الدرس في كتاب الحج 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ مسألة لبس الخفين للمحرم واختلاف العلماء في تفسير الأحاديث النبوية حول هذا الموضوع. تم ترجيح القول بالنسخ الجزئي لحديث ابن عمر بما ورد في أحاديث جابر وابن عباس.
ذكر العلماء أربعة أمور تدل على النسخ في أحكام لبس المحرم، وهي أدلة تشير إلى أن الأحكام الواردة في حديث بن عباس وجابر نسخت الأحكام السابقة في حديث بن عمر.
النهي عن النقاب للمرأة في الإحرام ليس نهيًا عن ستر الوجه، بل عن لبس ما يشد على الوجه، ويجوز ستره بشيء آخر غير النقاب. كما أن الرجل يجوز له ستر وجهه في الإحرام.
المقطع ينهي الدرس ويذكر الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه، ويطلب من المشاهدين الاشتراك في القناة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنشكر المشايخ الفضلاء على هذه النصائح العظيمة والتوجيهات المهمة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها بميزان حسناتهم. الشيخ عبد الإله حفظه الله بما قدم، وهكذا الشيخ عبد الغفور حفظه الله بما ختم. فهذه النصائح حقيقة نحن بحاجة إلى مثلها، والمسلم عمومًا وطالب العلم خصوصًا لا يستغني عن مثل هذه النصائح. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». ومن ذلك النصيحة وتكميل بعضنا بعضًا بما نحتاجه لأنفسنا ولسيرنا إلى الله، بل ولأسرنا ومجتمعنا بأسره. فكون المرء المسلم عمومًا وطالب العلم خصوصًا يصدق مع الله فيما يحمل من العلم والعمل به، هذا له شأن عظيم وكبير في إصلاح النفس، إصلاح الفرد، إصلاح المجتمع، بل قبل ذلك إصلاح الأسرة، وحصول الخير العميم في عاجل أمرنا وآجله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم آمين. آخر ما وقفنا عليه -أظن- ما أكملنا حديث بن عمر. وأخرج مسلم. قال رحمه الله تعالى: قال ولا هو أن مسوا ورسل ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجدان عليهما فليقطعهما حتى يكون أسفل من الكعبين. قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم -يعني على ما جاء في حديث بن عمر رضي الله عنهما- إلا ما جاء في مسألة الخفين كما سيأتي إن شاء الله. وقد مرت أكثر المسائل متعلقة بأول الحديث. قال رحمه الله تعالى: وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل». وفي الصحيحين نحوه من حديث بن عباس رضي الله عنهما. وفي هذين الحديثين خلاف ما في حديث بن عمر رضي الله عنهما وأرضاه. ففي حديث بن عمر الأمر بالنهي عن لبس الخفين إلا أن يقطعهما أسفل من الكعبين، وفي حديث بن عباس في الصحيحين، وفي حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه، ليس فيه قطع الخفين. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال كثيرة. فمن أهل العلم من قال: حديث بن عمر يقيد حديث بن عباس وحديث جابر؛ ففي حديث جابر بن عبد الله وابن عباس رضي الله عنهما الحديث مطلق، فيحمل المطلق على المقيد. ومن أهل العلم من قال بخلاف ذلك. أقوال كثيرة، وأصح هذه الأقوال ما روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو قول جماعة من أهل الحديث، ورجحه شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى لعدة مرجحات. وهذا القول هو القول بالنسخ، أي أن حديث بن عباس وجابر ينسخان حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما. وهذا النسخ نسخ جزئي، يعني في حديث بن عمر النهي عن لبس السراويل وجواز لبس النعلين إلا أن يقطعهما أسفل الكعبين؛ لا يلبس إلا النعلين، ولا يجد أن يلبس الخفين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين. فجاء النسخ لحكم السراويل في حديث بن عمر، وفي حديث بن عباس، وجاء النسخ كذلك في حكم الخفين. فصار النسخ لهاتين المسألتين، لكن في مسألة السراويل الجواز بدون قطع، وهذا لمن لم يجد الإزار لهذا الشرط. فإذا هو النسخ جزئي، بقي شرطية عدم وجود الإزار شرطًا. كذلك من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، وشرط القطع ليس فيهما. فإن قال قائل: لماذا قلنا بالنسخ؟ ما هو الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على النسخ؟ ذكر العلماء أربعة أمور تدل على هذا النسخ. أولها: أن حديث بن عمر كما جاء في رواية في البخاري كانت الواقعة في المدينة، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جاء الرجل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم. وفي هذا دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم معنا في الدرس الماضي- علم أصحاب أحكام الحج وهم أين؟ وهم في المدينة قبل أن يخرجوا إلى الحج. وفي هذا فضيلة واستحباب تعليم الناس أحكام الحج قبل سفرهم للحج. ففي هذا الحديث -حديث بن عمر- في رواية للبخاري وغيره أنها كانت الواقعة في المدينة، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء عن عمر بن دينار -وراوي حديث بن عمر- لما سئل عن هذا التعارض فيما يرويه هو من حديث بن عمر، وما جاء من حديث بن عباس وجابر، فقال -كما جاء عند الدارقطن بسناد حسن-: انظروا أيهما قبل، انظروا أيهما قبل. فحديث بن عمر في المدينة، وحديث بن عباس كما جاء في رواية له في الصحيح أنها كانت في عرفة؛ أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بجواز لبس الخفين لمن لم يجد النعلين، والسراويل لمن لم يجد الإزار كان في عرفة. وهكذا كذلك حديث جابر بن عبد الله. بعد حديث بن عمر، فمن حيث التاريخ حديث بن عمر متقدم، وحديث بن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم هذا متأخر. فأخذ بالقول المتأخر على القول المتقدم. وأمر آخر وهو وجود حديث جابر مؤيد لحديث بن عباس. فبعض أهل العلم خطأ حديث جابر في أنه كان في عرفة، ولكن الصحيح أنه صح ذلك، ويؤيده كذلك أنه أكد بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أرضاهم، مما يزيل الخطأ. والأمر الثالث: أنه في حديث بن عمر ليس فيه نسخ للسراويل، فبقي حكم النهي عن لبس السراويل باقيًا في حديث بن عمر. وهذا يؤكد أنه كان حديثًا متقدمًا. بينما في حديث بن عباس وفي حديث جابر نسخ حكم لبس السراويل بأنه يجوز إذا لم يجد الإزار. وليس هذا موجودًا في حديث بن عمر. فإذا قلنا بهذه الجزئية -وقد قام الإجماع على ذلك- فيلزم أن نقول بالجزئية الثانية التي نقلت في نفس الحديث، وإلا صار هذا تعنتًا أن نأخذ جزءًا من الحديث ونترك الجزء الآخر من الحديث. والأمر الأخير: أن قول من قال أنه يحمل المطلق على المقيد رده الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه بأنه من شروط حمل المطلق على المقيد ألا يعارض ذلك قاعدة عدم البيان وقت الحاجة. وقد عارض القول بحمل المطلق على المقيد في هذا الموضع حمل المطلق على المقيد في هذا الموضع عارض هذه القاعدة، وهو عدم البيان وقت الحاجة. وجهه: أن حديث بن عباس كان في يوم عرفة وقت حاجة الناس واجتماع الناس. وإذا كان كذلك وقلنا أنه منسوخ بحديث بن عمر، فيكون فيه عدم البيان وقت الحاجة. إذ الواجب في مثل هذا الموضع وفي يوم عرفة على وجه الخصوص أن يبين لهم ما في حديث من؟ ما في حديث بن عمر إن كان ما في حديث بن عباس مقيدًا بما في حديث ماذا؟ حديث بن عمر. فلهذا كان الصحيح عدم حمل المطلق على المقيد في هذا الموضع؛ لأن ما في حديث بن عباس وجابر يعارض قاعدة عدم البيان وقت الحاجة. وهذا مما ذكره الأصوليون في هذه القاعدة، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد. قال رحمه الله تعالى: وأخرج أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه، ومن حديث بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين». وزاد أبو داود والحاكم والبيهقي: «وما مس الورس والزعفران من الثياب». والقفاز -بضم القاف وتسكين الفاء وبعده ألف وزاي- ما تلبسه المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفها عند معاناة شيء. هذه مسألة أخرى من مسائل محظورات الإحرام. فصح بحديثه من عمر وغيره نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين. وهاهنا مسألة وهي هل النهي عن النقاب نهي عن ستر الوجه؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن النهي عن النقاب ليس نهيًا عن ستر الوجه؛ كما أن النهي عن لبس السراويل ليس نهيًا عن ستر الجزء الأسفل من الجسد. ليس معناه أن يمشي الإنسان عريانًا، إنما قال: لا يلبس السراويل، لكن في شيء آخر يلبسه وهو ماذا؟ الإزار، وما كان بمعناه مما لا يحلق بالجسد. وهكذا يقال في مسألة النقاب. ولهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه ووجهه. وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه ووجهه. لماذا؟ الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق. لأن الرجل بالنسبة لهذا الحكم وضع له ما يجوز وما لا يجوز، وهذا وضع في جسده، هذا وضع في جسده وليس في وجهه. والمرأة وضع لها هذا في ماذا؟ في وجهها. فلهذا قال العلماء: ما قيل في النقاب ذلك معناه أن وجه المرأة كبدن الرجل. فبدن الرجل له بديل أو ليس له بديل؟ له بديل يستر بشيء آخر. وكذلك وجه المرأة له بديل يستر بشيء آخر. فالنهي عن النقاب ليس معناه كشف الوجه، ولكن معناه تلبس شيء آخر. كما أن الرجل لا يلبس السراويل ولا يلبس القمص ولا البرانس، فكذلك المرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين. وليس معناه أن تكشف الوجه وتكشف اليدين الكفين، ولكن معناه تستر هما بشيء آخر ليس فيه ما يشد على الجسد مثل المحلق الذي يذكره الفقهاء في جسد الرجل. ويؤيد ذلك ما جاء عن أسماء رضي الله عنها أنها كانت تغطي وجهها. وكذا حديث عائشة: «أن الركبان كانوا يمرون بهم فيسترون وجوههم، فإذا مروا وتجاوزوا كشفوا وجوههم». فهذا يدل أن من سنة نساء الصحابة ستر الوجه أمام الرجال الأجانب. وهل من شرطه المجافاة إذا ستر بغير النقاب؟ هكذا قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم. والصحيح لا يشترط المجافاة -يعني إيش المجافاة؟- لا يلمس الستار الذي يستر الوجه الوجه. هذا اشترطه بعض الفقهاء. والصحيح لا يشترط، إنما المنهي عنه النقاب وما كان بمعنى النقاب. ماذا بمعنى النقاب؟ اللثام من معاني النقاب، وكل ما يشد على الوجه هو من معاني النقاب. أما ما يزدلف من أعلى إلى أسفل فهذا ليس منهيًا عنه على الصحيح. ويدل عليه الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها. وليس من شرطها أن لا تمس الوجه. بعض الناس ترونهم الآن يلبسون الكوفية التي فيها مقدمة سموها الكاب تمام؛ لأجل أن لا يلمس الستار الذي على الوجه الوجه. وهذا ليس بشرط ولا يجب. في الصحيح: أنه يجوز أن تستر وجهها بما تيسر، بشرط ألا يكون مشدودًا على الوجه، بشرط ألا يكون مشدودًا على الوجه. وبالنسبة للرجل: هل لا يجوز له أن يستر وجهه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز له أن يستر وجهه. والممنوع هو ستر الرأس. الممنوع هو ستر الرأس. وأما حديث ابن عباس في قصة الذي وقصته ناقته، فقال: «لا تخمروا رأسه». وفي رواية: «وجهه». والصحيح أن لفظة «وجهه» شاذة، خالف فيها الراوي أكثر الرواة. فأكثر الرواة لم يذكروا الوجه. وقد صح عن عثمان وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يسترون وجوههم من الحر ومن البرد والغبار وغيره. وهكذا كذلك عند النوم، فلا حرج في ستر الوجه، ولكن الممنوع هو ستر ماذا؟ الرأس. وهذا الذي صحت به الأحاديث. وكما تقدم معنا حديث ابن عمر قاعدة بهذا الباب، فذكر النهي عن ستر الرأس بالملاصق، ولم يذكر ستر الوجه. ولو كان منهيًا عنه لذكره النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر سائر المحظورات. وبهذا القدر هذا اليوم، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اشتركوا في القناة.