الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 15، الدرس الخامس عشر : من : ( ترتيب القرآن ... الحمد لله رب العالمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القرآن نزل متفرقا ولكن جمعه الله تعالى في نسق وتنسيق عظيمين، وترتيبه توقيفي من جهتين: كتابته وحفظه.
ترتيب الكلمات في الآيات ثابت بالنص والإجماع، ونقل الصحابة والتابعون ترتيب السور والآيات بالتواتر.
ترتيب الكلمات في القرآن توقيفي ولا يجوز تغييره، ورأي الجهمية في جواز قراءة القرآن بالمعنى يعتبر كفر وخطأ.
أنهى الشيخ درسه مؤقتا مع وعد بالاستمرار إن شاء الله، مؤكدا أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح الوثيمين، رحمه الله تعالى: ترتيب القرآن. قال: «ترتيب القرآن: تلاوته تاليا بعضه بعضا حسب ما هو مكتوب في المصاحف ومحفوظ في الصدور». وقوله، رحمه الله: «ترتيب القرآن»، مناسبة ذكر هذا الفصل في هذا الموضع أنه لما ذكر تدرج نزول القرآن، ناسب أن يذكر وجه ترتيب هذا القرآن وجمعه. فإن القرآن نزل متفرقا، ومع نزوله متفرقا فإنه جمع جمعا يظهر به أنه من عند الله العزيز الحميد، كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. نزل القرآن متفرقا في نزوله، لكنه مترتب غاية الترتيب والتنسيق في جمعه وحفظه. وهذه لوحدها آية من آيات تأكيد أن هذا القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، فإنه لو كان من عند غير الله لما أمكن جمعه مع تفرقه، هذا التفرق على هذا النسق وهذا السياق. نزل القرآن في بضع وعشرين سنة. نزل في بضع وعشرين سنة، ومع ذلك نزوله في هذه الفترة الطويلة، وعلى هذا التفرق، ربما نزلت السورة في أكثر من عشر سنين، تنزل بآيات والآيات والآيات، بل ربما الآية الواحدة لا تنزل مرة واحدة، ينزل بعض الآية وينزل بعض الآخر في مرة أخرى، ثم بعد ذلك يجمع على هذا الجمع، وهذا التنسيق، وهذا السياق العجيب العظيم الذي هو غاية في البلاغة والإتقان. كما قال الله عز وجل: «أعجمين عربي»، يعني كيف يمكن أن يقال أن هذا القرآن معلم علم النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعجم من أهل الكتاب؟ كيف يمكن أن يقول هذا عاقل وهو يرى فيه غاية الفصاحة والبيان الذي عجز أهل الفصاحة والبيان على أن يأتوا بمثله. فلأجل هذا ننسب أن يذكر هذا الفصل، رحمه الله تعالى. قال: «ترتيب القرآن»، ثم قال: «ترتيب القرآن: أي تلاوته تاليا بعضه بعضا حسب ما هو مكتوب في المصاحف ومحفوظ في الصدور». وبه نعرف أولا أن ترتيب القرآن توقيفي من جهتين: من جهة كتابته، ومن جهة حفظه، فإنه نقل كذلك كما أنزل، نقل كذلك كما أنزل. وسيأتي معنا مجموعة من المباحث فيما يتعلق بهذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: وهو ثلاثة أنواع. النوع الأول: ترتيب الكلمات بحيث تكون كل كلمة في موضعها من الآية، وهذا ثابت بالنص والإجماع. أما بالنص، فأحاديث كثيرة، كحديث عبد الله بن مسعود، وحديث معاذ، وغيرها من الأحاديث التي فيها قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو استماعه لقراءة غيره مما فيه إقرار ترتيب القرآن على هذا الذي أنزل. فإنه قرأ عبد الله بن مسعود على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أوائل سورة النساء، وأجمع الصحابة، ولا يزال ذلك الإجماع ينقله جيل بعد جيل إلى يومنا هذا على هذا الترتيب الذي نقل. وهكذا قرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالبقرة والنساء وآل عمران، وتتابع الصحابة وبعدهم الناس جيلا بعد جيل ينقلون هذه السور على ما نقلت. وهكذا سائر السور الأخرى. