجملة الفعلية. فلذلك لا فرق بين أن يبتدأ بالاسم أو يبتدأ بالفعل. قال: وقدم لذلك، والمسند جملة -جملة «يأمر» يعني «أمرك»-. قال: ذكر؛ لأن الأصل فيه ذلك، وأخر لإقتضاء المقام تقديم المسند إليه. هذا واضح. وأتي به جملة لتقوية الحكم بتكرار الإسناد والتعظيم؛ يعني كان يستطيع أن يأتي به على هيئة اسم، لكن أتى به جملة لتقوية الحكم بتكرار الإسناد والتعظيم؛ لأن الآن صار الإسناد إلى «أمير المؤمنين» المذكور أولا، و«يأمرك» فيه ضمير الذي هو كذلك يعود لمن؟ إلى الأمير. فصار في هذا تأكيد بتكرار الإسناد، وتقديم المسند إليه، وبصيغة التعظيم، هذه ثلاثة أشياء. قال: لتقوية الحكم بتكرار الإسناد والتعظيم، وتقوية الحكم، وكون وكون ذكر المسند هو الأصل -يعني يريد ذكر المسند هو الأصل بما هو عليه-. قال: ولا مقتضى للعدول عنه، واقتضاء المقام تقديم المسند إليه أحوال. ومر معنا أن الأصل هو تقديم المسند إليه، فبقيت الجملة على الأصل. بقيت الجملة على الأصل، مع التنبه أن المسند والمسند إليه هو فيما يتعلق بالأخبار، والأخبار في باب البلاغة أو مباحث البلاغة ليست كالأخبار في غيرها من مبحث النحو. قال، رحمه الله: والذكر والتقديم والتأخير مقتضيات، والإتيان بهذه الجملة على هذا الوجه مطابقة لمقتضاء الحال؛ يعني ذكره بهذا الوصف، وتقديمه، وتأخير المسند، كلها مقتضيات، والإتيان بهذه الجملة على هذا الوجه مطابقة -أو مطابقة يجوز هذا وهذا- لمقتضاء الحال؛ يعني الذي يكمل فصاحة إخراج الجملة على وصفها. فخرجت على هذا الوصف. فإذا قوله: «وكون ذكر المسند هو الأصل ولا مقتضى للعدول عنه، واقتضاء المقام تقديم المسند»، ليلة آخره، هو كالتفسير الذي بعده تفسير له. قال: «أنت الذي أعانني وأنت الذي سرني». قال: ذكر «أنت» ثانيا لزيادة التقرير والإيضاح؛ الأصل يقول: «أنت الذي أعانني والذي سرني»، ما يحتاج أن يعيد «أنت». قال: فزيادة التقرير والإيضاح حال، والتقرير مقتضى، والإتيان بالجملة على هذا الوجه مطابقة لمقتضى الحال؛ يعني فيها مطابقة لمقتضى الحال. وهذا واضح؛ لأنه يحصل به زيادة التقرير والإيضاح، وتأكيد ثبوت المعنى له، مع ما فيه من التحسين اللفظي. ليست قوة الكلام بقولك: «أنت الذي أعانني»، مثل «أنت الذي أعانني وأنت الذي سرني»، مثل «أنت الذي أعانني والذي سرني»، أو «الذي أعانني وسرني» بحد في «أنت» وحد في «الذي». قال: «سعيد يقدح الأخطار بعد مدحه». ذكر «سعيد» للتعظيم والتعجب؛ فالتعظيم والتعجب حال، والذكر مقتضى؛ يعني كون أن «سعيد» ذكر، فناسب أن يذكر هذا. قال: والإتيان بالجملة على هذا الوجه مطابقة لمقتضى الحال. هذا واضح. فإتيان بهذه الجملة بعد ذكر «سعيد» كان فيه مطابقة الحال المقتضى. قال: «حضر الكريم سعد». بعد «أحضر سعد»، فذكر «الكريم» لتعظيم «سعد» ومدحه؛ فالتعظيم حال، والذكر مقتضى، والإتيان بالجملة على هذا الوجه مطابقة لمقتضى الحال. قال: «علي كتب الدرس»، جواب: «ما الذي عمل علي؟». ذكر «علي» للتعريض بغباوة السامع؛ أو ذكر «علي» للتعريض بغباوة السامع؛ يعني وجه الغباوة أنه يرى «علي» يدرس، ثم يسأل مثل هذا السؤال. وقد تكون الغباوة المقصودة هنا حقيقية، أو ليست حقيقية، ولكن المقصود هو أن مثل هذا السؤال لا يسأل. وهذا الثاني هو الأكثر؛ يعني معناه انتبه عما ينبغي أن يسأل. مع أنه قد يكون السؤال أصلا قد يكون السؤال المقصود منه التنقص، فكان الجواب