دعوة التوحيد آمال وتحديات - الجزء الأول - Dakwah Tauhid di Persimpangan Harapan dan Tantangan

دعوة التوحيد آمال وتحديات - الجزء الأول - Dakwah Tauhid di Persimpangan Harapan dan Tantangan

المحاضرة بعنوان دعوة التوحيد آمال وتحديات - الجزء الأول - Dakwah Tauhid di Persimpangan Harapan dan Tantangan، محاضرة مترجمة إلى الاندونيسية والتي كانت بجامع قبة 99 بمدينة ماكاسر بإندونيسيا يوم الأحد 25 محرم 1447ه الموافق 20 يوليو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دعوة الأنبياء وأركان الإسلام

جاءت دعوة الأنبياء والرسل بالتوحيد، وأركان الإسلام الخمسة هي أساس العبادة الصحيحة التي تتطلب الحب والخضوع لله مع اتباع سنة رسول الله. العبادة الصحيحة تقوم على الطاعة الكاملة لله رب العالمين.

مراتب الدين ودرجات العبودية

مراتب الدين ثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، وتحقيق العبودية لله يتطلب فهم معانيها الدقيقة. الناس يتفاوتون في العبادات ودرجاتهم الإيمانية حسب تحقيقهم لمراتب الدين.

تحقيق النصر والتمكين

النصر والتمكين يتحققان بالإخلاص والاتباع والانقياد لله، وقد وعد الله بهما عباده المؤمنين كما دلت عليه الآيات والأحاديث وتاريخ المسلمين. علينا التمسك بالتوحيد والكتاب والسنة لتحقيق النصر.

