الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 31، الدرس الحادي والثلاثون : من ( وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل ... بحيث يكون مسلماً مستقيماً في دينه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الترجمة المعنوية للقرآن جائزة إذا كانت وسيلة لإبلاغ القرآن لغير الناطقين بالعربية، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية جواز الترجمة للحاجة إلى الإفهام. يشترط لجواز ذلك ألا تكون بديلا عن القرآن بل تكون كالتفسير له.
يؤكد النص على أهمية أن يكون المترجم والمفسر للقرآن الكريم عالما بمدلولات الألفاظ باللغتين المترجم منها وإليها، وعارفا بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن. كما يشير إلى ضرورة فهم السياق والسباق للكلمات والجمل لتجنب الأخطاء في الترجمة والتفسير.
يجب أن تتوفر أربعة شروط لترجمة القرآن، منها أن يكون المترجم مسلما مستقيماً في دينه، ولا يقبل تفسير أو ترجمة من كافر أو مبتدع أو فاسق. كما أن قراءة القرآن بغير اللغة العربية لا تجوز ولا تصح بها الصلاة.
يجب البدء باللفظ القرآني للأسماء ثم ذكر معناها باللغة بين قوسين. هذا يشمل أسماء الأشخاص والأماكن المذكورة في القرآن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في كتابه «أصول في التفسير». قال: وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل؛ لأنه لا محذور فيها، فقد تجب حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية؛ لأن إبلاغ ذلك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهذا، رحمه الله تعالى، ذكر للتعليل الذي جاز به الترجمة المعنوية، وسيأتي شروطها. والترجمة المعنوية هي بمثابة التفسير. وقد جاء عن عدد من أهل العلم بيان جواز ذلك بشروطه، بل إن ذلك مما يستحسن ويستحب، بل إنه قد يكون مما يجب، كما ذكر رحمه الله تعالى؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإذا كان الإسلام يجب أن يدخل فيه أهل الذين دعوا إليه -أي أمة الدعوة- فكيف يدخلون فيه وهم لا يعرفون هذا الإسلام؟ فيحتاج أن يعرفوا إياه. ولهذا كتب النبي ﷺ إلى الملوك، وكتب إليهم باللغة العربية؛ لأن عندهم من يترجم لهم. الملوك عندهم من يترجم لهم. لكن إذا احتيج إلى دعوة من لا يحسن اللغة العربية بلغته، واحتاج إلى ذلك، فإنه يستحب، بل قد يجب أن يبلغ بلغته ما يفهم به هذا الدين. ذكر شيخ الإسلام التيمية، رحمه الله تعالى، في «الفتاوى الكبرى»: «ويحسن ترجمة القرآن لمن يحتاج لتفهيمه إياه بالترجمة». وأبان رحمه الله في موضع آخر أنه بمثابة التفسير. وذكر كذلك في «المنهاج» قال: «يجوز ترجمة القرآن والحديث للحاجة إلى الإفهام». والكثير ممن قد تعود عبارة معينة، إن لم يخاطب بها لم يفهم، ولم يظهر له صحة القول وفساده -يعني يحتاج إلى ترجمة-. وذكر هذا في كتابه «منهاج السنة». ومرت معنا كذلك عبارته، رحمه الله، بأنه يجوز أن يفهم من لا يفهم العربية مما يحتاج إلى إفهام مما هو في القرآن أو في السنة بلغته، إن كانت فارسية أو تركية أو رومية. وذكر كذلك أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا عربا، فاستغنوا بلغتهم عن أن تفسر لهم بغير اللغة العربية. بل أبان رحمه الله تعالى أن بعض العامة قد يحتاج أن يفسر له القرآن بما يكون فيه تنزل إلى لغته؛ فهو لا يفهم العربية الفصحى. قال رحمه الله تعالى: لكن يشترط لجواز