كذلك فيه معنى التنقص بالتعريض، كما كان السؤال تنقصا بالتعريض. كان الجواب تنقصا بالتعريض. قال: وقدم لتقوية الحكم؛ لكون الخبر فعلا. فالتعريض والتقوية حالان، والذكر والتقديم مقتضيان، والإتيان بالجملة على هذا الوجه مطابقة لمقتضاء الحالين. وهذا واضح. فالمقصود هو تبرئة «علي» من إساءة الظن فيه أنه يعبث أو أنه كسول أو أنه لم يقم بواجبه. فلذلك ذكر وقدم. قال: «محمود نعمة تلميذ»، بعد مدحي كثير له. ذكر «محمود» لقلة الثقة بالقرينة، وقدم لتقوية الحكم. وهذا ظاهر. قال: قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. قال: حذف المسند -وهو «خلقنا» يعني الأصل «ليقولن خلقنا الله» للعلم. للعلم. وهذا يتعلق بمبحث الحذف في هذا الباب. قال: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: حذف المسند إليه، وتعالى للعلم به «خلق الله الإنسان». هذا. ولماذا كان حذفه؟ لظهور لفظ «الإنسان» المقتضي لظهور المعنى المذكور في الجملة؛ يعني مثل ما تقول: إذا أردت أن تبرز شيء أبعد ما حوله حتى يكون أكثر ظهورا وضوحا. فكذلك بعض المحسنات اللفظية تقتضي بحدوث بعض العامل أو المعمول إذا كان المقام يقتضي ذلك، ولا يحصل به إخلال في المعنى. قال: «معطي الوسامات والرتب». حذف المسند إليه للتنبيه؛ يعني هذا الكلام ما يصلح لوحده، لابد أن يكون سبقه كلام يتصل بهذا، فيكون هذا كالتفسير والجواب لما سبق. قال: حذف المسند إليه للتنبيه على تعيين المحذوف ادعاء -كالسلطان مثلا-. هذا واضح؛ يعني لابد أن يكون له كلام تعلق قبل، ثم يذكر «معطي الوسامات والرتب»؛ يعني السلطان أو الأمير أو غير ذلك هو الذي يعطي. قال: قوله تعالى: ﴿لَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. حذف مفعول «آوى» للمحافظة على الفاصلة؛ نهايات الآيات تسمى فاصلة، وفي الشعر يسمى روي. قال: والمراد أن هذه السورة كلها فاصلتها بالألف -«والضحاء والليل إذا سجى» إلى آخره-. قال: «صاحبك يدعو إلى وليمة العرس». حذف مفعول «يدعو» للتعميم باختصار؛ يعني ما قوى. قال: «صاحبك يدعوك إلى وليمة العرس»، كما قال للتعميم؛ لأجل أن يبين أن هذا الحكم ليس خاصا بك، لا تستحي ولا تتردد، فهو يدعو، فهو يدعو كل من عرفهم، وأنت واحد منهم؛ فهو لتشجيعه على الحضور. وكذلك للاختصار؛ حتى ما يقول «يدعوك»، فيقول: «أنا فقط»، فيقول: «لا» و«فلان» و«فلان». فصار التعميم سبب الاختصار. قال: «لا يعطي ولا يمنع إلا الله». حذف المفعولان لعدم تعلق الغرض بهما؛ لأن المقصود هو بيان عموم العطاء والمنع، وأنه مختص بالله سبحانه وتعالى. قال: «أهين الأمير». حذف الفاعل للخوف عليه، أو الخوف من ذكره؛ المهم أن هناك غرض بلاغي لحذفه. قال: «لسان الفتى نصف ونصف فؤاده». قدم «نصف» الثاني للمحافظة على الوزن؛ فصار التقديم والتأخير هنا لغرض لفظي. قال: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه». قدمت أداة النفي على أداة العموم لإفادة سلب العموم ونفي الشمول؛ لأن هذا مقصود معنا. فلهذا حصل هذا التقديم. قال: «جميع العقلاء لا يسعون في الشر». قدمت أداة العموم على أداة النفي لإفادة عموم السلب وشمول النفي. فالتقديم -فالتقديم- التقديم والتأخير كما قلنا قد يكون لغرض لفظي، وقد يكون لغرض معنوي مقصود. وفيه وفي النفي وألفاظ العموم يحصل بينهما تقديم وتأخير. فإن قدم -قدمت أداة العموم- وأخر النفي أفاد ذلك عموم النفي وشموله. وإن قدمت أداة النفي أفاد ذلك نفي العموم. واضح. نفي العموم. مثل هذا الآن، أو نقول بمثال أقرب: «ما كل الطعام أكل»، صار «ما كل الطعام» نفي للعموم؛ يعني معناه أن بعض الطعام قد يكون أكل. «ما كل الطعام أكل». لكن لو قال: «جميع الطعام لم يأكل»، أفاد ذلك ماذا؟ عموم النفي. «جميع الطعام لم يأكل»؛ يعني معناه كل الطعام لم يأكله. قال: قول تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قدم الجار والمجرور للتخصيص؛ يعني إفادة التخصيص والحصر. «فيتوكل على الله» لا على غيره. قال: «ونحن التاركون لما سفطنا، ونحن الآخذون لما رضينا». الجملة الأولى خبرية اسمية -«نحن» من الضرب الابتدائي- والمراد بالخبر إظهار الفخر والشجاعة. والمسند إليه «نحن»، ولهذا ذكر بلفظ الجمع. قال: ذكر؛ لأن ذكر هو الأصل كما تقدم -الأصل تقديم هذا المسند إليه- وقدم للتعظيم، وعرف بالإضمار؛ لكون المقام للتكلم مع الاختصار. ما يقول مثلا: «آل قبيلة فلان، ابن فلان»، أو «آل فلان»، أو «فلان وفلان وفلان»، لكن الضمير كفى بهذا الاختصار عن ذكر الأسماء التي يكون فيها تطويل، خصوصا في مقام الشعر. قال: والمسند «التاركون» ذكر وأخر؛ لأن الأصل ذلك، ولأنه كذلك ما تقدم -المقام مقام تقديم المفتخر والمعظم-. قال: «وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني، وأشمت بي من كان فيك يلوم». جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي -«وأنت»-. والمراد بالخبر التوبيخ؛ ولهذا قدمه؛ يعني لا أحد غيرك، أنت. فتقديمه على هذا أفاد تخصيصه بالتوبيخ. قال: والمراد بالخبر التوبيخ، والمسند إليه «أنت» ذكر وقدم؛ لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالإضمار -أو عرف بالإضمار-؛ لأن التعريف كما مر معنا أنواع، لكون المقام للخطاب مع الاختصار؛ يعني لأجل المقام الآن يقتضيه؛ لأنه يخاطب، فاقتضى ذلك ذكر ضمير المخاطب. وكذلك لأن المقام مقام اختصار. قال: والمسند لفظة «الذي»، وقد ذكر وأخر؛ لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالموصولية للتعليل؛ لأجل أن يعلل به. كيف علل؟ علل بصلة الموصول. تعليله بصلة الموصول؛ فصلة الموصول هي العلة التي لأجلها ذكر هذا الموصول، فهو متعلق بالصلة. أين الصلة؟ «أخلفتني ما وعدتني». «أخلفتني ما وعدتني»؛ فكل اسم موصول له صلة وعائد. هذا شيء في النحو. فعلم البلاغة يفتقر كثيرا للنحو، والنحو قليلا ما يفتقر إلى البلاغة. قال: يعني أن إخلاف وعده كان سبب الشماتة واللوم. وأما جملة «أشمت» فمعطوفة على جملة «أخلفت»، ووصلت بها لما تقدم؛ يعني نفس الذي يقول في الأول، وقال في الثاني. قال: وعرف المسند إليه، والفاعل في «يلوم» بالإضمار؛ لكون المقام للغيبة مع الاختصار. وهذا ظاهر. قال: «أبو لهب فعل كذا». جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث؛ لما فيها من تقوية الحكم بتكرار الإسناد. والمراد بالخبر أصل الفائدة لمن يجهل ذلك. والمسند إليه «أبو لهب» ذكر وقدم؛ لأن الأصل فيه ذلك، وعرف بالعالمية -عن كونه جهنميا- عندك. عندك طبعا القديمة هذه نصف الأخرى. وعرف بالعالمية للكناية؛ يعني لذكر الكنية. لذكر الكنية. ف«أبو لهب» قد يكون مدح، قد يكون ذم. بعض العرب تحب الأسماء الخشنة دلالة على الشجاعة والقوة. وقد يكون لذنب؛ لكونه محروما، كحال «أبي لهب» عم النبي عليه الصلاة والسلام.