الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 52، الدرس الثاني والخمسون:من:( الضمير ... أن يكون سابقاً على الضمير لفظاً ورتبة مطابقاً له لفظاً ومعنى مثل ونادى نوح ربه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدرس يبدأ بتعريف الضمير لغة واصطلاحا، ويبرز أهميته في تفسير القرآن الكريم. يُظهر كيف أن الضمير يلعب دورا حاسما في فهم المعاني القرآنية.
يشرح الدرس أهمية معرفة عود الضمير في فهم معاني القرآن، مع التركيز على الفرق بين ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب. يُوضح أن معرفة عود الضمير ضرورية لفهم الدلالات القرآنية.
الدرس يتناول قاعدة عود الضمير على مرجعه، مشيرا إلى أن ضمير الغائب يحتاج إلى مرجع يعود إليه. يُبين أن المرجع يكون سابقا للضمير ومطابقا له لفظا ومعنى.
ينتهي الدرس بخاتمة تشير إلى انتهاء الكلام مع الاعتراف بأن العلم الكامل لله تعالى. يُظهر التواضع والتسليم بقدرة الله على العلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «أصول في التفسير»: قال الضمير لغة من الضمور، وهو الهزال لقلة حروفه، يعني سمي الضمير ضميرا من معنى الضمور، وهو الهزال؛ لأن الضمير حروفه قليلة. وكما ذكر العلماء أن الضمير قد يأتي على حرف واحد، مثل «الهاء» في «ضربه»، وقد يأتي على حرفين، مثل «هو»، وقد يأتي على ثلاثة أحرف، مثل «نحن» و«أنا» ونحوه. فإذا تأملت تجد أن الضمائر أحرفها قليلة، وهذا معنى من معاني تسمية الضمير ضميرا لضمور أحرفه. قال: أو من الإضمار، وهو الإخفاء؛ لكثرة استثاره. وهذا كذلك معنى آخر صحيح؛ فإنه يأتي مستترا، ويأتي -كما سيأتي معنى إن شاء الله- ظاهرا؛ قد يأتي مستترا، وقد يأتي ظاهرا، وإتيانه مستترا أكثر من إتيانه ظاهرا، أي الضمير. ولهذا سمي كذلك الضمير ضميرا، كما قال القائل: «يا من يرى ما في الضمير ويسمع، أنت المعد لكل ما يتوقع»، أي: يا من يرى ما في ماذا؟ ما في الضمير، أي: القلب؛ فالقلب هو الضمير، وسمي ضميرا لاستتاره، وكذلك اختفائه، كما قال الآخر: «أزور محمدا فإذا التقينا فكلمت الضمائر في الصدور، فأرجع لم ألمه ولم يلمني، وقد رضي الضمير عن الضمير»، أي: تراض القلوب بعضها عن بعض. قال رحمه الله تعالى: وفي الاصطلاح: «ما كني به عن الظاهر اختصارا»، وقيل: «ما دل على حضور أو غيبة؛ لا من مادتهما». طيب، تعريف الضمير في الاصطلاح، قال: «ما كني به عن الظاهر اختصارا»، هكذا عرفه، وعرفه غيره كثير بهذا التعريف، وهو أشهر تعريف الضمير: «ما كني به عن الظاهر اختصارا»، فيؤتى به تكنية عن الظاهر على وجه الاختصار. وهذا معنى من معاني ذكر هذا المبحث في علوم القرآن؛ لأن دراسة مباحث الضمير له أهمية عظيمة في معرفة تفسير القرآن. وقد أشار السيوطي رحمه الله في كتابه «الإتقان» وغيره: أن ابن الأنباري رحمه الله ألف كتابا في مجلدين في أحكام الضمائر في القرآن، كتابا في مجلدين، وهذا يدلك على كثرة مباحث الضمائر في القرآن. فمثلا على سبيل المثال، قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَابِرِينَ وَالصَابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ إلى آخره، إلى أن قال بعد ذلك: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، قوله: «لهم» ضمير يعود إلى كم كلمة؟ إذا عددتها تعود إلى أكثر من عشرين كلمة. فلو أراد أن يعيد ذكر هذه الأسماء، كان ماذا؟ فيه طول، معناه سيعيد: «أعد الله للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات»، سيذكر عشرين كلمة. لكن كما قال رحمه الله: «ما كني به عن الظاهر اختصارا»، صار قوله: «أعد الله لهم» أغنى عن عشرين كلمة؛ قوله: «أعد الله لهم»، الضمير في «لهم» أغنى عن عشرين كلمة؛ فكني به عن الظاهر اختصارا. وهذا يدلك على معنى آخر كذلك، وهو أن معرفة عود الضمير مهم؛ معرفة عود الضمير مهم لأجل أن تعرف أحكام ما يرد عليك من آيات القرآن. قال رحمه الله: «وقيل: ما دل على حضور أو غيبة؛ لا من مادتهما»، ومعناه: أنه ما دل على حضور أو غيبة؛ لا من نفس المادة، مثلا تقول: «ضربك»، «أنت»، تقول: «ضربك» تخاطب إنسانا، هذا الإنسان له اسم، وله جنس، وله شخص، فهو لا يعود على نفس ما، على نفس مادته، وإنما يعود على ماذا؟ على معناه؛ يعود على معناه. ما تقول: «ضرب زيد»، فأنت تختصر وتقول: «ضربك»، فعاد الضمير على مخاطب أو حاضر أو غائب بما ليس من مادته؛ يعني بضمائر مناسبة. هناك ضمائر للغائب، وللمخاطب، وللحضور، وللمذكر، وللمؤنث، وللواحد، وللمثنى، وللجماعة؛ كما هو مفصل في مباحث اللغة والنحو. فلهذا قال بعد ذلك: «فالدال على الحضور نوعان»، وهذا التعريف الثاني هو تعريف الإمام بن مالك رحمه الله، كما قال رحمه الله: «فما لذي غيبة أو حضوري»، فجعل الضمير على هذا المعنى -كما أشار رحمه الله تعالى- قال: «فالدال على الحضور نوعان: أحدهما ما وضع للمتكلم، مثل: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾، فالياء في «أمري» هو للمتكلم، وضع للمتكلم، فهذا الضمير هو من ضمير الحضور، لكنه -أي الحضور- الحضور للمتكلم، الحضور للمتكلم». قال: «والتالي ما وضع للمخاطب، مثل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، فقوله: «أنعمت» هذا ضمير حضور، ولكنه هل للمتكلم؟ الجواب: لا، للمخاطب، هذا للمخاطب». والشيخ رحمه الله لم يرد الحصر، ولا الاستقراء لمباحث الضمائر؛ لأن هذا له فصول خاصة في كتب اللغة والنحو، فيرجع إليه في موضعه. لكن المقصود هنا هو معرفة الفروق بين ضمير المتكلم وضمير المخاطب، وهكذا كذلك ضمير الحضور وضمير الغائب؛ لما في ذلك من فائدة في معرفة معاني القرآن، ونحن ندرس الآن في علوم القرآن. قال رحمه الله تعالى: «وهذان لا يحتاجان إلى مرجع؛ اكتفاء بدلالة الحضور عنهم»، يقول: هذان الضميران في ضمير الحضور لا يحتاج إلى مرجع، ومعنى مرجع: يعني يعود إليه الضمير؛ لأن القاعدة أن الضمير إذا كان للغائب فهو يحتاج إلى عائد، دون ضمير المتكلم والمخاطب؛ لماذا؟ لأن ضمير المتكلم والمخاطب يفسرهما المشاهدة؛ يفسرهما المشاهدة والحضور. فأنت حين تقول: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾، المتكلم هو الذي يتكلم، فإذا أغنى ذلك عن عائد يعود إليه الضمير؛ لأنه ما هو مخفي. وهكذا لو قلت: «صراط الذين أنعمت»، كذلك الخطاب نوع من الحضور؛ الخطاب نوع من الحضور؛ ففسر هذا الحضور الضمير بما كان من المشاهدة؛ فأغنى ذلك أن يكون هناك عائد يعود إليه الضمير، بخلاف ضمير الغائب؛ ضمير الغائب يحتاج لتفسير؛ لماذا؟ لأنه ليس هناك شيء يفسره من الحضور؛ لا هناك متكلم، ولا هناك مخاطب؛ فلذلك فإن الأصل أنه يحتاج إلى عائد يعود إليه الضمير، كما سيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله. وبه نعرف كذلك قاعدة أخرى، وهو أن هذا العائد ينبغي في عوده أن يعود على متأخر لفظا، على متقدم لفظا ورتبة؛ لا يعود على متأخر لفظا ورتبة؛ إلا ما سيستثنى في مسائله إن شاء الله، مما تدل عليه القرينة، بما يجزئ عود الضمير على متأخر على حسب ما يبين إن شاء الله. قال رحمه الله: «وهذان لا يحتاجان إلى مرجع؛ اكتفاء بدلالة الحضور عنه»، فمعنى دلالة الحضور ما هو؟ ها، ما معنى دلالة الحضور؟ ليش؟ أنا عندي متكلم والمخاطب، يعني المشاهدة؛ المراد بالحضور المشاهدة؛ أنك تشاهد المتكلم أو تشاهد المخاطب. قال: «والدال على الغائب ما وضع للغائب، ولا بد له من مرجع يعود عليه»، كما سبق أن علمنا: الغائب لا بد له من مرجع يعود عليه؛ لماذا لا بد له من مرجع يعود عليه؟ ها، لماذا؟ هات، نعم؛ لأنه لا يوجد قرينة تبينه؛ لا يوجد قرينة تبينه؛ ليس هو مشاهد؛ لا متكلم، ولا مخاطب؛ فاحتاج إلى ذلك، إلى عائد يعود إليه، يوضحه ويبينه. قال: «والأصل في المرجع أن يكون سابقا على الضمير لفظا ورتبة»، وهو قولهم: «أن الضمير يعود على متقدم لفظا ورتبة، ولا يعود على متأخر لفظا ورتبة»، قال: «مطابقا له لفظا ومعنا»، مثل: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾، فنوح سابق لفظا ورتبة، طيب، وهو فاعل هنا، «ونادى نوح»، وهو مطابق للضمير في اللفظ وفي المعنى؛ فالضمير مفرد، «ربه»، وعاد الضمير على ماذا؟ على متقدم لفظا ورتبة؛ لماذا لفظا ورتبة؟ لأن الفاعل يتقدم على المفعول، وهو كذلك عاد إليه الضمير؛ فهو من جهة اللفظ، ومن جهة كذلك الرتبة؛ كانت له الأسبقية والأولوية. وهذا هو الأصل أن الضمير يعود على متقدم لفظا ورتبة. وأما نعنى المطابقة: يعني المفرد يوافق المفرد، والجمع يوافق الجمع، والمثنى يوافق المثنى؛ فهنا «ربه»، الضمير فيه للمفرد، وهو يعود على مفرد. وأبان بهذا أن هذا هو الأصل: عود الضمير أولا، احتياج ضمير الغائب إلى عائد واحد، ثانيا: أن هذا العائد يعود على متقدم لفظا ورتبة، ثالثا: أن يكون هذا العائد الذي يعود على متقدم لفظا ورتبة فيه مطابقة. ومعنى المطابقة هو الاستواء في الإفراد أو التثنية أو الجمع. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في الدرس اللاحق. نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.