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث بن مسعود، كذلك كان يقرأ عشرين سورة -يعني يكثر من قراءتها- في صلواته الجهرية، وهي كذلك في عهد الصحابة، وينقلها جيل بعد جيل إلى يومنا هذا. وهكذا كذلك قراءة المفصل، ما من سورة من سور المفصل إلا وقرأها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاته، وهكذا نقل هذا نقله الصحابة وفعلوه، ونقل بعدهم جيل بعد جيل. فهو منقول بالنص والإجماع، والإجماع بنوعه الإجماع المنقول الملفوض. ونقل ذلك غير واحد من أهل العلم أن القرآن أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس -أجمعوا على ذلك- ودونوا هذا الإجماع في كتبهم. وهكذا الإجماع السكوتي الذي هو حكاية الفعل أو القول به، لعدم وجود المخالف. وكما قال الإمام الشافعي، رحمه الله: «إنما الإجماع الذي إذا قلت: أجمعوا، لم تجد أحدا يخالفك». إذا قلت: أجمعوا، لم تجد أحدا يخالفك. قال: «ولا نعلم مخالفا بوجوبه وتحريم مخالفته»، يعني ما أحد يخالف أبدا من المسلمين، ما أحد يخالف من المسلمين أبدا في وجوب ذلك وعدم مخالفته، إلا ما ينقل عن بعض الجهمية. ما ينقل عن بعض الجهمية في جواز -ليس فقط ترتيب الكلمات- بل جواز تغيير ترتيب الكلمات، بل وتغيير أحد الكلمات أن يقرأ القرآن بالمعنى. لماذا؟ لأنهم يزعمون أنه ليس كلام الله، وأن لفظه ليس توقيفي. وهؤلاء بلال كفرهم جماعة من أهل العلم ممن سلف وسبق، وممن تبع وخلف، فهم كفار، ليسوا من المسلمين، ليسوا من المسلمين، ولو انتسبوا إلى الإسلام. وربما وافقهم أفراد جهال حمقى، وعلى مر التاريخ، لكنهم كالمجانين الذين رفع القلم عنهم بسبب جهلهم، يقولون ما لا يعرفون، ويهركون بما لا يعلمون. قال رحمه الله: «فلا يجوز أن يقرأ: لله الحمد رب العالمين، بدلا من: الحمد لله رب العالمين». لماذا لا يجوز؟ لأنه توقيفي، ترتيب الكلمات توقيفي. ومعنى توقيفي: يعني أنه شيء وقف على ما جاء في الشرع، لا يجوز أن يغير ويبدل ويخرج بما روي وما نقل وما حفظ وما كتب. فالذي حفظ وحفظه المسلمون جيل بعد جيل: الحمد لله رب العالمين. وهذا كما يقولون من العلم المتواتر، يعني الذي لا حاجة إلى النظر فيه، الذي يثبت من غير نظر ولا استدلال، فهو علم قطعي، علم قطعي لا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال. لو قلت لعامي من عوام المسلمين: هل تقرأ سورة الفاتحة: الحمد لله رب العالمين، أو: لله الحمد رب العالمين، أو يجوز الاثنان؟ ماذا سيقول لك؟ سيقول بغير شك ولا تردد، ومن دون نظر ولا استدلال: بل لا يجوز إلا الحمد لله رب العالمين، لا يجوز أن يقرأ إلا الحمد لله رب العالمين. فهو شيء من العلوم القطعية التي تثبت من دون نظر ولا استدلال، لا يحتاج إلى نظر ولا استدلال، فهو أمر متواتر مقطوع به. فإذا كان هذا في حق هذه السورة، فكذلك هو مثله لا ينقص عنه مدقال ذرة ولا شعرة في سائر السور والآيات عند أهل المعرفة والعلم، وعند حفظته كتاب الله سبحانه وتعالى. فقد نقل هذا القرآن كما قلنا مكتوبا ومحفوظا متواترا، مكتوبا ومحفوظا متواترا. أما مكتوبا سيأتي إن شاء الله، وأما محفوظا فكذلك سيأتي. ولكن ذكر الشيخ، رحمه الله تعالى، ها هنا أن هذا مما نقل بالنص والإجماع. وقد سمعنا بعض هذا النص والإجماع. طيب نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله. والله تعالى أعلم.