ذلك شروط. الأول: ألا تجعل بديلا عن القرآن؛ بحيث يستغنى بها عنه. وعلى هذا فلابد أن يكتب القرآن باللغة العربية، وإلى جانبه هذه الترجمة؛ لتكون كالتفسير له؛ حتى لا يضيع الأصل. ولأن القرآن معجز بلفظه ومعناه؛ فيجب أن يبقى هذا الإعجاز في لفظه ومعناه. يجب أن يبقى هذا الإعجاز الذي هو في لفظه وفي معناه. فإذا كان كذلك، فإذن لابد أن يبقى هذا اللفظ أولا؛ ليعتني من يقرأ هذا القرآن بهذا اللفظ، ولو من باب الفضول. وهو إذا اعتنى به كان هذا الإعجاز مؤثرا عليه، وهذا مقصود. وضرب بعض أهل العلم لذلك مثلا: ولله المثل الأعلى، قالوا: إذا كانت الأسماء -أسماء الأشخاص والأجناس والبلاد والبقاع- مقصودا بلفظها لمعنى خاص فيها؛ فلذلك لا تجده يتغير إذا ترجم من لغة إلى لغة. من اسمه خالد، إذا ترجم باللغة الرومية أو اللغة التركية أو الفارسية وغيرها، يبقى خالد، يبقى اسمه خالد. ومن اسمه باسمه الفارسي أو العبراني أو كذلك التركي أو غيره، يبقى ذاك الاسم ولو نقل إلى العربية؛ لأن لفظه مقصود، لفظه مقصود، وصاحبه يرى أن من الحفاظ على كرامته الحفاظ على اسمه دون تغيير، ومن إجلاله أن يبقى الاسم من دون تغيير. فإذا كان هذا في حق المخلوقين، فكيف بكلام الخالق سبحانه وتعالى؟ وكيف إذا انضاف إلى ذلك أن القرآن معجز بلفظه، ومعجز كذلك بما تضمنه من فصاحة وبيان وبلاغة في تركيبه وسياقته؟ فإذا كان كذلك، فالمحافظة على لفظه أمر مطلوب شرعا وعرفا. وهكذا كذلك لغة، حتى في لغات الناس وتعابيرهم، صار هو بهذا المعنى مما ينبغي يحافظ عليه. فصح ما ذكر رحمه الله تعالى من أنه ينبغي أن لا يستغنى عنه، بل يبقى، ويكون أمر الترجمة كالتفسير في حاشية هذا القرآن. قال: الشرط الثاني: أن يكون المترجم عالما بمدلولات الألفاظ باللغتين المترجم منها وإليها، وما تقتضيه حسب السياق. ليس فقط أن يكون عالما بلغة واحدة، بل عالما باللغتين. ولأجل القصور في هذا الباب حصر الخطأ في كثير من الترجمات والتفاسير المترجمة للقرآن. وكم قد وقف الإخوان على تفاسير مترجمة حصل بها الخطأ من باب جهل هؤلاء بأحد اللغتين. إن عربي يترجم إلى لغة أعجمية، هو ضعيف في اللغة الأعجمية، فلا يحسن التعبير الصحيح الذي يعرفه أهل تلك اللغة. أو العكس: أعجمي يترجم باللغة العربية، يأخذ من العربية، فيترجم، وهو ليس قوي في اللغة العربية، فيؤثر ذلك ضعفا في ترجمته وتفسيره، مما يؤدي كذلك إلى خلل في تأدية المعنى المقصود المطلوب في العبارة المترجمة. فإذن لابد -وهذا الشرط الثاني- أن يكون المترجم والمفسر باللغة عالما بمدلولات الألفاظ باللغتين المترجم منها وإليها. وليس هذا فقط، بل وما تقتضيه حسب السياق؛ لماذا؟ لأن الكلمة في السياق الواحد تختلف عن السياق الآخر. كما مر معنا: كلمة «العين» في اللغة العربية، العين والياء والنون لها معاني تختلف بحسب سياقها ووضعها. ففي موضع هي الجارحة المبصرة، وفي موضع آخر هي الجاسوس، وفي موضع آخر هي الذهب، وفي موضع آخر هو الماء الذي ينبع. فما هو الذي يفسر هذا وهذا وهذا؟ يفسره السياق حيث توضع الكلمة، يعرف معناها. وهكذا كذلك الفعل، الفعل يختلف من موضع إلى موضع. فيأتي «النظر» بمعنى الانتظار، ويأتي «النظر» بمعنى الرؤية. ومن لا يعرف مثل هذا لا يفرق في سياق الكلمة من جملة إلى جملة. لكن من عرف مثل هذا وغيره مما هو كثير في اللغة العربية، استطاع أن يميز بحسب سياق العبارة والكلمة، وبالسياق والسباق -كما يقال- يفهم ويعرف الكلام. قال: الثالث: أن يكون عالما بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن. وهذا من أهم هذه الشروط: أن يكون عالما بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن. لا يصح أن يفسر القرآن من هو ضعيف في العقيدة؛ لأنه يثمر بذلك خللا في تفسيره وترجمته؛ لماذا؟ لأنه يقمش ولا يفتش. وهذا حال الكثير من التفاسير المترجمة. يأتي لك إنسان يترجم باللغة الإندونيسية، فينظر ما تيسر على يديه من التفاسير الإندونيسية، فيفسر بها ما وجده فيما يريد أن يفسره من القرآن. فربما يأتي على تفسير أشعري، فيضع التفسير الأشعري؛ لماذا؟ لجهله بمدلولات ومعاني الألفاظ الشرعية. ما يدري أن «وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة» في إثبات الرؤية لله سبحانه وتعالى. ما يدري أن «بل يداه مبسوطتان» فيها إثبات اليد على ما يليق بجلال الله عظمته. ما يدري أن مثل قول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ في إثبات المجيء على ما يليق بجلال الله ورحمته. ولتصنع على عيني في إثبات العين لله جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته، مع إثبات المراقبة والكلاءة والحفظ والرعاية، فلا منافاة بين الأمرين. لكن من يجهل هذه المعاني للألفاظ الشرعية فإنه يقع في خلل في التفسير، في العقيدة، في الفقه، في كذلك مواضع كثيرة. فإذا لا بد أن يكون المفسر عنده علم، إما في نفسه وإما بغيره. كيف؟ لأنه قد يقول قائل: هذا أمر صعب، وشرط عسير، ما يستطيع أحد أن يفعله. وهذا معناه أن تجهل الأمم الأعجمية القرآن سنين طويلة؛ حتى يتيسر لهم العالم الجامع للآلات التي بها يستطيع أن يفسر القرآن على الوجه الصحيح، ويترجمه على الوجه الصحيح. فالجواب: هذا لا يلزم. يكفي أن يكون طالب علم عنده أهلية وكفاءة، بحسبها ما استطاع أن يصل إليه بنفسه وصل، وما لم يستطع بنفسه استعان بغيره. من هم الغير؟ هم العلماء الذين هم أعلم منه. فيأتي مثلا إلى هذه الآية التي يريد أن يفسرها، قبل أن يفسرها ويترجمها، لابد أن يعرف معناها عند أهل العلم وأهل الرسوخ من علماء أهل السنة. فإذا عرف معناها ترجم ذاك المعنى من اللغة العربية إلى اللغة الأعجمية بما يوافق الشرع، وبهذا يسلم ويصل التفسير الصحيح السليم الذي يريده الله سبحانه وتعالى من عباده لأهل تلك اللغة -إنجليزية أو فرنسية أو إندونيسية أو أي لغة من اللغات-. فيكون على هذا المعنى ننتبه لهذا. قال رحمه الله تعالى: «ولا تقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمون عليها؛ بحيث يكون مسلما مستقيما في دينه». وهذا شرط الرابع من الشروط التي يجب أن تتوفر لترجمة القرآن -الترجمة المعنوية- وهي التي بمثابة التفسير: أن يكون هذا المفسر أولا مسلما. وبهذا لا يجوز لنا أن نقبل تفاسير المستشرقين. المستشرقون هم قوم كفار، قاموا بالعناية بالعلوم الإسلامية والكتب الدينية، ترجموا بعضها، وخدموا بعضها بالفهرسة، وقاموا بأشياء كثيرة. أصل ذلك للطعن بالإسلام، ولتحريف ما يستطيعون تحريفه من تراث الأمة الإسلامية. ثم نشأ بينهم -كما يقال- بعض المستشرقين المعتدلين الذين أخذتهم العاطفة والإنصاف بأن يحرروا بعض ما وقع فيه من تحريف وتزييف، وإخراجه على حقيقته وصورته الصحيحة. ومع ذلك المستشرق كافر، والكافر لا يعرف الإسلام فضلا عن تفاصيل أحكام الإسلام. لا يعرف اللغة العربية فضلا عن تفاصيل اللغة العربية. ولو تعلم اللغة