الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 5، الدرس الخامس:من( باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب ...وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التوحيد هو أصل كل خير وأعظم سبب لمغفرة الذنوب وتكفيرها، ويمنع الخلود في النار إذا وجد في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل. كما أنه سبب لتفريج كربات الدنيا والآخرة.
التوحيد يحقق الهدى الكامل والأمن التام لصاحبه، وييسر له فعل الخير وترك المنكرات، ويخفف عنه المكاره ويهون عليه الآلام. كما أنه يحرر العبد من التعلق بالمخلوقين.
التوحيد التام بالإخلاص يجعل القليل من عمل صاحبه كثيرا، ويضاعف أعماله وأقواله. الله تكفل لأهل التوحيد بالفتح والنصر والعز والشرف في الدنيا والآخرة.
أهل الإسلام ردوا على الشبهات بأدلة من الكتاب والسنة والمعقول، كما فعل شيخ الإسلام في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح».
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، رحمه الله تعالى، في تعليقه على كتاب التوحيد، باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. قال: لما ذكر في الترجمة السابقة هجوب التوحيد وأنه الفرض الأعظم على جميع العبيد، ذكر هنا فضله، وهو آثاره الحميدة ونتائجه الجميلة، كما سبق معنا. وليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة والفضائل المتنوعة مثل التوحيد، فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله، وهو حقيقة لا مبالغة. ومن لا يعرف هذه الحقيقة يظنها مبالغة، بل هي حقيقة، فإن التوحيد أصل كل خير ديني ودنيوي. ولهذا كلما كمل التوحيد في قلب العبد، كملت له خصال الخير في عبادته لربه، وفي إحسانه لعباد الله، وانكفافه عما يسخط الله عز وجل ويؤذي عباد الله. فقول المؤلف، رحمه الله، «وما يكفر من الذنوب» من باب عطف الخاص على العام، فإن مغفرة الذنوب وتكفير الذنوب من بعض فضائله. ولماذا ذكر تكفير الذنوب على وجه الخصوص؟ لأنه به يُعلم حسن أثره على غيره. فإذا كان التوحيد يكفر الذنوب والخطايا جميعا، كما في حديث صاحب البطاقة، فإذن دل ذلك على أن التوحيد له فضل عظيم. وهل يدخل في الذنوب الشرك الأصغر في هذا خلاف بين أهل العلم، لتسميته شركا، ولقول بعضهم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، أنه يدخل في عموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وللعلماء في هذا مباحثات، جمهور أهل العلم أنه يدخل في المغفرة «ويغفر ما دون ذلك» أي ما دون الشرك الأكبر، وليس الشرك هنا على إطلاقه، فيشمل الأصغر والأكبر. قال رحمه الله: من باب عطف الخاص على العام، فإن مغفرة الذنوب وتكفير الذنوب من بعض فضائله وآثاره، كما ذكر شواهد ذلك في الترجمة، يعني الأدلة. ومن فضائله أن السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما، يعني عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. وهكذا العكس بالعكس، إذا وقع الشرك والمعصية، فإنه ينزل عذاب الله سبحانه وتعالى، والآيات في هذا كثيرة. وهو يشير بهذا إلى معنى الأدلة من الكتاب ومن السنة، في آيات كثيرة ونظائر لها من أدلة السنة، وكذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿وَأَظْلَمُ الظُّلْمِ الشِّرْكُ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فالشرك هو أظلم الظلم. وهكذا قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ يشمل المعاصي، لكن أول الظلم هو الشرك. قال: ومن أجل فوائده أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل، وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية. وهذا ظاهر وأدلته كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين في حديث الشفاعة، حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود وغيرهما من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. فإنه يخرج من النار من قال: «لا إله إلا الله»، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وهذا هو التوحيد الذي يخرج به صاحبه من النار ولا يخلد، حتى لو دخل النار. وهذا يتضمن الرد على المرجئة والوعيدية، أن التوحيد يدل على ضعف المعاصي، إذا كثرت دل ذلك على ضعف التوحيد. قال: ومنها أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة. فكما أنه سبب للنجاة من النار أو سبب لعدم الخلود في النار، فكذلك الأمن ينقسم إلى قسمين: أمن تام، وهو يكون لمن تم توحيده. فمن تم توحيده كان له الأمن التام. قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾. هذا الأمن يختلف باختلاف حصول الإيمان. فإذا كمل الإيمان والتوحيد، فإنه يكمل الأمن، فيكون له الأمن التام في الدنيا والآخرة. وإذا كان هذا التوحيد ناقصا، فيكون له أمن لكن بقدر ما عنده من التوحيد. قال: ومنها أنه السبب الوحيد لنيل رضى الله وثوابه. وأن أسعد الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم من قال: «لا إله إلا الله» خالصا من قلبه، كما في الحديث. فالسبب الوحيد لنيل رضى الرب سبحانه وتعالى والوصول إلى الثواب هو التوحيد. قال: ومن أعظم فضائله أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد. فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله، كملت هذه الأمور وتمت. قال: يقول الله عز وجل: «أنا أغنى شركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». وقوله: «عملا» نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم. فكل عمل ظاهر أو باطن، قلبي أو قولي أو فعلي، إذا لم يكن معه توحيد وإخلاص، فإنه لا يقبل. قال: ومن فضائله أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات، ويسليه عن المصيبات. فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات، لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه. قال: ومنها أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين. وهذا كذلك ظاهر، ويشير إلى قول الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. وهذا من ثمرة التوحيد. قال: ومنها أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام. فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان، يعني يكون له هذا التهوين. كما سبق أنه بتوحيده يترك المنكرات ويسلى عن المصائب، لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما يختاره الله له خير مما يختاره لنفسه. قال: ويتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضاء بأقدار الله المؤلمة. وهذا يظهر في الفرق بين حال المؤمن والكافر والبر والفاجر مع المصائب والآلام التي يبتل بها هؤلاء وهؤلاء. قال: ومن أعظم فضائله أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجرهم. وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي. الموحد لا يتعلق قلبه بمخلوق، مهما كان عنده من خير الدنيا، فإنه لا يتعلق قلبه به، لماذا؟ لأنه يعلم أن المعطي الحقيقي والمالك الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى. قال: ويكون مع ذلك متألها متعبدا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه ولا ينيب إلا إليه. وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه. قال: ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب. قال: فلما كان الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، أكمل إيمانا وتوحيدا، كان عملهم القليل لا يساويه العمل الكثير من غيرهم. كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد في الصحيحين: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا يصيب مد أحدهم ولا نصيفه». بماذا؟ لماذا؟ لأن واحدا ينفق مثل جبل أحد ذهبا، ومع ذلك ما يبلغ مد الواحد من الصحابة، ولا نصيفه، لكمال التوحيد والإخلاص التام عندهم. قال: ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد، بحيث لا تقابلها السماوات والأرض عمارها من جميع خلق الله. كما في حديث أبي سعيد المذكور في الترجمة، يعني الذي ذكره المؤلف. وفي حديث البطاقة التي فيها: «لا إله إلا الله»، والتي وزنت تسعة وتسعين سجلا من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر، كما جاء معناه في السنن وغيرها من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: في حديث صاحب البطاقة: طاشت تلك الصحف كلها بكلمة التوحيد. وذلك لكمال إخلاص قائلها. وكم من يقولها لا تبلغ هذا المبلغ، لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل، ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد، يعني صاحب البطاقة. قال: ولهذا فليس كل من قال: «لا إله إلا الله» ينتفع بها انتفاعا كانتفاع غيره. وإنما انتفاع الناس بهذه الكلمة بكمال حقيقة أصلها في القلوب، كمال التوحيد في القلوب. فمن كمل توحيده، كمل انتفاعه بهذه الكلمة، يعني في الدنيا وفي الآخرة. قال: ومن فضائل التوحيد أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف، وحصول الهداية والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال والتزديد في الأقوال والأفعال. وهو يشير لقول الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فعبادة الله وحده لا شريك له سبب لحصول هذه الخيرات والاستخلاف والتمكين والنصر والتأييد. قال: ومنها أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره. وهو يشير إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. ويشير إلى قوله جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة. والله أعلم. يعني لولا الإطالة لذكرها. وهو يشير بهذه الإشارات إلى عدد من الأدلة كثيرة من أدلة الكتاب والسنة، وكلها تدل على فضل التوحيد. قال: وإلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: ما فهمت قول النصارى الذي رأيناه في الدرس الماضي، أن اللاهوت حل في الناسوت، وإلى آخر قولهم. هم يقولون: إن جسد الإنسان يسمى ناسوت، وذات الرب سبحانه وتعالى بصفاته لاهوت. فيزعمون أن عيسى هو إله وإنسان في نفس الوقت، فيزعمون أنه حصل له حلول واتحاد. قال: ولهم في هذا شبه يستدلون بها، ورد عليهم أهل الإسلام بأدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة، وبالمنقول والمعقول، ما يبين فساد هذه الشبهة. قد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح». هذا خلاصة ذلك، وإلا ففتحته أشياء كثيرة. والله تعالى أعلم.