ختم الدرس بالدعاء والثناء

الدرس ينتهي بدعاء الله أن يفقهنا في الدين ويجعلنا هداة مهتدين، ويختم بالحمد لله والصلاة على النبي محمد، مع التأكيد على أهمية الفقه في الدين والهداية.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بهذه المجالس العلمية المباركة، وبهذه الدروس النافعة التي وفقنا الله عز وجل إليها. وها نحن في يومنا الأخير من أيام هذه الدورة المكثفة، وهذه الدروس النافعة. وبادي ذي بدء، نقول شكرًا لكل من كان سببًا في هذا الخير، جزاهم الله خير الجزاء. من كانوا سببًا في إيجاد هذا الخير، وتهيئة سبله، والإعانة على إقامته وإنجاحه، ابتداءً من أميري ومحافظي هذه الولاية المباركة، ثم كل من شارك معهم من جنود وإدارة هذه البلاد، ومن ساهم بقليل أو كثير، بعلمه أو جهده أو قوته أو جاهه أو منصبه أو ماله. نسأل الله عز وجل أن يجزي الجميع خير الجزاء. دعوة التوحيد التي جاءت بها الأنبياء والرسل، فما أرسل الله عز وجل من نبي ولا رسول إلا كان مفتتح دعوته: اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. ودعوة الرسل دعوة التوحيد، وهو الإسلام بالمعنى العام. فدين الأنبياء والرسل جميعًا هو الإسلام بالمعنى العام، أي الدعوة إلى توحيد الله عز وجل. وإن اختلفت شرائع الرسل، لكن الرسل جميعًا دعوا إلى توحيد الله عز وجل، وعبادته وحده لا شريك له. وهذا هو قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وهذا قول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، أي مسلمًا بالمعنى العام، يدعو إلى توحيد الله عز وجل، ويحذر من الشرك الذي كانت عليه الأمم. وهكذا ختمت ديانات الرسل عليهم الصلاة والسلام بدين الإسلام بالمعنى الخاص، الذي ختم الله عز وجل به ديانات الرسل، ولا يقبل من الناس جميعًا دينًا سواه. وهو دين الإسلام الذي ختمت به الديانات، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». وكما قال صلى الله عليه وسلم: «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني». «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا». هذا الحديث يدلنا على أنه لا يقبل إسلام مسلم حتى يؤسس هذه الأركان الخمسة التي لا يصح إسلام مسلم إلا بها. لا إله إلا الله نفي وإثبات، نفي للألوهية عما سوى الله، وإثبات لها لله عز وجل وحده. كما لا يجوز أن تعبد الأحجار والأشجار، كذلك لا يجوز أن تعبد القبور والتوابيت والقباب. كما لا يجوز أن يشرك مع الله بشيء من الأصنام والأوثان، كذلك لا يجوز أن يشرك مع الله ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولا صالحًا من الصالحين. لأن العبودية خصوصية لله عز وجل وحده. «أشهد أن محمدًا رسول الله» معناها الدقيق العميق الذي يجهله الكثير من الناس: لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يمكن أن يتبع الإنسان أحدًا مهما كان في المنزلة والفضل إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن اتخذ لنفسه متبوعًا يوالي ويعادي عليه، ويجعل الدين بمتابعته، فقد ضاه بذلك كلمة التوحيد في إفراد رسولنا صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمتابعة. معاشر المسلمين والمسلمات، سمج الله سبحانه وتعالى memulyakan kita dengan agama ini. دعوة توحيد التي جاءت بها الأنبياء والرسل هي الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح بالإتيان بأركانه الخمسة، وتحقيق الطاعة لله رب العالمين، هي العبادة الصحيحة. وهي لزوم السنة كما قال الإمام البربهاري رحمه الله: «واعلم أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام». وكذلك لنعلم أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، وأن التوحيد هو الإسلام، والإسلام هو حقيقة العبادة لله العزيز الرحمن سبحانه وتعالى. وهذه العبادة تعرف بتعريفين: تعرف باعتبار فعل العابدين بأنها غاية الحب والخضوع والذل مع المتابعة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان لا بالأمر لا بالهوى، ولا باتباع الشيطان». فالعبادة الحقيقية باعتبار الفعل غاية الحب والخضوع والذل مع المتابعة. ولذلك الناس يتفاوتون في هذه العبادة بقدر تفاوت الحب والخضوع والذل والمتابعة. فرب إنسان عنده عمل كثير، ولكن ليس عنده من الصدق في الحب والخضوع والذل والمتابعة ما عند الآخر، فيفوز صاحب العمل القليل عن الذي عنده عمل كثير. ومن ذلك الرجل الذي أسلم ولم يعمل عبادة واحدة، قاتل في سبيل الله بعد إسلامه، فدخل الجنة. لأنّه حقق المعنى الأول من العبادة، وهو معنى العبادة باعتبار العمل والفعل: غاية الحب والخضوع والذل والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. وتعرف العبادة باعتبار الأعمال والمعبودات بأنها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة». فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة يدخل في العبادة. الظاهرة مثل الصلاة والصيام والزكاة، وحج بيت الله الحرام، وكلمة التوحيد. والباطنة ما يكون في القلب من الصدق والإخلاص والخضوع والذل والمحبة والمتابعة