العربية، ولو المطالع بالفصاحة، لكن لا يعني ذلك أنه قد أجاد هذه اللغة بما به يستطيع أن يفسر ويترجم القرآن على الوجه الصحيح. فإذن لا يقبل التفسير من مستشرق، وليس مسلما فحسب، بل مستقيماً في دينه. فلا يقبل التفسير من أهل البدع. أهل البدع لا يقبل تفسيرهم -كالرافضة- إن جاء تفسير من إيران لا تقبله؛ لأن الغالب عليهم أنهم رافضة غلاة الرفض. إن جاء تفسير كذلك من الإباضية في عمان لا تقبله؛ لأنهم أهل بدع يفسرون القرآن على غير الصواب. إن جاء كذلك تفسير من بعض الباطنية في المغرب أو في الهند أو كذلك في اليمن أو غيرها من المتصوفة ونحوهم ممن عرف به مذهب مبتدع، فلا يقبل كذلك تفسيره، ولا تقبل ترجمته. فكيف إذا كان مجهولا؟ إذا كان مجهولا فمن باب أولى أن لا يقبل تفسيره. وكان سلفنا يقولون: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». لا يأخذ الدين من المجاهيل. يأتيك إنسان عزة شمس الدين، من عزة شمس الدين؟ مسلم، نصراني، أو سني مبتدع؟ ليس كل ما عجبك عنوانه أو شكله صح أن يبت وينشر بين الناس. وبهذا ينبغي أن ينتبه الكثير من المحسنين الذين يتعجلون بطباعة وشراء كتب التفسير والترجمة، يريدون الصدقة الجارية والخير، وربما ما أحسنوا. لكن ينبغي أن يرجع إلى أهل السنة وأهل الرسوخ في العلم؛ لأجل أن يميز له ما يصح أن ينشر وما لا يصح. وهكذا كذلك من شرط الاستقامة في الدين أن لا يكون فاسقا؛ لأن الفاسق ليس محل أمانة. فإذا هو لا تقبل شهادته، كيف تقبل ترجمته؟ فهو ربما يبيع دينه بالدرهم والدينار. وهذا كثير ما أكثر الفساق الذين صاروا يتاجرون بالكتب. وما أكثر الفساق الذين استغلهم أعداء هذا الدين لتحريف الدين بإسم خدمة الدين. كهذا التدين المعاصر مما هو تدين علماني، تدين علماني يبث وعداء هذا الدين في أشخاص تعرف من أشكالهم أنهم ليسوا بأهل دين؛ لإنسلاخهم من الدين. من أمثال عمر خالد ونحوهم، الطنطاوي ونحوهم. فهؤلاء كيف يصح أن يقبل منهم تفسير أو ترجمة؟ يذهب فيحاضر، فيعمل محاضرات في أمريكا أو في أسبانيا أو بغيرها، وربما زعم أنه يتكلم بلغتهم. وهذا كذلك مما ينبغي أن ينتبه له. فالخلاصة: تفسير القرآن بغير اللغة العربية يجوز بهذه الشروط الأربعة. وأخيرا تتم لهذا الفصل ننبه إلى مسألة أشار إليها بعض أهل العلم، وهي مسألة قراءة القرآن بغير اللغة العربية: هل تجوز؟ وهل تصح به الصلاة؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن ذلك لا يجوز، ولا تصح به الصلاة. وروي عن أبي حنيفة -من بين أهل العلم- أنه أفتى بجوازه، ولكن الصحيح أنه رجع في آخر حياته، وهذا هو الذي استقر عليه قول المحققين من الحنفية، بخلاف المتأخرين الذين تشددوا في غير صواب. فالصواب أنه لا تصح القراءة للقرآن، وكذلك تلاوته إلا باللغة العربية فقط. هل يجوز ترجمة أسماء الأنبياء؟ حيث أن بعض أسماء الأنبياء لها مرادفات أخرى في الإنجليزية، مثل: إبراهيم إبراهام، وعيسى جيسيس، وأيوب جاكوب، وداود ديفيد، ويوسف جوزيف؟ إذا كان نطقه كذلك فيفسر تفسيرا، ولا يعبر بمرادف لفظي، بل تقول: إبراهيم كما ذكر الله في القرآن، وبين قوسين لمن لا يفهم: إبراهيم إبراهام باللغة التي يفهمها. وهكذا عيسى، تأتي به بنطقه عيسى بأحرفه اللاتينية، ثم بين قوسين جيسيس لمن لا يفهم عيسى. وهكذا أيوب كذلك، وداود ويوسف. لا بد أن تبدأ باللفظ -لفظ القرآن- في الأسماء أسماء الأشخاص والأماكن، ثم بعد ذلك بين قوسين تأتي بمعناه باللغة.