الدرس في شرح اللآلئ البهية 39، الدرس التاسع والثلاثون : فيه : ( فصل في الكلام على القبر وعذابه ونعيمه ... ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ ابن بريك بشرح كتاب الإنارة البهية للمرداوي، موضحًا عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين، ومبينًا أن العذاب يكون للمكلفين. يُفسر معنى عمل الإنسان في قبره وكيف يقارنه هناك.
يناقش المقطع أهمية الإيمان بسؤال القبر واستدلال أهل السنة والجماعة على ذلك من الكتاب والسنة، مركزًا على حديث البراء بن عازب وشرح معانيه. يُظهر كيفية استدلال العلماء على ثبوت السؤال في القبر.
يصف عذاب القبر ونعيمه كما ورد في الحديث النبوي، ويؤكد أن الله قادر على بعث الأجسام وإيقاع النعيم أو العذاب بها. يُثبت أن الروح جسم وليست عرضًا، ويرد على الفلاسفة الذين زعموا أنها ليست بجسم.
يُبيّن أن العقل الصحيح يوافق النقل الصحيح ولا يخالفه، وأن العقل السليم لا يتعارض مع الشرع، ويرفض بناء الظلال لأمورهم على العقل فقط.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المرداوي رحمه الله تعالى في كتابه الإنارة البهية في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية: قال بصل بالكلام على القبر وعذابه ونعيمه وسؤال الملكين الذين يسألان العبد عن ربه ودينه ونبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنقول وبالله التوفيق، لما أنهى الناظم الكلام على الجنة والنار وأنهما مخلوقتان، أخذ يتكلم على القبر وعذابه. وإليه الإشارة بقوله: «ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه هناك ويسأله». قال: أي ولكل حي عاقل، قال: أي مكلف في قبره. فقوله «عاقل» أراد به ضد الصغير غير البالغ والكبير المجنون، فهذا مما يقال له عاقل عرفا ولغة كذلك، وإن كان بالشرع لا يطلق عليه في الغالب أنه عاقل، وإن جاء ببعض المواضع أنه إذا بلغ سن الرشد فإنه يكون عاقل. ولهذا قال «مكلف في قبره»، مكلف يعني يؤاخذ عليه، لحديث «علي وجابر بن عبد الله: وضع ورفع القلم عن ثلاثة، ومنهم الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق». فعذاب القبر يكون لهؤلاء. وهل هؤلاء، أي الصبي والمجنون، لا عذاب عليهم؟ الجواب: قد صحت الأحاديث بعمومها وخصوصها أن هؤلاء يمتحنون يوم القيامة، كما مر معنا في مواضع أخرى. قال «في قبره»، أي ضريحه الذي يدفن فيه. ومر معنا أن الضريح يطلق على القبر إذا شق. قال: «وسيبحث منه للدلائل القطعية»، قال: «وسيبعت منه للدلائل القطعية»، يعني سيبعثه الله جل وعلا من هذا القبر للدلائل القطعية في ذلك، يعني من أدلة القرآن والسنة. قال: قوله «عمل» بالتنوين مبتدأ، «ويكل حي عاقل في قبره عمل». قال: «عمل» بالتنوين مبتدأ مؤخر، أي عمل صالح أو ضده، يعني لأن «عمل» نكرة في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق، أي عمل عمل صالح أو عمل غير صالح. «ويكل حي عاقل في قبره عمل»، يعني بحسب ما عمل بالدنيا يقارنه هناك ويسأله. قال: وهذا معنى الأحاديث التي سيأتي إن شاء الله ذكرها. قال رحمه الله تعالى: «يقارنه أن يجده عنده من خير أو شر، فإنه يصور له هذا العمل الصالح بصورة رجل حسن الوجه أو قبيح الوجه». قال: «وقوله هناك» أي في قبره. وأتى بالكاف المفيد للبعيد، فكأن الناظم يشير إلى حديث رواه القرطبي. والبعد هنا ليس بعد الوقوع، ولكن البعد هو بعد الخوف الذي يكون من الإنسان. «عمل يقارن هناك» أي في ذاك المكان الذي يخاف منه الإنسان، والذي في الغالب لا يحب ذكره هناك، ذاك المكان الذي يتهرب منه الناس ويخافون منه، سيكون ذاك الذي ذكرته أدلة الكتاب والسنة، فهو بعد معنوي لا بعد حسي، وإلا فالموت أقرب من أحدنا من شراك نعله. قال رحمه الله تعالى: «فكأن الناظم يشير إلى حديث رواه القرطبي في التذكرة». والصواب كما أبان وأشار المعلق أن لا يقول «رواه القرطبي» لأن القرطبي ليس من أهل الأسانيد، وإنما يقول «ذكره القرطبي»، وإلا فالرواية ليست له، وإنما صوابه «رواه أحمد وبدأيه ذا الطيالس وجماعة من أهل الحديث». قال: وهو حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الطويل المشهور، يعني في ذكر خبر المؤمن والفاجر والكافر أو المنافق، وما يكون عليه حالهما عند الموت وما بعده. قال: «فيه المشهور فيه: ويمثل له عمله في صورة رجل حسن الوجه طيب الرائحة حسن الثياب، فيقول: أبشر بما عند الله لك». وبالعكس بالذي يسوءك، يعني إذا كان صاحب عمل سيء. وفيه: فيأتيه ملكان. وإليه الإشارة بقوله: «ويسأله»، يعني فيسأله هؤلاء الملائكة. قال: «اعلم وفقك الله تعالى أن الإيمان بذلك واجب شرعا لثبوت»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث يبلغ مجموعها حد التواتر، يعني الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى، وسيذكر بعض هذه الأحاديث. قال: «وقد استنبط أو قد استنبط ذلك واستدل عليه»، يعني إثبات السؤال في القبر، بقوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾، أراد بالآية السؤال، لأنه قال: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأول منازل الآخرة القبر. وليس المراد به إثبات عذاب القبر، فعذاب القبر أدلته أخرى، كقول الله عز وجل: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾، فقوله: ﴿يوم تقوم الساعة﴾ يدل على أن النار التي ذكرت قبل هي ليست نار الساعة، وإنما هي نار أخرى، وهي النار التي تكون في الحياة البرزخية. قال: «واستدل أهل السنة والجماعة على هذه المسألة بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة». منها ما أخرجه الشيخان من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لما نزلت قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾، قال: «نزلت في عذاب القبر». زاد مسلم: «فيقال له: من ربه؟ فيقول: يعني المؤمن الله ربي ونبي محمد»، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾. والحديث تم أشعر في الصحيحين، وبعض الروايات في مسلم. قال: «وفي رواية للبخاري: إذا أقعد المؤمن في قبره، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فذلك قول: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾». وهذا لحديث أسماء في صحيح مسلم، وفيه السؤال عن الثلاثة الأسئلة التي هي أصول هذا الدين، فيسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه. قال رحمه الله تعالى: «وفي الطبراني عن البراء بن عازب مرفوعا: فيقال للكافر: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فهو تلك الساعة صم أعمى أبكم، فيضرب مرزبة لو ضرب بها جبل لصار ترابا» الحديث. وهذه الرواية كذلك هي عند أبي داود وأحمد، وحسنها الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الترغيب وفي المشكاة. قالوا: عند أبي داود: «يأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: يعني المؤمن ربي الله». فيقولان: «ما دينك؟ فيقول: دين الإسلام». فيقولان: «وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى وآمنت به وصدق». فينادي منادي من السماء: «أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة وألبسوه من الجنة، فيفسح له في قبره مد بصره». وقال في الكافر: «ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ها ها لا أدري». والحديث إلى أن قال: «فينادي منادي من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه». وهذا الحديث هو حديث البراء الذي سبقت الإشارة إليه، خرجوا به داود وأحمد والحاكم وغيرهم، وهو حديث حسن، وصححه وحسنه جماعة من الحفاظ، كما أشار المعلق رحمه الله تعالى. وفي هذا كذلك إشارة إلى أن الروح ليس عرضا من الأعراض، بل الروح جسم من الأجسام، الله عز وجل أعلم بحقيقتها، خلافا لأهل الفلسفة. فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الروح جسم، فإنها تخرج وترجع وتنزع وتنعم وتعذب، فهي جسم وليس عرضا. ومعنى عرض: أي صفة من الصفات مثل الحزن والفرح ونحو ذلك، هذه الصفات ليست بأجسام. فزعم الفلاسفة ومن وافقهم وتابعهم من متكلمة أهل الكلام ممن ينتسب إلى الإسلام أن الروح ليست بجسم، وهذا الدليل وغيره من الأدلة الأخرى تنقض هذا القول الباطل الذي هو يعارض تماما أدلة الكتاب والسنة. والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير قادر جل وعلا على أن يبعث الأجسام من دون أن ترى، هي روح تخرج حال كونه حيا إلى أن يكون ميتا ولا يراها الناس. والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، بل هذه الأجساد الله سبحانه وتعالى قادر على جمعها وإيقاع النعيم أو العذاب بها، ولو لم تدفن في قبرها، ولو لم تدفن في قبرها، لو تفرق جسده بين بطون الوحوش أو تفرق في البحار أو كذلك نثر في الهواء أو غير ذلك، فالله جل وعلا قادر على أن يجمعه ويعيده، فيوقع عليه ما يستحقه من نعيم أو عذاب. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة الرجل الذي أسرف على نفسه، فلما مات خاف الله عز وجل، فأمر أبناءه أنه إن هو مات أن يحرقوا جسده ويدقوه وينثر بعضه في البر وبعضه في البحر، ففعلوا ذلك فيه. فلما وقع ذلك جمعه الله جل وعلا، فسأله عن ذلك، لما فعلت ذلك؟ قال: «خشيتك يا رب» الحديث. ففي هذا دليل على أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، وأنه سبحانه وتعالى يوقع ما يستحقه العبد من عذاب القبر أو نعيمه، ولو تفرق جسده أو حتى حرق وذهب، فالله جل وعلا قادر على أن يعيده. وأما هؤلاء الظلال فإنهم يقيسون الأمور الشرعية الدينية والغيوب المخفية بعقولهم القاصرة الناقصة، وهذا من الجهل بالدين والجهل بالعقل. فليس كل شيء يؤمن به لا بد أن يكون محسوسا، فما أكثر الأشياء التي نؤمن بها وهي غير محسوسة، أشياء كثيرة نؤمن بها وهي غير محسوسة، لا يجد العقل سبيل لذلك إلا الاستسلام للإيمان بها مع كونها ليست بمحسوسة. فنؤمن بالعقل والعقل غير محسوس، ونؤمن كذلك ونجزم بأشياء في هذا الكون وهي غير محسوسة. فالحقيقة أن هؤلاء الظلال بنوا أمورهم على العقل الذي في الحقيقة لو أنصفوا ما خالف الشرع أبدا، بل العقل الصحيح يوافق النقل الصحيح. طيب نقف لهذا الحد ونكمل إن شاء الله بدرس لاحق، والله تعالى أعلم.