والتعظيم، وعدم الرياء وعدم الحسد وعدم العجب والغرور، وغير ذلك من الأعمال القلبية المحبوبة المطلوبة والمذمومة المكروهة. فمن حقق هذه فإنه هو الذي حقق العبادة. ولذلك تأمل حال العابدين باعتبار معنى العبادة الدقيق العميق في هذين المعنيين: باعتبار الفعل، وباعتبار العمل المفعول. فإن الناس يتفاوتون في هذه العبادات. ولذلك كان دين الإسلام على ثلاثة مراتب. أول هذه المراتب الإسلام، من حقق أركان الإسلام الخمسة. وثانيها الإيمان، من ارتقى درجة عن الإسلام إلى الإيمان، وهو من حقق أركان الإيمان الستة. وأعلاها من حقق الإسلام والإيمان، وزاد عليه مرتبة أهل الإحسان. وأهل الإحسان كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل العظيم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهي منزلة المراقبة وملاحظة المعية لله رب العالمين: أن تراقب الله في السر وفي العلن، في الليل وفي النهار، إن كنت وحدك أو كنت في جماعة. هذه المراقبة تجعلك ترتقي بإيمانك ودينك إلى أعلى الدرجات، وهي درجات المتقين المحسنين، أعلى درجات عباد الله المؤمنين. كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. هذه معية خاصة لأهل خاصته من أهل التقوى والإحسان، وهم من حققوا هذه العبودية بكامل صفاتها وكامل معانيها، ودقيق وعميق مقاصدها. وبذلك يكون عندهم من قوة الإيمان ومن الثقة بالله العظيم الرحمن ما يكون إيمانهم أعظم من الجبال الراسيات الشامخات. ويؤكده حديث عبد الله بن عباس الصحيح في السنن، حين قال عليه الصلاة والسلام يوصيه والوصية للأمة بقوله: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك...». إلى أن قال: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». وبهذا نعرف أن هذه المرتبة العلية من العبادة والإحسان والتقوى لا يصل إليها الإنسان حتى يتدرج في سلم هذا الدين درجة فدرجة. في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، وفي رواية لمسلم بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان». قال العلماء: إن لفظة سبعين في الإسلام وفي اللغة العربية يؤت بها ويراد بها الكثرة، وليس عين رقم العدد. فمن ارتقى في هذه الشُعب سلمًا سلمًا ودرجة درجة حتى وصل إلى أعلى الدرجات، فإنه بإذن الله سيكون من عباد الله المتقين، ومن عباده المحسنين الذين يصلون إلى هذه الدرجات العلية، ويكون لهم بإذن الله الرفعة في الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. وإذا كان كذلك فلا تسأل عن القوة الإيمانية والقوة الجسدية التي يجعلها الله للمؤمن. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف». المراد هنا الإيمان وقوة الجسد: قوتان اثنتان يجعلهما الله للمؤمن بحسب ما يكون من إقباله على الله. وانظروا كيف جعل الله عز وجل في الجهاد في سبيل الله الفرق في أول الإسلام لما كان أكثرهم من المهاجرين والأنصار وأهل الصفاء والنقاء، كان الرجل يعدل عشرة. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. ثم لما دخل المنافقون في المسلمين، قال الله عز وجل: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. صار الرجل برجلين في أول الإسلام لما كانوا أهل الصفاء ونقاء وقوة إيمان، الرجل بعشرة. ولذلك نصر الله عز وجل هذا الدين بقوة إيمان أهله الذين كانوا يرعون الشاة والبعير، وكانوا في البادية. جعلهم الله عز وجل يرعون الأمم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا. ما ذاك إلا لأن هذا الدين، يا معاشر المسلمين والمسلمات، هو بمعانيه الدقيقة العميقة التي سمعناها، فهو يتناول التوحيد والعبادة والمعاملة والأخلاق والسلوك والمنهاج وكل شرائع هذا الدين. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي ادخلوا في هذا الإسلام من جميع أبوابه، لا تدخلوا من باب وتتركوا أبوابًا أخرى. كما فعل اليهود والنصارى، إذ أنهم لم يدخلوا في هذا الدين من جميع جوانبه. والأمر كما قال الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فالدين يتناول الحياة كلها: أن نصلح أنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا بالموازين الشرعية والقواعد المرعية. ديننا الذي أمرنا بعبادته واستيعاب الحياة كلها بالعبادة لله والاستسلام له. لم ينس أن نأخذ حظنا من الدنيا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. فدين الله عز وجل وسط، دين السماحة، دين العدل والإحسان. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. فهذا الدين دين الوسطية الحقيقية التي هي بالمعايير الشرعية، بميزان الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، ليس بالعواطف والأهواء، ولا بالاستحسانات والآراء، ولكنه بالإخلاص والاتباع والانقياد. فإذا تحقق ذلك فالنبشر بالنصر الذي وعد الله عز وجل به الأولين والآخرين. كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. وغير ذلك من الآيات الكثيرة والأحاديث الأكثر التي فيها البيان أن النصر بإذن الله لهذا الدين. تأملوا في فترة يسيرة كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا، والكفار يتسلطون على المؤمنين بأنواع الأذية. قتلوا وعذبوا وفعلوا الذي فعلوا. لم تخف علينا قصة آل عمار وما فعلوه بوالديه، وما فعلوا ببلال وسائر الضعف من المسلمين. حتى جاء خباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على أساطير الكعبة، يقول: ألا تدعو الله لنا يا رسول الله؟ فيقول: «لقد كان فيمن كان قبلكم ينشر بمنشار الحديد من مفرق رأسه، وينشط بأمشاط الحديد من لحمه وعظمه، فما يرده ذلك عن دينه من شيء. ولكنكم قوم تستعجلون». ثم يخرج مهاجرًا، ويقف له من يقف، ويعده بسواري كسرى، وهو خارج هارب إلى الله ومهاجر إلى الله عليه الصلاة والسلام. وما هي إلا فترة يسيرة حتى دخل أهل الجزيرة في دين الإسلام. وكذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، في عهد الصحابة، انتشر الإسلام بفضل الله سبحانه وتعالى، بقدر قوة إيمان المؤمنين، حتى بلغ ما لم يبلغ ملك أي مملكة في تاريخ البشرية. لا تعرف البشرية مملكة وخلافة بلغ ملكها ومملكتها وخلافتها ما بلغ لأهل الإسلام. حتى بلغوا أقصى الشرق شرقًا، وأقصى الغرب غربًا، وأقصى الشمال شمالًا، وأقصى الجنوب جنوبًا. انظروا إلى تاريخ وآثار المسلمين بمساجدهم في أقصى الشرق، هذه البلاد مما كانت تسمى بالهند الشرقية. آثار المسلمين فيها بمساجدها، بتعظيمهم للغة القرآن فيها. حتى كانت لغتهم تكتب باللغة العربية تعظيمًا للغة القرآن. ولا تزال آثارها في الجدران وفي الصحف الموجودة عند الآباء والأجداد في البيوت في هذه البلاد، في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلند وفيتنام والفلبين والصين وكازاخستان وما فوقها من شرق آسيا إلى الهند وباكستان، إلى أقصى أفريقيا وجنوبها، وأقصى الشمال إلى نصف أوروبا، وربما أخذ الكثير منها. كل هذا بشائر حق وعلامة صدق من أن النصر بإذن الله سبحانه وتعالى لهذا الدين. جمع الله لأهل هذا الدين ما يبقى لهم في تاريخهم وحضارتهم. وفق الله لأهل هذا الدين أن جمعوا علوم الشرق وعلوم الغرب، وهدبوها بالميازين الشرعية والضوابط المرعية. فأخرجوا علومًا نقية ينتفع بها، تنتفع بها البشرية في العلم في الطب، وكذلك علم الجغرافية والفلك وغيرها من العلوم. حين كان يستعمل أهل الصين البوصلة في السحر والكهانة، استعملها المسلمون وهم أول من استعمل البوصلة في معرفة الجهات ومعرفة القبلة والصلاة. وحين كان يستعملون علم الفلك في السحر والكهانة والشعودة، أول من استعمله في معرمة الحساب وغيرها من العلوم النافعة هم أهل الإسلام. وهكذا الفيزياء والكيمياء. لا تزال الجامعات الغربية تفتقر وتشكر جامعات الأندلس لأنها هي أساس الحضارة المعاصرة. رأيت في بعض الجامعات في أوروبا في السويد وفي ألمانيا آثار علوم أهل الإسلام في الفيزياء وغيرها، يضعونها ورسائل رسائل المسلمين لبعض تلك الجامعات من أيام الأندلس، يفتخرون بها. بل رأيت في أحد المدن في مدينة فرانكفورد رأيت في زيارة إلى مساجد، أرضية أوقفت على مسجد. فقال لي بعض الحاضرين: أوقفها أحد ذكاثرة الجامعة الكفار. فقلت: كيف كافر يوقف هذه الأرضية للمسلمين؟ قال: سألناه هذا السؤال، فقال: هذا قليل من كثير في شكر المسلمين فيما نعيش فيه من الرفاهية اليوم. فما نحن فيه من الرفاهية والحضارة هو بفضل المسلمين وعلومهم التي وصلت إلينا. هذا قليل من كثير من آثار المسلمين. والتبشير بالنصر والتمكين بإذن الله سبحانه وتعالى لأهل هذا الدين. وقد حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا النصر والتمكين. وما علينا إلا بالأخذ بالأسباب. جاء في الصحيح في حديث تميم أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يدع بيت مدر ولا حجر إلا دخله هذا الدين، بعز عزيز وذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلًا يذل الله به الكفر وأهله». وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنه أرضاه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله بعض القوم: أي المدينتين تفتح يا رسول الله؟ قسطنطينية أم رومية؟ قال: «بل مدينة هرقل، ومدينة هرقل هي قسطنطينية، وهي اسطنبول اليوم». وقد فتحت بعد ثمانمائة سنة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ففتحها محمد الفاتح. وبإذن الله تعالى سيتحقق وعد نبينا صلى الله عليه وسلم بفتح رومية كما تحقق فتح قسطنطينية بوعد النبي صلى الله عليه وسلم. معاشر المسلمين والمسلمات، ما علينا إلا أن نتعدى التحديات، وأن نحقق الصفات التي يجب أن يكون عليها أهل الإسلام. ومن هذه التحديات ألا نفترق، وأن نجتمع، وأننا لن نجتمع إلا على التوحيد الصحيح، ليس توحيد الأشاعرة الذي فيه تحريف، ولا توحيد الرافضة والصوفية والباطنية، ولا غيرها من الانحرافات الفكرية والحزبية وغير ذلك من الانحرافات الكثيرة. بل نجتمع على الكتاب والسنة. وبإذن الله سبحانه وتعالى سيكون النصر والتمكين لهذا الدين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بمور شرعنا، وأن يبصرنا بمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.