الدرس في جواهر البلاغة 37، الدرس السابع والثلاثون:من( المبحث الثالث:في الاستفهام ... هل يسمعن النظر إن ناديته*أم كيف يسمع ميت لا ينطق ؟ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتعريف الاستفهام وأدواته، ويناقش أقسامها بحسب الطلب. يُشرح أن أدوات الاستفهام تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ما يطلب به التصور والتصديق، وما يطلب به التصديق فقط، وما يطلب به التصور فقط.
يتناول المقطع شرح أحكام الهمزة في الاستفهام واستعمالها في طلب التصور وتعيين المسؤول عنه. يُفصّل الكلام حول كيفية استعمال الهمزة في طلب التصور سواء كان مسندًا إليه أو مسندًا أو غير ذلك.
يشرح المقطع مفهوم التصديق في الاستفهام، وهو إدراك وقوع نسبة تامة بين المسند والمسند إليه أو عدم وقوعها. يُبين أن التصديق يكثر في الجمل الفعلية ويجاب بلفظة نعم أو لا.
يختتم الدرس بذكر قتيلة بنت الحارث وأبياتها في رثاء أخيها، ويُشير إلى تأثير هذه الأبيات على النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال إنه لو سمعها قبل قتل أخيها لعفا عنه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المبحث الثالث في الاستفهام. قال: الاستفهام هو طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل، وذلك بأداة من إحدى أدواته الآتية، وهي: الهمزة، وهل، وما، ومتى، وأيان، وكيف، وأين، وأنّى، وكم، وأي. تنقسم أدوات الاستفهام بحسب الطلب إلى ثلاثة أقسام: ما يطلب به التصور تارة والتصديق تارة أخرى، وهو الهمزة؛ وما يطلب به التصديق فقط، وهو هل؛ وما يطلب به التصور فقط، وهو بقية ألفاظ الاستفهام الآتية. قوله رحمه الله: «الاستفهام هو طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل» ظاهر، فالاستفهام هو السؤال عن الشيء غير المعلوم. ولهذا بعضهم قال: الأفضل أن يقال: هو طلب الفهم بشيء لم يكن معلومًا من قبل، وهذا أدق؛ أولًا لموافقته لفظ الاستفهام، فإن الألف والسين والتاء تدل على الطلب، ويكون المعنى المقصود طلب الفهم، كما أنك تقول: استصحاب طلب الصحبة، وهكذا تقول: استعلام طلب العلم. ثانيًا: لأن الاستفهام ليس هو في طلب العلم، ولكنه في طلب فهم شيء عن المعلوم. وكما سيأتي من أقسام الاستفهام ما يدل على هذا المعنى. ولكن كما تعرفون، بعض العلماء قد يتساهل باستعمال الألفاظ المتقاربة، فلما كان لفظ العلم قريبًا من لفظ الفهم تساهلوا في التعبير في أحدهما عن الآخر، وإلا فالأدق من جهة اللفظ والمعنى أن يقال: هو طلب الفهم للشيء الذي لم يكن معلومًا من قبل. وقوله: «وذلك بأداة من إحدى أدواته الآتية»؛ الاستفهام له أدوات، وإيرادها بحسب كثرة استعمالها، ولهذا بدأ بالهمزة لأنه أكثر ما تستعمل. قال: وهي الهمزة، مثل: أزيد في الدار؟ وهل: هل جاء زيد؟ وما: نحو ما أنت؟ ومتى: نحو متى تأتي؟ وأيان: نحو أيان تقوم؟ وكيف: نحو كيف أنت؟ وأين: نحو أين أنت؟ وأنّى: نحو أنّى القوم أو فعل كذا ونحوه، وكم: كذلك للعدد، وأي: كذلك، مثلا: وأنا تؤفكون، وكم: مثلا كم ولدًا معك؟ وأي: أي الرجلين أحب إليك؟ ونحو ذلك. وقوله: «وتنقسم بحسب الطلب إلى ثلاثة أقسام»؛ هذه هي صور استعمال الاستفهام، وهو الذي سيأتي الكلام عليه في أحوال هذه الأدوات التي هي من أدوات الاستفهام. ولا يلزم أن يكون الحرف أو الأداة تستعمل في صورها الثلاث، فبعضها تستعمل في صورة، وبعضها في صورتين، وبعضها في هذه الثلاث. قوله: «ما يطلب به التصور تارة والتصديق تارة أخرى وهو الهمزة»؛ المراد بالتصور هو كما سيأتي إدراك المفرد، والمراد بالمفرد هو ما ليس بتام، والمراد بالتام هو موافقة الواقع. فالتصور إذن هو إدراك الشيء على وجه ليس فيه موافقة للواقع. التصور هو إدراك الشيء على وجه ليس فيه موافقة للواقع، مثل أن تقول: أعلي مسافر أم سعيد؟ هذا ما يتصور أن الاستفهام فيه موافقة للواقع؛ لماذا؟ لأن الاستفهام المطلوب منه التعيين، المطلوب منه التعيين إما أن تقول سعيد، وإما أن تقول علي. فلما طلب منه التعيين صار التصور فيه ليس فيه معرفة لشيء تام، إنما كما تقول: شيء بدلي شيء بدلي، إما فلان وإما فلان. ومثله لو كان السؤال عن فعل: إما فعل وإما لم يفعل. بخلاف الشيء الذي يراد منه ثبوت موافقته للواقع: أمات زيد؟ هذا تريد موافقة الوصف للواقع، هذا يسمى تصديقًا، وهو الذي يحصل فيه الموافقة للواقع، وهو الذي يكون فيه إدراك نسبة تامة كما سيأتي. وقوله: «والتصديق تارة أخرى»؛ التصديق هو المعنى المقابل للتصور، لأن التصديق هو ثبوت النسبة التامة لهذا المستفهم عنه بموافقته للواقع. ثم قال: «وهو الهمزة»؛ يعني الهمزة هي التي تأتي للتصور وللتصديق، وسيأتي معنا فائدة معرفة استعمال ذلك؛ لأن الكلام قد يرد ما ظاهره التصور وليس كذلك، بل التصديق، أو يرد ما ظاهره التصديق وليس كذلك، بل هو التصور، وفرق بين الأمرين كما سيأتي. ثم قال: «باء وما يطلب به التصديق فقط وهو هل»؛ وعلمنا معنا التصديق، وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان له. قال: «جيم وما يطلب به التصور فقط وهو بقية ألفاظ الاستفهام الآتية»؛ وعلمنا معنا التصور، وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان له. قال رحمه الله تعالى: الهمزة يطلب بالهمزة أحد أمرين: تصور أو تصديق. قال: الأول أو واحد، فالتصور هو إدراك المفرد، نحو: أعلي مسافر أم سعيد؟ تعتقد أن السفر حصل من أحدهما، ولكن تطلب تعيينه، ولذا يجاب فيه بالتعيين، فيقال: سعيد. قوله رحمه الله: «فالتصور هو إدراك المفرد»؛ علمنا أن التصور ما يطلب منه معرفة مفرد، والمراد بالمفرد ها هنا ما ليس فيه نسبة تامة؛ يعني بين المسند والمسند إليه ما ليس فيه نسبة تامة بين المسند والمسند إليه. وعكسه التصديق هو الذي يطلب فيه معرفة ما ليس بمفرد، والمراد بغير المفرد هو ما فيه نسبة تامة بين المسند والمسند إليه. والنسبة التامة ما هي؟ هي موافقة الواقع، موافقة الوصف للواقع، فموافقة الوصف للواقع تسمى نسبة تامة، وعدم موافقة الوصف للواقع تسمى عند البلاغيين مفردًا، أو يعبرون عنه بنسبة غير تامة. المثال ظاهر: أعلي مسافر أم سعيد؟ ما يكون الجواب بنعم أو لا، إنما الجواب يكون بماذا؟ بالتعيين، إما علي وإما سعيد. وهذا الأول المذكور الذي يطلب تعيين أحدهما هو المطلوب تصور الوصف له، والثاني البديل في التعيين يسمى المعادل في اصطلاح البلاغيين، يسمى المعادل؛ يعني كأن عندك كفتي ميزان، هذا عدل هذا، سمي معادلًا لأنك تحتاج لتصور نسبة الخبر أو نسبة الوصف لأحد هذين المذكورين. وهذا إذا كان السؤال بالنسبة للمسند إليه. وأما إذا كان السؤال بالنسبة للمسند، وعلمنا ما هو المسند إليه، من هو المسند إليه؟ ها ثامر، يعني مثاله المسند إليه ها يعني بوصف عام، ما نريد علي أو سعيد، لكن بوصف عام، من هو؟ من هو المسند إليه؟ مثل: ها بشير، ها الخبر مسند إليه، أو العكس المبتدأ؛ لأنك أنت تنسب شيء إلى شيء ها، فالذي يصل إليه النسبة هو المبتدأ، ومثل الفاعل، الوصف أو الحكم. قال رحمه الله تعالى: وحكم الهمزة التي لطلب التصور أن يليها المسؤول عنه بها. ومعنى أن يليها المسؤول عنه بها؛ يعني قولك التصور في قولنا هو إدراك المفرد، هذا يتعلق بالمسؤول عنه، والمسؤول عنه هو من يلي الهمزة أحيانًا، أحيانًا يكون فعلًا، وأحيانًا يكون اسما، أحيانًا يكون مسندًا إليه، وأحيانًا يكون مسندًا. قال: وحكم الهمزة التي لطلب التصور أن يليها المسؤول عنه بها، سواء أكان مسندًا إليه نحو: أأنت فعلت هذا أم يوسف؟ فقولك: أنت، السؤال وقع لمن؟ لأنت، السؤال وقع عن أنت، فالآن المقصود تعيين شخص، الآن المقصود تعيين شخص، وهو المسند إليه ها هنا، إما مبتدأ وإما فاعل بحسب كل كلام. قال: أم مسندًا، الثاني أن يكون السؤال عن مسند، وهو الخبر أو الفعل وما كان بمعناهما، قال: نحو أراغب أنت عن الأمر أم راغب فيه؟ قول: أراغب أنت عن الأمر؟ السؤال هنا عن الرغبة، وهذا وصف، فهو مسند وليس شخص، والمراد أن يبين رحمه الله أنه لا فرق أن يكون المسؤول عنه شخص أو وصف. وهكذا فاعل أو مفعول أو حال أو ظرف أو غير ذلك، المهم ينبغي أن تفهم أن الهمزة ترد ويأتي بعدها استفهام أو مستفهم عنه، وهذا المستفهم عنه قد يكون المقصود منه التصور، وقد يكون المقصود منه التصديق. قال رحمه الله تعالى: طيب هنا أراغب أنت عن الأمر أم راغب فيه؟ هل الجواب نعم؟ الجواب بتعيين أحد الطرفين لابد. قال: الثالث أم مفعول، نحو: إياي تقصد أم سعيدًا؟ كذلك هذا ما يكون جوابه نعم أو لا، إنما جوابه بالتعيين. قال: أم حال، نحو: أراكبًا حضرت أم ماشيًا؟ وهذا ظاهر، الاستفهام عن الحال. قال: أم ظرف، نحو: أيوم الخميس قدمت أم يوم الجمعة؟ وهذا كذلك واضح وظاهر. قال: ويذكر المسؤول عنه بالتصور بعد الهمزة، وهذا سبق الكلام عليه، المسؤول عنه في التصور الذي يراد تصوره يأتي بعد الهمزة. قال: ويكون له معادل يذكر بعد أم غالبًا، وخرج من الغالب النادر، إذ أنه قد يحدث. قال: وتسمى متصلة؛ يعني إذا ذكر، وإذا لم يذكر فإنه منقطع كما سيأتي. مثلا إذا قلت: أيوم الخميس قدمت؟ وسكت، إن فهم من السياق أنه يسأل عن تعيين؛ لأنه أحد يومي الإجازة، فليس الجواب يكون بنعم، وإنما الجواب يكون بماذا؟ بالتعيين؛ لأنك تعلم أن هناك محذوف، تعلم أن هناك محذوف، فهم من سياق السؤال، فتقول: الخميس؛ لأنه هناك شيء محذوف، وهو أم وما بعده. قال: وقد يستغنى عن ذكر المعادل، والمعادل قلنا هو الطرف الآخر المطلوب تعيين أحدهما منه أو منهما. قال: نحو: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ المحذوف ماذا؟ أم غيرك؟ المحذوف أم غيرك؟ قال: والتصديق هو إدراك وقوع نسبة تامة بين المسند والمسند إليه أو عدم وقوعها، فهنا ليس المطلوب تعيين، وإنما المطلوب وقوع، هل وقع أم لم يقع؟ ها الأول مطلوب تعيين، وهنا مطلوب وقوع. فالسؤال هنا عن وقوع الشيء وعدم وقوعه، ولهذا سمي نسبة تامة، وهو موافقة الشيء للواقع، والأول سمي بنسبة غير تامة؛ لأن المطلوب هو التعيين. قال: وهو إدراك وقوع نسبة تامة بين المسند والمسند إليه أو عدم وقوعها، بحيث يكون المتكلم خال الذهن مما استفهم عنه في جملته، مصدقًا للجواب إثباتًا بنعم أو نفيًا بلا. مثل: أمات زيد؟ الجواب إما نعم، إما لا. قال: وهمزة الاستفهام تدل على التصديق إذا أريد بها النسبة؛ لأنه قد يراد بها النسبة، وقد يراد بها التصور. إذا يراد بها ليس نعم، إما يراد بها. قال: وهمزة الاستفهام تدل على التصديق إذا أريد بها النسبة؛ يعني النسبة التامة، فإذا لم يرد بها النسبة التامة، فهو ليس التصديق، بل هو التصور، ليس التصديق بل هو التصور، وهو الذي سبق أنه إدراك المفرد. قال: ويكثر التصديق في الجمل الفعلية، كقولك: أحضر الأمير؟ يعني أن ورود التصديق في الجمل الفعلية كثير، فالجواب إما نعم وإما لا. قال: تستفهم عن ثبوت النسبة ونفيها، وفي هذه الحالة يجاب بلفظة نعم أو لا، بينما في التصور يكون الجواب بتعيين أحد المعادلين المراد تعيين أحدهما. قال: ويقل التصديق في الجمل الإسمية، نحو: أعلي مسافر؟ يعني قليل، بل الأكثر أن هذا يأتي ويراد به ماذا؟ يراد به التصور، فالجمل الإسمية تأتي كثيرًا يراد بها التصور، وقد تأتي ويراد بها التصديق، والجمل الفعلية تأتي ويراد بها التصديق، وقد تأتي ويراد بها ماذا؟ التصور. قال: ويمتنع أن يذكر مع همزة التصديق معادل، كما مثل: أحضر الأمير؟ ليس بعده: أم التاجر؟ ولهذا كما سيأتي تجد أن ما كان معناه التصديق إذا أتى بعده بما معناه المعادل لا يكون شخصًا، بل يكون وصفًا. قال: وتكون بمعنى بل؛ يعني كأنه منه قول الشاعر: ولست وبالي بعد فقدي مالكا، أموتي ناء أم هو الآن واقع؟ أين الشاهد؟ ها: أم هو الآن واقع؟ أم فامها هنا منقطعة؛ لماذا؟ لأن المستفهم عنه أموتي ناء، ليس هو من معنى التصور، ولكنه من معنى التصديق، ومعنى ناء: أي نهض. قال: ونحو: هل يسمعنا النظر أن ناديته، أم كيف يسمع ميت لا ينطق؟ والشاهد: بل كيف، أم بمعنى بل، فهي منقطعة، وفهم هذا من معنى التصديق في الاستفهام. وهل كما سبق لا يطلب منه إلا التصديق فقط، هل لا يأتي إلا للتصديق فقط. والآن الاستفهام بهل مر معنا قبل قليل: أنه منه ما يأتي للتصور والتصديق مثل الهمزة، ومنه ما يأتي للتصديق فقط مثل هل، ومنه ما يأتي للتصور فقط وهو باقي الأدوات الاستفهام. وهذا البيت نسب لقتيلة بنت الحارث، وهي أخت أخيها وقد قتل صبرًا في غزوة بدر، قالت أبيات جميلة تذكر في كتب السيرة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قيل إنه قال: لو سمعتها قبل أن يقتله لمننت عليه؛ يعني لا عفوت عنه. وهذا مما يروى في السير، وليس فيه حديث ثابت.